جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة الشعـــــــــــــاعُ المختـــزل

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

........................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع: الشعـــــــــــــاعُ المختـــزل

حينما يعجز المنطق عن إيجاد الرابط الوهمي ما بين الأمل و الحقيقة ، و يعلن الرسامُ عجزئهُ عن رسم لوحةٍ تحوي خيوطاً للشمسِ في يومٍ ماطر ، يكون حينها المساء قد حل أخيراً ، ليوقد الكهل المدفئه ، ومع وميض مارجها الأزرق تلمعُ أعينهُ المنهكة خلف نظارته المقعره، ثم يستدعى زوجتهُ العجوز لتجاوره المكان بعدما أصبح دافئاً وحنونا، ثم يتهالكُ على كرسيهِ الهزاز و يظل لدقائق يمسح زجاج نظارتهِ بطرف القميص استعداداً لرحلة القرائة ، ومع كل هزة من كرسيه يتأرجح بندول الساعة ملتهماً بنوساتهِ الزمن.

حياتهما كالساعةِ التي تدلى منها البندول، ففي كل مساءٍ يتكرر المشهد، الكهل يبحر في كتابه دون أي ينطق ،والعجوز تحيك أشياء لا نفع منها، ثم يستسلمان للنوم بعد يومٍ كان كسابقه وسيكون كلاحقهِ.

في تلك الليلة وقبل دنو الليل لمنتصفةِ وإذ بالكهل يقطع قراءتهُ ويطلب الهدوء ، فتجيبه زوجتهُ ضاحكةً : أتطلب الهدوء من الهدوء الفظيع الذي يحيطنا ؟؟ ليعاود مطلبه .... ثم يدركان أخيراً بأن باب المنزل يطرق بشكلٍ خفيض.

منذ أمدٍ بعيد لم يزرهما أحد ، فالوقت متأخر والجو بالخارج بارد والمنزل قابع بتخوم البلدة وسط الظلام ، وعندما فتح الباب رأى شخصاً قد أخفى وجههُ بذراعيهِ، مما أوقع الرعب بقلبه، لكن سرعان ما طمأنه الزائر وأكد له عبر صوتٍ متعب بأنه عابر سبيل.

الحوار على أعتاب المنزل لم يدم طويلاً ، فسرعان ما صارا بالرواق المتواضع ، وعندما دخل الزائر رمقتهُ السيدة لبرهةٍ من الزمن ،ثم خفق فؤادها المنسي منذ سنين.

ذلك الزائر كان أشعث أغبر ،رث الثياب، يفقد إحدى عينيهِ ، ذو بشرةٍ متعبه للغاية وسيماء العذاب واضحٌ عليه ، وكانت لحيتهُ طليقة ، وقد غطى المشيبُ صدغيه، ادعى بأنه مسافر وانقطعت به السبل في هذا المكان المتطرف ، لكنه أتبع بأنه سيغادر البلدة إبان أن يرتاح ويسترجع قواه.

لم تمضي ساعة حتى أصبح الزائر الغريب ثالث اثنين ، منذ سنون خلت لم يشاطرهما أحدٌ السهر ، السيدة العجوز كانت تقترب قليلا منه - رغم ما عليه من آثار شقاء - وتحاول أن تتلمسه، لكنه كان يبتعد كلما دنت منه، طلب الزائر أن يلعب الشطرنج ، فأطلق الكهل تنهيده بعيده، وتمنى أن لا يكون قد نسي اللعب أو حتى أضاع مكانها.

أحس الجميع بأن الليل قد طال ، وكأن القمر يسامرهم ، وصفير الريح الباردة تغريدٌ شجي ، لحظات مرت وإذ بصوت بكاءٍ حنون ينحدر من ثغر السيدة العجوز، ران على المكان هدوء واضح، ثم استطرد الزائر بعد أن أدمعت عينهُ الوحيدة متسائلاً عن سبب بكائها ، وقلبه يفيض بالحزن.

