جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة "شـفاهٌ مقفلة"

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد أقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي:bbcxtra@bbc.co.ukأو إلى مجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

القصة الفائزة لهذا الأسبوع: "شـفاهٌ مقفلة" بقلم محمد رشيد من المغرب ونستمع إليها بصوت مصطفى كاظم .

................................................................................

لا أدري كيف وجدتني واقفاً في نفس الزقاق الذي راح يزورني بين الحين والآخر في عصور متفاوتة ... بصعقة منحت ناظريّ حرية التحليق في هذا الفضاء اللامتناهي وغمامة سوداء تربعت على صدري مما زرعت خيفة مميتة بين شهيقي وزفيري اللذين صحبهما صوت مشروخ...أمتد نظري نحو ذلك الباب العملاق والنسوة والرجال واقفون طابوراً طويلاً يتطلعون إليه بمرارة لعدم استجابته لمطالبهم ، بدأت قدميّ تلتهم تلك المسافة للوصول ... خطوة راح الطابور ينفتح .. خطوة ثانية أنسل منه طابور صغير ... خطوة أخرى راح يحبو ... تلتها خطوة بدأ يكبر .. خطوتان بدءا يتناسلان .. أخرتين أصبحن طوابير عديدة ... خطوة أخيرة أبتلعت المسافة بالكامل ... أصبحت واقفاً بالقرب منه... تسمر نظري نحوه رافعاً رأسي إلى أعلاه لضخامته ... شاهدت نهوداً تدلت من حِلماتها .. شفاها مطبقة بأقفال صدئة .. ألسنة ثبتت بمسامير على صليب .. طيوراً زوجوها الرحيل .. عناكب تسرح وتمرح وشراك خيوطها اللزجة توزعت هنا .. وهناك ترتقب وليمة أخرى ..أرهفت أذني لسماع لغط من الخلف شابه استياء صدر من أفواههم المزدحمة ليستقر فيها عنوة .. بخطى واثبة حاولت فتح الباب بقوة فلم أستطع .. حاولت ثانية فلم أفلح ومرة أخرى حتى انزلقت قطرات ساخنة من جبيني لتشمل عيني بنصيب من الحرقة ( تذكرت تلك العين الخضراء حينما يصطدم شعاعها بجسدي تقوم بفتح ذراعين شفافتين مؤطرتين بلون فضي ) فتحته على مصراعيه وزعيقه راح يطرد ما تبقى من لغطهم القابع في أذني ليحل محله .. بعد عناء مرير أسقطته أرضاً .. دلفت البيت حيث الظلام يجثو ، روائح كريهة اختلطت برائحة الدم الذي راح يصب بغزارة من الحنفيات ... أصوات ... فحيح ... عواء ... نعيق ... هديل.. تصـطدم ببعضها مع الجدران لتنبعث من هذا الدهليز الدبق ، واصلت سيري حتى شاهدتها ممدة على الأرض ورأسها يحجب فوهة تنور مشتعل ...جمرات من الفحم الحمر موزعة لتطرز ( العصابة ) التي إعتمرتها ... هالات من الدمل المتقيحة حول عينها اليمنى ... غصن من الحنظل تدلت منه عشرات الكريات تبرعم وهو يفقأ عينها الأخرى ..زغب أبيض وأخضر معشش على محياها كأنه عفن خبز مما صادر ملامحها دون تصريحة جمركية .. أخاديد موزعة على جسدها الرخامي يسكنها أغراب من القرود والعقارب بلا أقامة أو تأشيرة دخول .. براحتي الاثنتين وبكفين من نور تحسستهما توا بالقرب مني كسحنا هذا الزغب الذي هيمن عليها دهوراً وهو يحجب عنها ضوء الشمس .

اقتلعت الغصن من جذوره حيث راح يقطر دماً أسْوَدَ ... أزحت رأسها بعيداً عن التنور حتى راحت تشرق بملامحها العربية ، أذهلني بريق عينيها وهو يصعق الغمامة السوداء بدواخلي التي بدأت تنقشع رويداً رويداً إلى أن استحالت دموعاً ساخنة تتلألأ من عيني لتنير الدرب ....وأنا أودع ذلك البيت والزقاق شاهدت أرغفة الخبز والقرنفل تنهمر على الطوابير الواقفة كالمطر وما هي إلا دقائق حتى غادر الجميع كل لهدفه .