جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة الدَّرْوِيـــش

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

........................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع: الدَّرْوِيـــش

حَـدّثني من لا أشُكُّ في صِدْقِهِ؛ عن أبيهِ عن جَدّه الأكبر: أنّ رجلاً "درويشاً" كان يقيم في كوخٍ قديمٍ على قارعةِ الطريق، بالقرب من بلدتهم النائية. لمْ يأْبهْ الناسُ به في حياته أبداً. لكن عندما سمعوا بموته؛ حزنوا عليه أشدّ الحزن .. خاصة البسطاء والفقراء والمساكين الذين كانوا يرونه أباً حنوناً، وشيخاً صالحاً يلتمسون عنده البَرَكَة، ويطلبونَ منه الدعاء .. كما في الخضر في زمانه! وقدْ قِيل: إنّ أكثر الذين تضرروا بموته؛ هم عابرو السبيل الذين كانوا يتخذون من كوخهِ الصغير مَلاذاً للأمنِ والسكينة.

لكن البوليس؛ كان يعدّ وجوده على قارعةِ الطريق خَطراً يهدّد الأمن العام .. لاسيما بعد الشكاوى المتكررة من تجار المخدرات والمهرّبين وعصابات المافيا، الذين كانوا يخشون افتضاح أمرهم، بسبب تجمّع الناس في ذلك المكان! فلم يهدأْ رجال البوليس إلا بعدما قاموا بطرد الفقراء، وهدم الكوخ على "الدرويش" ومَنْ معه .. !

* * *

بعد سنين طويلة خَلَتْ، حدثتْ واقعةٌ غريبةٌ في مكان الكوخ المتهدّم .. واقعة غريبة بكل تأكيد، بلْ هي أغرب من الخيالِ ذاته!

فالضابط الصغير الذي قام بهدم الكوخ .. انتقلَ للعمل بالإسكندرية، وبورسعيد، ومرسى مطروح .. وترقّى في المناصب حتى بلغ درجة "لـواء". بعدها صدرَ أمرٌ بتعيينه محافظاً لـ(قنـا). وقبل أن يَتسلّم مهام منصبهِ الجديد .. قرر وزوجته قضاء إجازة عيد الفطر في مدينة الأقصر بصعيد مصر الجواني، وبينما كان يقود سيارته، أصابه التعب والإجهاد، لهطول الأمطار بغزارةٍ في تلك الليلة شديدة البرودة من ليالي الشتاء .. فاضطرّ أن ينزل في الحال من السيارة .. إلى أنْ يتوقف المطر.

وفجأة؛ شاهد ضوءاً خافِتاً ينبعث من مكانٍ بعيدٍ تحيط به الأشجار الكثيفة .. وما إنْ وصلَ بصعوبةٍ إلى هذا المكان، حتى فُوجِئ بقصرٍ تحوطه أشجار وبساتين تجري من تحتها الأنهار!

ببطءٍ شديد .. اقتربَ من الجانب الأيمن الشرقي المضيء من القصر، فطرقَ البابَ فلم يُجِبْ أحد، فهَمّ بالرجوع .. لكنه أعاد الطرق مرة أخرى، فإذا بشيخٍ وقورٍ يفتح الباب بهدوء، ولسانه يلهج بالتسبيح والتحميد .. فأقبلَ الضيفُ نحوه وسَلّمَ، وطَلَبَ السماح له وزوجته بقضاء بعض الوقت عنده حتى يتوقف المطر .. لمواصلة الرحلة إلى الأقصر.

فرحّبَ بهما الشيخ ترحيباً حاراً .. وعلى الفور قدّم لهما مائدة عليها كل أصناف الطعام والفاكهة، وأعقبها بالمشروبات الساخنة.

ولمّا أَحسّ "الضيف" براحةٍ نفسيةٍ نحو الشيخ، أراد أن يتسامر معه .. فقاطعه على الفور، قائلاً: هل صلّيْتَ العِشاء يا حضرة الضابط؟

لا .. لأنني غير مواظب على أمور العبادة.

وما الذي يمنعك عن المواظبة؟ قُـمْ فتوضأ الآنَ وصـلِّ، لعلّ الله يُنيرُ بصيرتك.

فأحسّ بالخجل، وصَلّى .. ثم عاد وجلس بجوار الشيخ، وسأله عن اسمه وعمله؟

قال: اسمي عبـد الرحيـم. وعملي: تأمين الخائـف، وإطعام ابن السـبيل.

اندهشَ من هذا الجواب الذي لم يسمع مثله قط! فطأطأَ رأسه، ثم قال بصوتٍ خفيض: علّمني شيئاً أيها العارف ... فقاطعه غاضباً: كلا، فواللهِ ما عرفَ الله إلا الله!

فتعجّبَ منه! ثم أعادَ القول: علّمني شيئاً -أيها الشيخ- يُقرّبني من الله ومن الناس؟

قال: الذي يُقربكَ من الله؛ مسألته. وأمّا الذي يُقربكَ من الناس؛ فترك مسألتهم!

