جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة: طلاق

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد أقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي:bbcxtra@bbc.co.ukأو إلى مجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

..................................................................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع: طلاق

كان يبدو هزيلاً شاحب الوجه، يغتصب ابتسامة تأمل في تكسير الجليد الذي بينهما. وأجفلتْ.. خافت أن يكون قد تراجع.. سألها إن كانت تودّ أن تشرب شيئاً، ثم بدأ الحديث، قال لها:

- أتمنى أن تسمعيني. لقد تغيّرت، لا أخفي أني لم أستطع التوقف عن التفكير فيك طوال الأشهر الماضية، وأنا هنا أرجوك التفكير في إمكانيّة عودتنا معاً..!".

كانت تستمع إليه وكل شيء في داخلها يرقُب ما سوف يُسفر عنه اللقاء.. وبدأ يستخدم ما يستطيع من الوسائل لاستمالتها.. اقترح عليها أن تعود إليه لفترة من الزمن حتى تتأكد مرة ثانية من مشاعرها نحوه.. اقترب بكرسيه منها.. حاول الالتصاق بها.. أمسك بيدها..

واستنفرْتُ كل جسمها ومشاعرها للدفاع عن ما تريد.. تمالكت نفسها وتصنّعتْ الهدوء وأجابته:

- كنت أعتقد أننا نلتقي لنبحث مسألة الطلاق..!

وقبل أن يجيب أكملتْ قائلة:

- أرجو أن تعلم أنني عندما رحلت بعيدة عنك رحلت بلا عودة، وبعد أن أمعنت التفكير في ذلك كثيراً. لقد حسبتَ نفسك علي زوجاً بينما كنت طوال النهار ومعظم الليل بعيداً عني. أنا لم أجْن إلاّ الغُربة، فلو كنت أعلم أنني تركت بلدي وأهلي فقط من أجل السفر لما سافرت..! ولكنني عندما تزوجتك كنت أريد رجلاً يمنحُني الصحبة والدفء والطمأنينة، أيامي معك خذلتني فلم تمنحني سوى الأوهام..! أريد، وقبل فوات الأوان، أن أخرج من حياتك، أرجوك أن تساعدني في ذلك ولا تغضب..!"

ونجحتْ في جعله متأكداً من أنها مصمّمة على الطلاق. بدأت لهجته تأخذ منحىً آخر وعلامات التشنّج والعصبيّة تزحَف إلى وجهه..! وأخيراً.. تطرّق إلى الموضوع الذي انتظرتْه طويلاً.. وابتسمتْ في داخلها.. ها قد حان وقت المساومة..! ووجدت نفسها بصدد تلك المعادلة الأخلاقيّة التي أوجدها المجتمع.. التنازل عن حقوق الزوجة مقابل حصولها على الطلاق.. أعادها إلى الواقع الذي لا مفرّ منه حين قال بعصبيّة وهو ينفث دخان سيجارته:

- حسناً.. إذا ما زلت مصرّة على الطلاق، فأنا لدي شروطي..

أجابته على الفور وبدون تفكير:

- لك ما تريد..!-

- ألا تسمعيها أولاً قبل أن تجيبي بالإيجاب..؟ أولاً قضية الضرب والإيذاء، يجب التخلي عنها فوراً وقبل أن تأخذ حكماً من المحكمة.. ثانياً، التنازل عن المؤخّر وكل ما يستحق لك من حقوق.. ثالثاً، إعادة الشبكة، فوضعي لا يسمح لي بأن أتحمل تكاليف شبكة في حالة زواج آخر..!".

***

عندما دخلتْ القاعة وهي تحمل علبة مصوغاتها الذهبيّة في داخل حقيبتها لتسليمها له كما وعدتْ.. شاهدتْ صفاً طويلاً من الأزواج يقفون بانتظار دوْرهم للحصول على الطلاق..

كان المنظر بالنسبة لها مثيراً للعواطف.. ليست بسبب خصوصيّة الحكايات والمآسي لنساء ساقتهن الأقدار لأن يقفن في ساحات المحاكم.. فقد فقدت هذه الخصوصيّة قُدسيتها في هذه القاعة وتحوّلت إلى بضاعة معروضة للبيع أمام أعين الجميع.. ولكن لأنها شعرت بأنها أمام حفل تنكريّ مليء بالكذب والاصطناع.. فالمنظر برُمّته يوحي وكأنه "طابور" أمام مخبز أو جمعية تعاونيّة.. سلمتْه العلبة وانضمّت بعدها معه إلى "الطابور" وهي مذهولة من المنظر المأساوي الذي تقف في وسطه. استقرّت عيناها على رجل التصق بزوجته يتكلم بعصبيّة والرذاذ يتطاير من فمه ليهبط على وجه المسكينة.. وبكلمات مُتسارعة وكأنه في سباق مع الزمن كان يساومها من أجل التنازل عن حقوقها مقابل الطلاق.. كان يخشى أن يتقدم "الطابور" ويصل إلى القاضي دون أن يتوصل إلى مراده.. بينما خرجت امرأة أخرى عن الطابور بسرعة مفاجئة يتبعها زوجها محاولاً إسكاتها وهي تُوَلوِل:

- أروح لمين..! أشكي همّي لمين..!-

وأخذ الطابور يتقدم ببطء إلى أن وصلا إلى منضدة طويلة جلس إليْها رجل يرتدي الجبّة والعمامة وعيناه معلّقتان بدفتر سجّل ضخم، ودون أن ينظر إليهما بادرَهما بصوت عالٍ وكأنه أستاذ يخاطب تلاميذه:

- هل اتفقتما على كل شيء..؟-

وبصوت خافت ومتردّد أجاب الإثنان معاً وفي وقت واحد كطفلين مؤدبين:

- نعم..!

- وعلى ماذا اتفقتما..؟

قالها بلهجة توحي بالاستعجال. وهنا مال زوجها إليه وتمتم في أذنه ببعض الكلمات، بعدها سمعتْه يقول:

- آه، إذن خلْع..!-

نظرتْ إلى زوجها وقالت له:

- ماذا يقصد بالخلع..؟

أجابهاالقاضي وقد سمع سؤالها:

- الإبراء، أي أنك تنازلت عن جميع حقوقك وأبريْت ذمة زوجك مقابل الطلاق..!

وهكذا.. قضتْ محكوميّتها..! حصلت على حريّتها..!

عندما افترقا، أخذتْ ترقبه وهو يبتعد عنها شيئاً فشيئاً حتى تلاشى من أمامها.. وتلاشت معه صورته الباهتة.. واختفى فجأة كما ظهر فجأة.. وأخذتْ تتنفسّ بعُمق.. تلتقط الهواء..!

*****