جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

مسابقة القصة القصيرة لبي بي سي اكسترا

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل أسبوع قصة ًجديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار أمريكي.

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد أقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي اكسترا على العنوان bbcxtra@bbc.co.uk أو إلى مجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

..................................................................................................................................

القصة الفائزة هذا الأسبوع: "بحيرة "

بقلم حورية عبد الرحمن أحمد سليمان و نستمع إليها بصوت منى با:

لسنوات متصلة ظل يأتيني برغم استحالة العودة .. واستحالة رؤيتي له من جديد لفقداني البصر. ولكنه بالفعل تغير كثيرا.. ثقلت حركته ، اختلف صوته ، انكمش كعجوز مثلى تماما ، وهذا ما أدركته حين ضممته لصدري. يمكنني تحسس عظامه كما يمكنه فعل المثل معي، صرنا أقرب لهيكلين عظميين نمارس رياضة نفسية من نوع ما، لم يعد يميزه إلا استحالة أن يكون أحدا غيره. من سواه يأتي بتلك الظروف؟ من تراه يرسل هذا الصوت وتلك الدوامات الندية من الذكريات ؟

كان الخوف من فقدانه هو الشيطان الذى يزورني ليلا وكالنزناز يباغت غفوتي ويبطل صلاتي ويفسد تسبيحي ويحيلني ماجنة بانتظار توبة، ويستحيل هاجسا ينقر مخابئ الذاكرة الوهنة فيستدعى تلك الصورة للزمن الذى رحل متسربا بين جدائل تلك الزرقاء الهادئة التى طالت غفوتها ورقادها وتنتظر الآن قبلة حياة. أصر أن يكون فصلا جديدا من فصول البوح برغم جفافها وانتظار ما ستهبه بعد انتهاء صومها إن قدرت لها الحياة بكل صبر وأناة برغم تمزق النسيج المتقاطع للِشباك المتوسدة جدران البيوت والمفترشة الممرات الساكنة والأحجار الجيرية بين الطرقات. أي خيط جرئ الآن يقدر على لملمة أجزاءها وقد تفرقت وتباعدت واهترأت كنسيج متحلل، وصار كل فتق فيها بطول ذراع وعمق ذراعين، ولكن برغم جفاف الصورة وشحوبها إلا أن صيحته تشق دوما وحشة السكون وتبارك ولادة الخيوط الأولى للفجر فتعود لي الروح من جديد فأنفض غبارا ثقيلا لزجا عن نفسي وأعربد فى الفراغ المتسع للحجرة بحثا عن عباءة سماوية بلونها لأرتديها وقطعة قماش بيضاء لأشير له بها وكشاف ضوئي إن فكر مرة بالمجئ مبكرا على غير المعتاد.

مسرعة أدس نفسى بعباءتي الزرقاء، حافية أقطع الحجرة، أحرر المزلاج، أركض باتجاه الخارج وأتنفس، أشير له تارة برقعة القماش البيضاء أو أرسل تلك الومضات المتتابعة بشكل دائري باتجاه عقارب الساعة أحيانا وأحيانا عكسها، لأتفاجأ به فوق رأسي ينقر ما بين فراغات الشعر. كان لزاما على أن أصدق بأنه عاد وأنه قادر دوما على الرجوع وقتما شاء .. برغم انعدام قدرتي على تتبعه كما بالماضي كفتاة عشرينية جموحة على حافة زورق مستعيدة توازني بلحظات. كانت تلك الحلقة الحمراء مايميزه عنهم جميعا أيامها، ثبتها ( يونس) بطرف قدمه اليسرى، وصارت علامتنا المائية التي تميز ثلاثتنا عن غيرنا من الباحثين عن أنفسهم بالغير والموقنين بفكرة التخاطر أو التلاحم أو الاستنساخ أو أياَ كان المسمى .. والآن لم يعد منهم سواه وصارت الحلقة كخاتم زواج يربطنا أبداً.

وجدتنى أجدف بقارب فى بحر من رمال، أجدف فتعلو، أجدف فتعلو... يكشر عن أنيابه بموجة غاضبة تصر على ابتلاعه وتفعل، فيعود يظهر ثم تلتهمه من جديد ويظهر ثم تعلو لتلتهمه ويعود أخيراً لا يظهر. كان المجداف على السطح هو الإشارة الوحيدة المتبقية لقارب ما كان هنا واختفى، لا إشارة لكائن حي نافق أو بانتظار الموت، قلت له يومها سيحل الجفاف، نظر إلي وتهكم. قلت : لا تعرف رؤاي، أخبرتهم بعودة (مطر ) وعاد ورحيل (جمال) ورحل أخبرتهم بولادة ( خاطر) ووُلد وموت (ياسين) ومات ، أخبرتهم بجنون (سعاد ) وجنت وزواج (غرام) فتزوجت، أخبرتهم عن جنية سيأسرك جمالها وقد كان.. ألم تخبرني بأنها عشقتك لثمان سنوات متصلة بعدها؟ كنت تضاجعها يوميا فتلد لك صباحا غلاما جميلا كانتشاءات الربيع، كنت تضحك مني، سألتني وقتها وماذا بعد فوجمت، أظنك أدركت أنك ستفارقني، وفارقت.

غائمة كانت هي الشمس يومها ولم أجد بي رغبة في اقتفاء أثرها، ربما كانت هي من يفعل ذلك فتتجنبني، لم تصدر ما ينبئ عن شروق مميز منذ زمن بعيد، كانت قديما كعروس بليلة الحناء، مشتعلة الوجنتين دافئة المشاعر موحية بقبلة، كانوا هم الآخرون يتندرون، ويتصعلكون بالنواصي متفكهين بعد أسبوع حافل بالبحيرة .. يتبادلون السجائر والنكات والطاولات.

لم نتعود الجفاف ولا ندرة الأسماك، لم يكن الطعام حتى بمشكلة، يمكنك أن تتخذ قاربا من تلك القوارب المسترخية بعيدا بالشاطئ والذهاب هناك ولن يسألك أحدهم عن وجهتك ولا حتى لمن هذا القارب، جدف لأى عمق كان، أو فلتبق على الحافة.. كنا نشعر بحركتها بالأسفل تتحرك بين أقدامنا، تندفع وتتداخل فتخمشنا قشورها وزعانفها، كم كانت أعدادها كبيرة وهي تهرب بكل اتجاه، كنا نذهب معا، أمسكت يدي يومها ، أحسست بدفء القاع ونعومة الطمي وانحساره تحت قدمي، اقتدتني مسافة كبيرة للداخل ، كان يحلق فوقنا، أتذكر تلك النظرة الثاقبة بعينيه واندفاعه نحوها، أظنه اختفى لثانية وعاد وقد امتلأت حوصلته، أتذكر نظرتك لي وأنت تدندن ذاك اللحن اليوناني لزوربا ، قبلتنى ، تركتني وتسربت كما الحلم للداخل. مازال لحنك يداعبني، منحتني ركلات قدميك بعض القطرات بين شفتي بينما انخرطت ضاحكا واندفعت للداخل من جديد ، بدت ملامح البحيرة ممتدة كما السماء يعانقها خط الأفق ، يعكس بريقا فضيا مثيرا، ظهرت رأسك من بعيد ككرة تسبح تطفو فوق الماء. كنت أناديك، كان يحلق فوقك، كنا نتتبعك، لكن ما عدت، وعاد هو ..

عندما بدأوا يخرجون ثم لا يعودون قلت لك إنها غاضبة. اختفى الرجال ولم تعد النسوة يفتحن الأبواب، احترفن غلقها بالمزاليج، كن يتلكأن حين نقرعها لنسأل عن من خرج ولم يعد، كن يخفين الطاولات ويتجنبن الشواء والحديث والابتسام وكل شيء، صارت الريح تصفر مرسلة صخبها بلا نهاية، تضاجع الأبواب والشبابيك يوميا بنهم وتنفذ عبر مسام الِشباك ممزقة أحلامها بالاحتواء، أخبرتك أنه الجفاف آت، لكنها كانت تحبك وحتى عندما أسرتك لم تعذب روحك وأطلقتها بسلام، كنت حبيبها وفقط، أما هم فقد احترفوا الكذب فذهبوا وما عادوا، ليتها عرفت ذلك فأعادتك لي ولم تأخذك بذنبهم، كان هذا موسمها الأخير لأنها بعدها صمتت للأبد .