لم تشأ السيدة أن تفسد جو المرح الذي ساد فغادرت المكان، وبصوتٍ ملئهُ الشجن بَيَن الكهل للشاب سبب بكاء زوجته ، حيث حملتها الذاكرة نحو ولدها الوحيد الذي انتهى مصيره قبل عشرين عاماً بالمعتقل لظروفٍ سياسية كان قد اندفع فيها اندفاع الشباب.

وبعد فترة هدوء استأنف الكهل حديثه قائلاً : حينما تتهافت الأحزان ويعلو صوت الذكريات يخضع حينها الإنسان لواقعهِ الأليم، ولكن إذا شع بصيص أمل كشعاع شمسٍ ينبثق من بين غمامتين حينها يدرك المرء بأن المستحيل ربما يتقهقر ... يا بني عشرون عاماً حملت بأجنحتها عشرون ربيعاً لكنها حملت معها أيضا مئات العواصف وآلاف الليالي الظلماء.

بدا على المكان حزنٌ ملموس بددتهُ السيدة بصوتها الحزين طالبةً الجميع استئناف ما كانوا يفعلونهُ بعدما شعرت بأنها أفسدت جو المرح السابق، وطلبت من الجميع مسح دموعهم ونسيان ما قيل .

اقترب الصباح من التنفس وتنهد الجميع بعد سهر ليلةٍ كانت تعد من أجمل ليالي العجوزين، بعد ذلك طلب الكهل من الجميع أن يخلدوا للنوم وقال لضيفه : يمكنك استخدام غرفة ولدنا فهي مغلقةٌ مذ رحل .

انصاع الجميع لأمره ، وفي الطريق للغرفة ربت الزائر على كتف الرجل وقال له: إذا انبزغَ شعاعُ شمسٍ نحيل من بين غمامتين عنيدتين فلربما تحتقرهُ أديم الأرض كونهُ لا يحمل لها دفئاً ولا ضوء، لكنهُ قد يسقط على زهره وحيده ضعيفه فيحييها للأبد.

بعد دقائق خَـلُـد الجميع للنوم وبعقولهم سلاسل من الأفكار لا تنتهي ، وبعدما غزت خيوط الشمس الذهبية الأفق ليبدأ معها نهارٌ جديد، استيقظ العجوزان بكل فزع حينما خُـلع باب المنزل عنوةً من قبل ضابطٍ يصحبهُ جنودٌ أغلاظ اندفعوا للداخل بكل همجيه، وانتشروا بأرجاء المنزل يفتشون المكان، أدرك الكهل بأنهم جنود المعتقل، فطريقتهم اللاحضارية دلت كم أنهم غارقون بالفوضى و الجهل .

لكنهم لم يعثروا على شيء ، فغادروا المكان بعدما خلفوا ورائهم المشاع ، بعدها خيم على المكان هدوءٌ مشوبٌ بالاستغراب ، ثم اندفع الكهل و زوجتهُ لغرفه الزائر ، ليكتشفان بأنها خاوية ولا أثر فيها سوى بقايا إحساس قديم .

و عند حلول المساء جلس العجوزان صامتين منصتين فقط للباب فلربما يُقرع بأي لحظة ، ولما حان وقتُ النوم ، توجه الكهل نحو باب المنزل وأزاح المزلاج عنه وبات من السهلِ على أي شخصٍ في الخارج أن يلج فيه.

أفاقت السيدة العجوز فجراً على إثر ريحٍ باردةٍ أحست بها ، وحينما نظرت لمصدر هذه الريح رأت زوجها واقفاً أمام النافذة لا يهابُ برودةَ الطقس ، ظنت بأنه ينظر نحو الطريق وكأنه ينتظر شخصاً ما ، قامت نحوهُ بهدوء لكنهُ لم يشعر بحثيث خطاها، كان يتأمل السماء مراقباً لغمامتين عنيدتين وثمة شعاعٌ نحيل للغاية يحاول اختراقهما، وكلما نجح الشعاع و انبثق من بينهما ، تسارع إحداهما أو كليهما لكبحهِ و حجبه ، و كأنه صراعٌ بين الأمل و الحقيقة ... عادت لفراشها باكيةً وبلا شعور مدت يدها نحو وسادةِ زوجها فوجدتها مبللة.

سعد ولـــيد بريدي