جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

مسابقة القصة القصيرة لبي بي سي اكسترا

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل أسبوع قصة ًجديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار أمريكي.

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد أقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي اكسترا على العنوان bbcxtra@bbc.co.uk أو إلى مجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

..................................................................................................................................

القصة الفائزة هذا الأسبوع: الأسطورة

الكاتب: يونس محمود يونس

نستمع إليها بصوت الزميل مصطفى كاظم

في اليوم الذي خطف فيه المرأة التي أحبها وأحبته، وكان قد اتفق معها على الزواج بعيدا عن معارضة ذويها. في ذلك اليوم، وبينما كانت الحافلة التي تقلهما تزحف على الطريق الممتد عبر الخلاء، اكتشف أنّ حبيبته مغرمة بالأساطير. فأكد لها أنّ حبل الأساطير في هذا الشرق لم ينقطع، وقد يكون ارتباطهما مدخلا لأسطورة جديدة.

أما هي فاكتشفت حبه للمرح، حيث سمعت منه في تلك الرحلة ذاتها المنام الذي رأته أمه قبل ولادته بأيام. وبحسب رواية أمه وليس أي شخص آخر، فإنها رأت طفلا يخرج من رحمها لا بداية له ولا نهاية! ما يعني أنه طويل . . طويل ! وأنّ طوله لا يقدر بالأمتار بل بالزمن!

هكذا مضت تلك الرحلة المفعمة بالمشاعر. وفي البيئة الجديدة التي حط رحاله فيها كان عليه أن يناضل ليعيش علما أنه تعرض في هذه المرحلة من حياته إلى الكثير من المخاطر والخوف والجوع. وفي فصل من فصول مأساته، أجبرته الظروف لأن يقتات من أعشاب الأرض.

يومها كان مطرودا أو هاربا مثل أي لاجئ يبحث عن مخبئ يحتمي فيه وقد وجد هذا المخبأ في أرض مهجورة تماما. فلما عضه الجوع أكل ما يعجبه من الأعشاب التي نمت في تلك الأرض... مجرد أعشاب لها طعم مستساغ، ويمكن لأي شخص جائع أو أي حيوان عشبي أن يأكلها. إلا أنّ أسطورة هذا الرجل بدأت حقا بعد تلك الوجبة العشبية!

ومما جاء في الأسطورة أنّ زوجته عندما شاهدته يحلق كالنسر في أعالي السماء، لا تخيفه الغيوم ولا تطارده المدينة التي أصبحت صغيرة تحت عينيه، أيقنت أن زوجها فتح بابا من أبواب القدر، وأنّ الحكماء والفلاسفة وأفراد الشعب سوف يكون لهم نصيب في صياغة أسطورة زوجها.

وجاء في الأسطورة أيضا أنّ شابا من العامة قال لأحد محدثيه ذات يوم:

ـ إنّ هذه الأسطورة ستكلفنا الكثير الكثير .

فلما سئل عن قصده، نظر إلى محدثه وفمه مطبق تماما. لعله رأى في تلك اللحظة ـ وهو صاحب المطبعة الصغيرة والعارف ببواطن الكتب أن لا يثق بمعرفته. ولعله كان محقا لأنّ صاحب الأسطورة الجديدة كان قد تبوأ مركزا مهمّا على كل حال، وبغض النظر عن مركزه الجديد فإنّ بريق عينيه أصبح شديد التأثير، ومن تجرأ على النظر في عينيه مرة أولى لم يتجرأ مرة أخرى، وهذا ما أتاح له الانصراف إلى الأمور الأكثر إلحاحا وجاذبية. ذلك لأن تلك البداية كانت بداية فقط... بعدها توالت الأحداث والاضطرابات إلى أن أصبح هذا السيد زعيما من زعماء هذا الشرق، وكأن المؤامرات والاضطرابات التي خرج منها منتصرا، جاءت بإيعاز أو تسهيل من القدر ليصبح أكثر صلابة وأرفع شأنا.

لكن ألا يقر العلم بأنّ الشيء يحمل نقيضه فيه؟ وإذا كانت المدن والأرياف المنتشرة بكثرة على سطح الكرة الأرضية تتواصل وتتجمع لتصبح أشبه بالقرية الكونية الواحدة فإنّ أعداد الحكام إلى ازدياد! هذه المعادلة التي لا تحتاج إلى الكثير من الإيضاح. سمحت له بالتسلل إلى صفوف الملوك والحكام الذين يطبقون على أنفاس شعوبهم، فإذا ما أصابوا كُتب لهم أجرين، وإذا ما أخطأوا كُتب لهم أجرا واحدا.

