جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة مشهد رتيب

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

........................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع: مشهد رتيب

نفس المشهد الكالح يطالعني، كل صباح وكل مساء، بل وفي أيّ وقت. أبصق بلا لعاب. نفس الوجوه الكئيبة، تصطدم بها عيناي حين أغادر البيت - مرغمًا- لابتياع أيّ شيء.

أجسادهم لا تفارق كراسي المقهى، وأعينهم تطوق كل شيء.. نفس الزبائن يغتالون الوقت بتفاهاتهم اليوميّة.

أمني النفس بالرحيل إلى مكان لا يعرفني فيه أحد، ومغادرة هذا الحي البائس. وبعيدًا عن بيتنا، أتدرب على التشرّد، وحيدًا.

جيراننا البؤساء -عفوا الأعزاء!- يسألون أبي كلما التقوه:" لم لا يقعد ابنك في الدكان؟".

حل طوباويّ لمشكل شاب ضائع، كما الملايين. هكذا ببساطة، وكأنّ كل أحلامي أن أسجن خلف منضدة، وسط حي يقتات أهاليه على التدخل في خصوصيات الآخرين. لسوء الحظ أنني لست من هواة الاسترخاء على الكراسي و... !!.

"أبي بلا شخصيّة! لو كان رجلا حقيقيّا لصرخ في وجوههم: "راقبوا نساءكـ"ن" وبناتكـ"ن"، لا شأن لكـ"ن" به.. هو رجل في كل الأحوال"، قلتها لأمي، فاتهمتني بالوقاحة.

تجنّبـًا للقيل والقال، لذت بعزلة البيت.. لا أغادره إلا في اتجاه مكتب البريد.

كلما رأيت ساعي البريد الكهل، بدراجته النارية الصفراء، وحقيبته الجلدية اعترضت سبيله، أسأله وهو يخترق شارعنا الكئيب إن كان في حوزته أية رسالة باسمي.. مكرهًا أخاطبه.

إنه لا يبتسم أبدًا، مثل أبي تمامًا، وكأنّ كل هموم العالم اقتسماها سوية، أي بؤس باذخ أن "تصبّح" على سحنة عابسة؟! تفوو! حتى المباني في حيّنا متجهمة.

وحدها جارتنا تطلق سراح عصافير ابتسامات جذلى كلّما لمحتني، وأنا أحاصر ساعي البريد، حين يقترب من أحد البيوت المجاورة.. تبًّا لهذا القلق، إنه يجعل الحياة بلا طعم، والنوم عصيّا، والزمن بطيئًا بشكل مقزز، فأثور في وجه أيّ كان، بلا سبب!!..

ليت رسالة واحدة تصلني من أولئك الذين أراسلهم. ليتهم يطلبون مني ألا أزعجهم بمراسلاتي، أو ينصحوني بألا أضيّع وقتي في انتظار ما لا يأتي.

ابتسامات جارتنا صارت ذات معنى، وأنا أتجاهلها. تكاد تنقلب إلى ما يشبه ضحكة مكتومة، تخنقها بيدها البضة. أرجو ألا تسخروا مني إن صارحتكم بأني استفسرت عن هذه الابتسامات الحمقاء والحركات الغريبة، (لا أنكر أني غبيّ عاطفيًّا)، بيد أن صديقي الكاتب نصحني بأن أتفادى الأمر برمته، وأن أبحث عن أخرى، وقهقه، مشيرًا إلى نفسه بزهو:" ينصح الخبراء في هذا المجال بألا تصاحب بنت الجيران وألا تتزوجها أيضا...!!".

يخيّل إليّ أن ثمة فرق شاسع بين الواقع والروايات والأفلام؟

بالأمس، كنت مع صديقي الكاتب، الذي تفاجأت به بائعًا متجولا... يحمل بعض نسخ مجموعته القصصية الجديدة، يعرضها على رواد مقاهي الكورنيش باعتبارهم زبائن مميزين...

- أستاذ، ألديك اهتمام بالقصة؟

منهم من كان يسأل حتى يتأكد، فلأول مرة يسمع "مجموعة قصصية"، ثم يعتذر.. ومنهم من يعتذر بإشارة من يده، دون أن يلتفت إليه متظاهرًا بأنه ينظر إلى الناحية الأخرى.

عرفت منه، فيما بعد، أنه قام بإحراق كل النسخ، في لحظة يأس، ونعته أحد أصدقائه الكتّاب بالجنون، وبأنه مريض نفسانيًّا.

لم يعقب، اكتفى بالصمت..

أوف !حكاية صديقي الكاتب جعلتني أخرج عن الموضوع، كالعادة. عمومًا، كثيرون لاحظوا أنني صرت شارد اللب، زائغ النظرات هذه الأيام... المهم، لم أهتم بجارتنا، لأن الحبّ يكون حلوًا في بداياته فقط، والعهدة على صديقي الذي يكتب قصصًا تشبه كتابات محمد زفزاف، ولا أريد أن يعكر الحب صفو حياتي، فيكفيني ما أكابد!...

في ذلك الصباح الخريفيّ، غادرت فراشي بسرعة متجهًا نحو الباب، بعد أن سمعت هدير محرك دراجة ناريّة أليف، وقرعـًا خفيفـًا على الباب. لمحت ظرفـًا أبيضَ، ارتجّ قلبي، وأشرق فرح في عيني، يئست من أن يصافح أعماقي...

أخيرًا... وصلتني دعوة لاجتياز امتحان. يا الله!!.

بعد أسبوع، سأغادر هذه المدينة الكئيبة. ربّما أودّع هذا الحي، إلى الأبد. فتحت الظرف بسرعة، وجدت الرسالة باسم شخص آخر، غاص قلبي في أعماقي، وعقدت الدهشة لساني، قلبت ظهر الرسالة، إنه نفس عنوان بيتنا، لكن المرسل إليه...

في أقل من ثانية، وجدتني أركض في الشارع بحثـًا عن رسالتي، التي قد تصل إلى عنوان آخر، خطأ... لم أنتبه إلى أنني كنت أركض في الشارع بثياب النوم، وسمعت ضحكات انفلتت، هذه المرّة، من جارتنا. لم أبالِ بها، ولم أنتبه إلى أنني انتعلت فردتي صندل مختلفتين وجدتهما أمامي، إحداهما لأمي والأخرى لأختي.

لم أكن أبصر غير الكهل كئيب السحنة وهو يبتعد، وأنا ألعن اليوم الذي رأيته فيه، مرقت بجانبي سيارة، اصطدمتُ بمقدمتها. حاولت أن أواصل ركضي، لكن ألمًا فظيعًا استبد بركبتي، وفي المستشفى، لم أكن أفكر سوى في رسالتي الضائعة، وقد خيّم على روحي حزن طاغٍ، والطبيب ينصحني بملازمة الفراش، وعدم التحرك بسبب كسر ركبتي، وعلى شفتيه ابتسامة بلهاء، وفكرت في أن أسأله: لماذا تبتسم كأبله؟!.

يتأرجح جسمي الضئيل من فوق العكازين، تخترق مسامعي ضحكات من فوق الكراسي متشفيّة.. أتوقف برهة، وأنا أسمع ولا أسمع شيئـًا مما يقولون عني. ألتفت خلفي.. جارتنا الجميلة، وكذلك ابتساماتها المشرقة اختفت.. في ثرثرتهما الصباحيّة، أخبرت جارتنا أمي بأن جيراننا انتقلوا إلى مدينة أخرى.

ويغدو كل شيء من حولي... مقفرًا كئيبًا، وكأني في مقبرة مهجورة.