جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

الفتاة والنهر

الفتاة والنهر

غزوان بزي

-توازي العتمة الخارجية مع العتمة الداخلية

-الخارج انعكس على الداخل وبدأت التداعيات التي

-خطاب البنت قبل الانتحار

-يحتاج الى التكثيف لا حاجة الى كل التفاصيل

====================================

كان الوقت بعد منتصف الليل. السماء تبرق وترعد مخلفةً وراءها الظلام والأمطار المتوحشة، الطرقات كانت فارغة تماماً، والكهرباء قد انقطعت، كل ذلك كنت أراه عندما نظرت من نافذة غرفتي، في الفندق الذي نزلت فيه المجاور للقصر العدلي .

كان النوم في تلك الليلة بعيداً عني، كأنه خرج تحت المطر ليأخذ حماماً من الماء البارد وتركني أحيا في قلق وضجر.

فكرت في إكمال قصتي التي بدأتها. النوم رحل والخيال لا يأتي تحت أعين الرقباء، جناحاه الوحدة والصمت.

أخذت ورقةً بيضاء وقلماً وجلست أمام الطاولة. على ضوء لمبة الكاز. أمسكت القلم .كان يتلعثم بين الحين والأخر فلا ينطق إلا بعد إلحاح شديد.

بدأت أخطّ بعض الكلمات التي ليس لها معنى. كانت تؤلف جملاً ولكنها غير مفهومة. حاولت ترتيب أفكاري لأكتب شيئاً مفهوماً، لكن يبدو أنني قد فقدت الكلمات. بدأ ينتابني شعور غريب بالكآبة والحزن.

لماذا لا أستطيع الكتابة؟

هذا هو اليوم العاشر على التوالي ولم أمسك القلم ، وطائر الخيال عندي قابعٌ وكأن أحداً قصّ جناحيه فجعله عاجزاً عن التحليق والغوص في الأعماق. كانت أعصابي متوترة والدم يغلي في عروقي، فكرت بالخروج من الغرفة لكي أمشي قليلاً تحت المطر، علّ لفحة السأم هذه ترحل عني. كان المطر غزيراً، العاصفة شديدة، لكني سأخرج رغم ذلك.

ارتديت ملابسي وانتعلت حذائي الشتوي الطويل، ومن ثم التقطت مظلتي وخرجت.

كان الظلام شديداً على السلّم حتى أني تعثرت أكثر من مرة.

ببطءٍ شديدٍ وصلت إلى الطريق، بتؤدة فتحت المظلة وبدأتْ رحلة البحث عن الكلمات.

مشيت في شوارع عديدة وأزقة لا حصر لها، ولكن بلا فائدة فالكل يغطّ في نومٍ عميقٍ ولم أصادف أحداً في طريقي، فقط بعض القطط والجرذان كانت في زوايا الطريق وهي تصدر أصواتً غريبة، ولّدت في نفسي الخوف والفزع فأسرعت الخطى مبتعداً عنها.

آهٍ، لقد مشيت كثيراً، ولكني لم أرى شيئاً يثير الدهشة ويجدد في نفسي الأمل في الحياة والكتابة .

تعبت، المطر يزداد غزارة، مظلتي تكاد لا تقيني من المطر فهي قديمة وممزقة وقد أصلحتها أكثر من مرة .

كلّ هذه الأشياء كانت تدفعني لكي أعود إلى الفندق بدون كلمات وفكرة.

لكني كنت مصمماً على السير في الطرقات والأزقة، فجأة تحولت وجهتي دون أن أشعر إلى حافة النهر الذي اعتدت في وقت حزني وضيقي بالذهاب إليه لأشكو إليه همّي وبؤسي، فهو يجري بلا توقف، فأرميها فيه لتذهب دون رجعة إلا ما تعيده إليّ الأسماك.

وأنا أفكر بشيءٍ من هذا القبيل، وصلت إلى حافة النهر الذي بدا وكأنه غريبٌ عني. كانت حبات المطر تضرب صفحته بكل قوةٍ وكأنها تعاقبه على مساعدتي والتخفيف عني.

كنـــت أنظـــر إلى النهــر وكأنــي أراه لأول مــرة، انشــغلت بدقــةِ المشــهد الــذي أيقــظ عندي طـــائر الخيـــال وأرســله بعيداً بعيداً، وبدأت الكلمات تولد في أعماق الـذاكرة، نبضات القلب كانت منتظمة وهادئة. بدأ عالم جديد يظهر ونسيت كل شيء حتى المطر والمظلة الممزقة وبدأت أحلم. أحلم بالحياة الهادئة المجردة البعيدة عن البيع والشراء، البعيدة عن مباذل الحياة والقريبة من الورود واللوحات.