المعادلة مغرية جدا، وأهم ما فيها أن يصبح المرء حاكما بدل أن يبقى محكوما. لهذا كله اعتلى كرسي الحكم متعللا بالكثير من العبارات الإنشائية والشعارات التي لها ظاهر وباطن.

ففي الظاهر مثلا أشيع عنه أنه يُحلق في أعالي السماء ليرى بنفسه أحوال البلاد والعباد، وفي الظاهر والباطن معا سرعان ما أصبح رب المال والأعمال. الناس يطلبون العون منه وحده، ومن رضي عنه حظي بالجاه والعيش الرغيد، ومن لم يرض عنه حلت عليه اللعنة وبئس المصير.

وبالعودة إلى الشاب صاحب المطبعة، فقد أصبح بعد حين من الزمن أكثر صمتا واستمر في الذهاب إلى مطبعته الصغيرة صباحا ثم العودة إلى بيته عصرا ليتناول طعامه مع أمه العجوز. وبعد أن ينام قليلا يختلي بكتبه طوال فترة المساء.

هكذا كانت تمر به الأيام رتيبة هادئة رغم الازدحام الذي يحيط به. فقد كان الشارع الذي يعيش فيه مزدحما بالعائلات والأفراد الذين يتطلعون إلى حياة أفضل. تلك هي القاعدة المتبعة عند تلك العائلات، وصاحب المطبعة يعرف هذه القاعدة، ويعرف أنّ وجوده في ذلك الشارع يساوي تماما عدم وجوده. علما أنّ أكثر رجالات الشارع علما وثراء في ذلك الشارع كانوا يمثلون بصورة واقعية الوجه الآخر لمن هم أكثر جهلا وفقرا، وهذه المعادلة تحديدا لطالما حاول الشاب استيعابها دون جدوى.

حتى أمه العجوز فاجأته ذات يوم، وكان يستريح كعادته بعد تناول طعام الغداء، حيث قالت له :

يا بني :

الحياة في داخلك

وهي تكون أجمل عندما يكون داخلك جميلا

لذلك فإنني أنصحك بعبادة الله كل يوم

وأضافت :

كن رحيما مع الضعفاء

ولا تهن منكسري القلوب

وليكن رائدك الخير والخدمة كل أيامك

ولا تتلفظ بذم

بل قل ما هم حسن

وامتدح الناس

ولا تذكرهم بسوء.

كذلك قالت :

لا تسيء إلى خصمك

وأحسن إلى من يسيء إليك

وعامل عدوك بالعدل

ولا تنسى يا بني أنّ التقوى تولد السعادة

وتقديم القرابين يطيل الحياة

والصلاة تكفر عن الذنوب

لقد قالت أمه ذلك وهو يصغي إليها بانتباه شديد فلما فرغت من قولها سألها والدهشة تعقد لسانه عن المصدر الذي سمعت منه هذه الموعظة، فأخبرته دون أن تجد سببا لدهشته أنها سمعت بها من والديها. فتركها تنظر إليه ثم قام إلى كتاب الأساطير الذي قرأه منذ أيام فقط، وطبعا لم يجد صعوبة في البحث عن الصفحة رقم (49) حيث قرأ فيها العبارات ذاتها، كلمة بعد كلمة ومقطعا بعد آخر. وبعد أن هدأ قليلا . قرأ ما يلي:

" هذه الموعظة التي ألقتها أم على مسامع ابنها تعود إلى ثلاثة آلاف عام."

فقال الشاب لنفسه:

" منذ ثلاثة آلاف عام والشمس تشرق علينا ونحن كما نحن. الأمهات تلد الأبناء والحاكم الأب لا يتوقف عن النضال حتى يصبح خليفة الله على الأرض والكهنة جاهزون دائما للتكاثر مثل الضفادع في الربيع والأغنياء يستوردون الرفاهية من كل بلاد العالم والفقراء يعبدون الله صاغرين وقد تصاب أدمغتهم في بعض الأماكن بحمى العصيان، فيرتكبون الجرائم باسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله."