جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة الحرب

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

........................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع: الحرب

حسن أبو محسن

وصلت العربة للقرية عند الغروب ، توقف أزيز عجلاتها ، العربة يجرها بغل ، و البغل يستعيد أنفاسه بعد أن قطع مسافة طويلة من الأتربة و الحصى ، نط الحوذي من العربة متكئا على ظهر البغل، تمطى وسار يجر قدميه متثاقلا بجلبابه الصوفي ونعليه المصنوعين من عجلات الشاحنات، عيناه جاحظتان و شعيرات بيضاء متناثرة على ذقنه، ابتعد قليلا وغاب خلف جدار متهدم، تبول ثم عاد مبتسما ينفض عن صدره غبار الطريق ، تجمع الأطفال حول العربة ، البغل يبدو سعيدا وهو ينش بذيله ،طلب الحوذي من طفل سطل ماء ليشرب هو والبغل. من الجهة الخلفية للعربة نزل شاب يبدو أكبر من سنه بكثير، رنا إلى الأطفال قليلا، وجه لفحته أشعة الشمس وآثار شظايا واضحة على محياه، يرتدي بذلة عسكرية قديمة ، ضرب الأرض بحذائه العسكري الثقيل ثم ابتسم للأطفال، حين ظهرت أسنانه البيضاء صاح طفل وقد أطلق ساقيه للريح:

- لقد عاد عمّي عباس ، لقد عاد عمي عباس من الڭيرا – الحرب - .

لحق به الأطفال الذين تفرقوا بين أزقة القرية الضيقة كالنمل يرددون نفس كلام الطفل . سمعت النساء صوت الأطفال و خرجن مهرولات تفوح من ثيابهن رائحة الطعام و الحنطة وقد تركن العشاء ينضج فوق نار الخشب و روث الأبقار، أما الرجال فكانوا في المسجد ينتظرون صلاة العشاء ، لحق الرجال بالنساء وصوت إمام المسجد يصل من بعيد إلى آذانهم:

- لا تنسوا الصلاة ، إن الصلاة لها ميقات معلوم .

تجمع الكل حول العربة، كان عباس مازال واقفا مع الحوذي يتحدثان، و يناوله شيئا ،حملق الرجال في عباس و قال أحدهم :

- ملامحه تغيرت كثيرا ، يبدو أنه ليس عباسا الذي نعرفه .

تقدم عباس نحو الرجل ثم همس له بسر في أذنه يبدو أنه لا يعرفه غيرهما، وضع الرجل أصبعه على فمه مشيرا لعباس الاّ يتكلم ثم انقض عليه وعانقه طويلا ، تبعه رجال القرية ، وجاء دور النساء و الأطفال . الحوذي يتأمل المشهد و يبدو أنه لم يفهم شيئا . الكلب الوحيد الحاضر يتبول وقد أحدث حفرة في الأرض ، هرّ ثم أقعى على مؤخرته و انتصبت أذناه مستسلما ...

في المسجد و بعد الصلاة و العشاء قال أحد شيوخ القرية بصوت مسموع و مفعم بالرضا :

- نحن فخورون بك أيها البطل ، فخورون بانتصاركم في الحرب .

قال عباس بنبرة حزينة و بغصة أحس بها وحده في حلقه: - من قال إننا انتصرنا ؟

أجاب شيخ وقور : سمعنا البلاغ في الراديو ، و أناشيد النصر لم تتوقف .

قال عباس : - لم تكن هناك أصلا حرب .

تبادل الرجال و الشيوخ النظرات و يبدو أنهم لم يفهموا شيئا .

صاح أحد الرجال بانفعال : إذن أين هم شبان القرية الخمسة الآخرون ؟

قال العربي : لقد ماتوا ، رأيتهم بعيني ، و دفنوا بسرعة .

قال أحد الشبان : إذن كانت هناك حرب .

أجاب عباس منفعلا : قيل لنا إنها حرب ، نحن لم نر عدوا .

قال إمام المسجد هامسا: - يبدو أن مشاهد الحرب أثرت على القوى العقلية للرجل ،و لم يعد عباس يميز بين النصر و الهزيمة .

