جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة دفء المعطفين

دفء المعطفين

بكل ما يملكه صوته من حبٍّ وحنان.. ناداها.

توقَّفت, التفتت, ابتسمت.

سار كل منهما نحو الآخر, على الرغم من بطء الخطوات فقد كانت تمثِّل ما يختزن قلب كل منهما اتجاه الآخر .

همس: ما رأيك لو نمارس لعبة جديدة تفتح قلبينا على نوافذ نجهلها ؟

ـ سوَّرتَ قلبي بلهيب الشوق لمعرفتها.

ـ اللعبة بسيطة جدَّاً, تتلخَّص بأن نتبادل لبس المعطفين.

ـ لكنَّ القياس مختلف تماماً, وقد يخجل الجسد مما ارتدى, فيبدو الأمر مضحكا .ً

ـ التجربة جميلة, لا ضير فيها.

بعدما تبادلا لبس المعطفين, انداحت ابتسامات ملوَّنة, وغمزات مشوبة بفهم نوايا الآخر.

ضمَّ ياقة معطفها حول عنقه, رفع رأسه بنشوة قائلاً:

ـ معطفك مثقل بالحجارة البيضاء, تحضنها أعشاب نديَّة, أكاد أسمع صدى زفير الأقحوان بين ثناياها, وكأنَّ شذى العالم تجمَّع حول تويجاته.

دارتْ بمعطفه الفضفاض دورات عدَّة, وهي تضمُّ طرفيه إلى صدرها, هزَّتْ رأسها مُبعدةً شعرها عن وجهها مبتسمة موحية أنها فهمت خيوط اللعبة:

ـ في معطفكَ حجارة سوداء مكحَّلة بالأخضر, وطيور تحبسها عن التَّغريد .

تنهَّد, فرد يديه, ثم ضمَّهما إلى صدره, وهو يداري ابتسامته :

ـ الكُمَّان ساقيتان من حنان, والصدر خرائط فنجان قهوة تجيب عن ماهيّة الحبيب.

دارت بالمعطف دورة أخرى, توقَّفتْ. تحسَّستْ قماشه قائلة:

ـ جوخ معطفكِ مبلل بعواطف مضطربة, بعض خيوطه مغزولة بسنَّارة التلاعب والاحتيال, أما أزراره فهي موشكة على السقوط, وبعضها مختفٍ كأقمار خلف الغيوم.

أطبق معطفها على صدره بعدما غمر رأسه في ثناياه, وعبَّ دفعة من عطره, رفع جبينه قائلاً:

ـ في جيوبك رائحة تخاذل و خيبة, وأزهار توت كاذبة, ورسائل مكتوبة على أوراق هشَّة تتطاير نحو طرقات معتمة .

ردَّت بنبرة قاسية: في جيوبك وجوه لعملات غريبة تصكها لهذا الزمان, وأزرار مقطوعة من ثياب مات زيُّها, وقطع محارم مطرَّزة بلهاث الحبِّ مدفونة في العتمة كرأس نعامة خائفة.

عكـَّر التجهُّم وجهه. افتعل ابتسامة قال:

ـ بين ثنايا معطفكِ: تعاويذ وحجب أدعيات ونذور وشفاه محترقة, أيد عابثة , وأغانٍ راقصة, مشاوير طيور حالمة, وأزاهير بلا عطور وألوان .

طفح وجهها بحمرة شقائق النعمان, فلم تتمكـَّن من امتصاص غضبها, أو التوقُّّّف عن متابعة الردِّ, انتفضتْ كطير أفلت من يدي طفل عنيد:

ـ في حنايا معطفكَ أباريق مترعة بالأكاذيب لعيد الحبِّ, وابتسامات ملوَّنة تتقن فن الإغراء بحذق, ومرايا امتصَّت عيونها صوراً غير لائقة.