بعد قليل؛ أخرج الشيخ من جيبهِ مسبحةً خضراء لونها تَسرُّ الناظرين! ونظر إلى صاحبه بتفرّس، ثم تمْتمَ وهو يهزّ رأسه: السعيدُ حقاً مَنْ يعتبِر من عجائب الجزاء في الدنيا .. فإنه لمّا امتدتْ أيدي الظلم من إخوة يوسف ]وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ[ امتدتْ أكفّهم بين يديْه بالطلب، يقولون: ]وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا[! ولمّا صبرَ هو يوم الهمّ؛ مَلَكَ المرأة حلالاً! ولمّا بغتْ عليه بدعواها: ]مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً[ أنطقها الحق بقولها: ]أَنَا رَاوَدتُّهُ[!

* * *

وفي ختام السهرةِ الطويلة، توجّه الشيخ للتهجّد، بعدما أشار إلى الضيف وزوجته بالنوم في الغرفة الواسعة الخلفية.

في صباحِ اليوم التالي، نهض الضيفُ وزوجته المسافران من نومهما مبكراً، كيْ يواصلا رحلتهما .. وعند الرحيل، اقترحت الزوجة أنْ يتركا هَـديةًما للشيخ الذي ضَيّفهما وأكرمهما.

استمرت الرحلة، حتى وصلا إلى البلدة التالية، والتي لا تبعد سوى أميالٍ قليلةٍ عن المكان الذي قضيا ليلتهما فيه .. فأوقفَ سيارته أمام "مقهى" صغير لتناول طعام الإفطار .. وقبل المغادرة، نادى على صاحب المقهى، وسأله عن صاحب القصر العظيم الذي يقع بالقرب من الطريق العام؟

فإذا بصاحب المقهى ينظر إليه بدهشةٍ شديدة، وكأنه لا يُصدّق ما سمعه!

وعندما سأله عن سر دهشته .. قال صاحب المقهى: إنكَ يا سيدي تمزح، أوْ إنكَ تقصد مكاناً غير الذي تُحدّثني عنه!

فأقسمَ له على صِدْقِ كلامه، وأشهدَ زوجته على ذلك، فأكدتْ صحة ما قيل .. بلْ قامت بوصف المكان كله .. ووصفت الشيخ الوقور وصفاً دقيقاً.

عندئذ؛ كاد صاحب المقهى أن يُصاب بالجنون مما يسمع .. فقال وعيناه تلمعان:

هل الشيخ الهَرِم اسمه (عبـد الرحيـم

قال على الفور: نعم .. هو قَدّم لي نفسه بهذا الاسم.

فاستدارتْ الزوجة، وسألت صاحب المقهى: هل تعرفه؟!

قال القهوجي -مندهشاً-: إنه درويشٌ مخبول كان يقطن كوخاً صغيراً، هدمه البوليس فوق رأسه منذ سنين بعيدة! فلا يوجد الآن كوخ ولا قصر ولا يحزنون!

فأُصيبَ الزوج بحيرة شديدة .. وظلّ يُقسِم أنه وزوجته أقاما عنده الليلة الماضية، وتناولا معه الطعام، وشربا معه الشاي أيضاً!

من أجل إنهاء الجدل، قال صاحب المقهى: هذا أمر مستحيل الحدوث .. وأنا لا أُصدّق؛ لأنّ (عبـد الرحيـم) مات منذ زمنٍ بعيد! والكوخ ذاته أصبح بقايا أطلال، ولا وجود له على الإطلاق .. ولم يقف أحد في هذا المكان منذ هذا الزمان .. وهذا الحدث الأليم.

ولمّا احتدم الجدل بين الزوجيْن وصاحب المقهى، عرضا عليه أن يصحباه إلى ذات المكان، لكيْ يتأكد بنفسه، وليُبرْهِنا على صِدْق قولهما .. فوافقَ صاحب المقهى في حماسٍ شديد، وأغلق المقهى على الفور، وركب معهما العربة .. واندفع خلفهم كل من كان بالمقهى، من دهشة ما سمعوا!

وعندما وصلوا إلى المكان ذاته، أصابتهم حالة من الرعب الشديد، فقد وجدوا أنّ المكان عبارة عن ساحة شاسعة تملؤها أعشاب محترقة وبقايا كوخ متهدّم!

وهنا .. لم يُصدّق الزوجان أعينهما! وسرعان ما صرخت الزوجة، وهي تشير إلى زوجها وصاحب المقهى بإصبعٍ يرتجف من الخوف .. وهي تقول:

انظروا .. هذه هي "الأجـندة" التي تركناها قبل أن نخرج من هنا في الصباح الباكر!

فردَّ الزوج في حالة من الذهول: حقاً .. إنها هِيَ هيَ نفس "الأجندة الحمراء" التي وضعتها بيدي!

* * *

في صباح اليوم التالي؛ كان هذا "الضابط" قد تَسلّم عمله الجديد (محـافظ قنـا) فاسترجعَ ذاكرته .. ثم فكّر وفكّر .. فكان أول قرارٍ قد أصدره: هو تحويل المكان الذي به الكوخ إلى ساحة ومسجد ومقام سـيدي (عبـد الرَّحِيـم القِنَـائي)!

j