قال آخر: ربما الحكومة أمرته بقول ذلك حفاظا على أسرارها .

و حكى عباس قائلا : بعد رحلة شاقة داخل الشاحنات، لم نكن نر شيئا، ساعات طويلة

و الشاحنات تلتهم الطريق ، تلصص أحد الرفاق و قال أننا نسير فوق جسر ضيق .. وصلنا منهوكين عند المساء ، وزعوا علينا بنادق قديمة ، اكتشفت فيما بعد أنها لم تكن محشوة ،و أنا لم استعمل البندقية يوما في حياتي ، و كم حلمت بواحدة و تأسفت على عدد الأرانب

و أسراب القطا التي مرت من أمامي ...

قال أحد الجنود – إن كان يعرف معنى الجندية - ببراءة واضحة :

-كيف نستخدمها ؟

-أجاب آخر : فقط اضغط على الزناد و هو يشير للبندقية .

تساءل آخر يبدو أنه كان متعلما : هل بمثل هذه الأسلحة سنحارب ؟ ثم أضاف ، هل نحارب من أجل قضية عادلة ؟ يبدو أننا خدعنا لأمر ما و لمصالح خفية ، السياسة في النهاية هي فن اللعب على الحبال ، تبادل الجنود الذين كانوا معي النظرات و لم ينبس أحد ببنت شفة. بِتُ ساهرا ، بعضنا نام نوما متقطعا خوفا من العدو المتربص بنا ، هذا ما قاله الضابط ، الضابط أمرنا أن نتقدم صباحا إلى الأمام و ألا نوقد النار ليلا ، لم نعلم شيئا عن الخطط العسكرية ، قبل شروق الشمس بقليل ، جاء البلاغ من مكبر الصوت :

- اهجموا ، تقدموا ، أطلقوا النار، أدركت أن الصوت كان مسجلا ، لم يكن هناك ضباط و لا جنرالات .. لم أسمع هدير محركات السيارات و الشاحنات ،أو أزيز الطائرات ، قلت في نفسي : هل هناك حرب دون طائرات ؟كنا وحدنا نتقدم ، نسير خلف دبابات قديمة نحتمي من ورائها ... علا الغبار و ملأ الفضاء ولم نعد نميز شيئا ، فجأة رأيت الدبابات تقوم بنصف دورة و تطلق النار في اتجاهنا .. سقط الكثير ...شظايا أصابت وجهي ، سقطت ، خضبت ملابسي و رأسي بدماء القتلى و بقيت جامدا دون حركة طوال يومين ، تبولت في ملابسي و كنت أقتات على بقايا خبز يابس في سترتي العسكرية التي تفوق مقاسي قليلا ، كنت على يقين أنها خدعة ... في اليوم الثالث جاء مكبر الصوت من جديد ، لم يكن هذه المرة مسجلا :

- لقد انتهت الحرب ، لقد انتهت الحرب ..لقد فزنا ، العدو استسلم و قبل بشروطنا ... ،أما أنا فلم أر عدوا أمامي ، و لا أعرف عن أي شروط يتحدث ...

قمت متثاقلا أجر قدمي ، وجهي يؤلمني ، كنا قلة ، سرنا نحو الضابط الوحيد الذي كان في استقبالنا ، ابتسم لنا قائلا :

-لقد انتصرنا أيها الأبطال، الوطن يقلدكم بوسام الشجاعة... أخرج عباس من جيبه قلادة ، تناوبتها الأيدي، ثم أعادتها لعباس الذي أقسم في نفسه ألا يضعها على صدره يوما .

قال أحد الشبان مبتسما: إذن الشبان الخمسة ماتوا بأسلحة صديقة كما يقولون في المذياع.

أجاب عباس بيأس واضح:

- بل بأسلحة شقيقة .

تبادل الرجال النظرات من جديد ، لم يفهموا شيئا ...

بعد أسبوعين توقفت وسط القرية سيارة جيب عسكرية تبحث عن عباس . هناك حرب ثانية قادمة قال الضابط ، لكن عباس ابتلعته الغابة المجاورة للقرية و لم يظهر له أثر منذ أسبوع .