مسح جبينه الرطب بكمِّ معطفها قائلاً:

ـ تجول في بطانة الصدر ورود لا تعرفين قيمتها, كما أنها غير قادرة على حبس أنفاسها, لأنها تلهث خلف أرقام تغيَّرت لغة خطوطها.

تأوَّهتْ. رفعتْ ياقة المعطف إلى وجهها, ثم جذبتها نحو الأسفل بغيظ , اغرورقتْ عيناها بدمعات لم تتمكـَّن من حبسها قائلة:

ـ في معطفك دفء أنفاس الصبايا, وخمور قطرتَها من زهر الصبَّار, وعناقيد تخضَّبت قسوة, ومرارة. طيَّاته المعتمة تتوسَّدها نوايا شائكة. فمن تراها ستكون رقم النهاية ؟

شعر أن اللعبة تحوَّلت إلى ورطة ليس من السهل ترميم جراحها.

داعب وجهها بحنان: يبدو أننا حين تناوبتنا حركة الفصول لم نحسن اختيار ملابسنا.

ـ ربما لأن الفصل كان يطرح فصولا جديدة وغريبة لا نعرف أوانها, وأيها المثمر, أو الكاذب منها.

أخفى وجهه بكمِّه, انداح صوته ضحكة عالية, محاولاً أن يستغلَّها لتخفيف حدَّة النقاش الذي تطوَّر وارتفعت وتيرته إلى حدٍّ خاف على ضياع نكهة الحبِّ بينهما, فالنوافذ التي انفتحت, عبرتها رياح أقضَّت سكون الحبِّ, فحملته, وهي تصفر بخوف.

فسحة من الصمت ارتفعت حاجزاً بينهما, مرَّت أصابعه فوق خدَّيها, ضمَّ وجهها بيديه قائلاً:

وددتُ من تبادل المعطفين أنْ يرتدي كلّ منا الآخر ليستمتع بدفئه, رائحته حرارة أنفاسه, وحلاوة روحه, و ليعيش لحظات ممتعة مميَّزة, فيعبر بذلك أبواب الارتقاء, حتى لو هبَّت رياح قارسة لا مانع من التجربة, والخوض في بحار غريبة .

ـ لا أنكر حين ارتديت معطفك. شعرت أنني بجعة تطير بثوب حريري طرزته ساحرة ماهرة من عهد بعيد, فحلَّقتُ في شذى فضاء جديد, وعندما تهافتت عليَّ الظنون, أخذت البجعة تهوي نحو الخيبة بأسى.

ـ عندما ارتديت معطفكِ, تلبَّسني حبُّك نعاساً أغرق روحي .

أمسك يديها بحنان, ابتسم مدارياً نظرة الندم, قال مبدياً لهفة عطرة:

أنت غبار طلع الحياة, فاجعليني موطناً للربيع, و انفرشي على مساحات تويجات روحي.

ـ أطفأتَ ناراً ما كنتُ أظنُّ أنَّ بحار العالم سترويها, أنتَ فؤادي فانسكب عطراً على جروحي.

ـ كلُّ الكواكب تدور حولها أقمار عدة, إلا كوكبنا الأزرق فله قمر واحد, فهل لكِ أن تكوني كوكبي السماوي؟

ـ قبَّلته بنظرة حبٍّ غامرة, تنهَّدت: شرط أن تبعد شمسكَ المحرقة عن جوانحي.

بأمر الحبِّ اقتربا, غطَّى كلٌّ منهما رأسه بمعطف الآخر, التصقا, تعانقا, طحنا كل الأحرف, فتقاذفت أرغفة الكلام مواقف ودواوين وروايات تلفُّ المدن والعالم, انبرى صدى صوتيهما بالغناء يهزُّ أنهار الوديان وأعشاب السهول , أشجار الجبال وعناقيد الحبِّ.

تلاشى الجسدان, وتناوب الحلول والرحيل وجوهاً جديدة في جدليَّة الحياة المطلقة تحت دفء المعطفين .