وعشت دقائق سعيدة أحلم بالحبّ وأقطف ثماره، أرى الجمال وأتحلى به، أراقب الغروب وأكتب عنه، أودع أمي وأعود إليها.

ليس هناك حجابٌ بيني وبين الشمس، وليس هناك شرطي يقف علي أوراقي وشعري. وفجأة أرى العالم قد انتهى وحُجب عني ببكاء شابةٍ إلى جواري. لم أسمع بالضبط ما كانت تقوله لأن كلامها كان ممزوجاً بالبكاء الشديد الذي يقدّ القلب والأعصاب.

انتفضت مذعوراً من حلمي وعالمــي ونظرت باتجــاه الصوت، فإذا بها فتــاةٌ لــم تتجاوز الخامســة عشرة مــن عمرها كانت على مسافة مني. ركضتُ مسرعاً نحوها لأعرف لماذا تبكي ولماذا هي هنا وتحت المطر.

قبل أن أصل إليها في لحظة الصمت الحياتية، سمعت بعض الكلمات التي قالتها ومباشرة رمت بنفسها في النهر.

قالت: وداعاً أيها اليُتم القاسي. وداعاً أيها الفقر. وداعاً أيها العار. وداعاً يا رغيف الخبز المخيف. وآخر كلمةٍ قالتها ورنّت في أذني: سأختصر هذه الحياة القاسيــة بدمعة وأيّ دمعة.

في هــذه اللحظة وصــلتُ إلى مكانهـــا الذي غادرتــه منذ لحظات لتنتقل إلى عالم آخر لا أعرفه، نظرت في النهر كانت الفتاة مفقودة، لقد اختارت من النهر مكاناً عميقاً لترمي بنفسها فيه. انتابني شعور غريب بالخوف واليأس وفي نفس الوقت بالإحباط والتشرد، ازدادت غزارة المطر وهبت عاصفة هوجاء ضجت بها المدينة ، كانت الأشباح تتراءى ليّ في كل مكان فركضت مسرعاً أفتش عن الفندق، عن الدفء.

كانت الشوارع والأزقة متشابهة وغزارة المطر جعلتني عاجزاً عن المتابعة وتحديد الاتجاه. شعور غريب كان يسيطر عليّ بأن أحداً ما يتبعني ويريد الإمساك بيّ. كانت خطواتي تزداد ارتجافا وضعفاً حتى أن قدميّ لم تعد تحمل جسدي الذي أثقل بالمطر والخوف.

لا أعرف كيف شاهدت الفندق أمامي وكأن يدّ القدر قد ساقت الفندق إليّ رفقاً بحالي، صعدت السلّم طالباً غرفتي، كنت أتعثر على السلّم وكأني طفلٌ صغيرٌ أصعده لأول مرة وصلت الغرفة. فتحت الباب بيد مرتجفة كنت اشعر بأن شبحاً يصعد السلّم وكان قريباً مني إلى درجة الموت.

دخلت. أغلقت الباب بقوة، وبدأت أسحب كل شيء في الغرفة لأضعه خلف الباب من شدة الخوف والذعر الذي بدأ يمزق قلبي الضعيف، جلست على الكرسي. أحسست بأن العاصفة هدأت والمطر توقف. خيّم على المدينة صمت أعمق من صمت الليل الذي نعرفه جعلني أشعر بشيء من الهدوء والراحة.

نظرت إلى الطاولة المجاورة فلم أرَ الورقة والقلم الذين وضعتهما للكتابة قبل خروجي . نظرت إلى الأرض لم أرَ شيئاً.

أين ورقتي وقلمي؟

عندها تذكرت الفتاة التي رمت بنفسها في النهر واحتضنته. هل أخذت ورقتي وقلمي ورحلت؟

عندها فقط بدأت الخواطر تتوارد إلى الذاكرة لتؤلف قاموساً لا يفقه معانيه إلا الفقراء، ومنذ ذلك الوقت. ينتابني شعور غريب بأن شبحاً يتبعني من مكان لآخر. أستيقظ من نومي فَزِعاً وقلبي يرتجف ولا أعرف السبيل للخلاص.