جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

مسابقة القصة القصيرة لبي بي سي اكسترا

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل أسبوع قصة ًجديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار أمريكي.

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد أقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي اكسترا على العنوانbbcxtra@bbc.co.ukأو إلى مجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

..................................................................................................................................

القصة الفائزة هذا الأسبوع: "صانع التماثيل "

بقلم الكاتب العراقي قصي الشيخ عسكر و نستمع إليها بصوت عبد الصمد بنجودة.

وضعت التمثال على المنضدة القريبة حيث أجلس، وبدأت أتمعّن فيه جيدا.. إنّه يشبهنني تماما يوم كنت طالبا على وشك التخرّج في الثانوية، وربما هي آخر الملامح التي بقيت عالقة عنّي في ذهن صديقي النحات قبل أن يغادر في بعثة إلى الدول الأوربية.

كان مجرّد اللقاء به يعيدني إلى أيام الدراسة في المرحلة الثانوية تلك السنوات التي كنا نعجب بها من التماثيل التي يصنعها وتثير دهشة مدرسينا، فيقررون تزيين القاعات والجدران بها.

كان يمسك الطين بيديه فيحيله إلى صور تشبهنا تماما، وقد نحت تماثيل كثيرة :لي ولتلاميذ المدرسة وللمعلمين والمدير، أمّا إذا ساوره زعل أو غضب ما من أحد المعلمين أو التلاميذ ،فإنه سرعان ما ينحت له تمثالا مشوها يثير به سخرية الآخرين مثلما فعل مع معلّم الدين الذي نحت له تمثالا مضحكا لكونه الوحيد من بين المعلمين الذي لا يقرّ فنّ النحت ويعده من المحرمات!

أما هوايته تلك فلم تكن لتعيقه عن الدرس والاجتهاد بل كان من أفضل تلاميذ المدرسة، وأكثرنا هدوءً واتزانا.

كان دائما يحتلّ المرتبة الأولى، وظلّ هذا دأبه حتّى أنهينا المرحلة الثانوية، وتقدّمنا بطلبات إلى الجامعة، فحصل على بعثة لدراسة اللغة الإنكليزية، وقد عرفت فيما بعد من خلال زياراتي لأهله وترددي في متابعة أخباره أنّه غادر بريطانيا إلى جنوب أوروبا ثمّ انقطعت عنّا جميع أخباره.

ولم تكن زيارته لي مفاجأة إذ قدم إلى البلد بعد أن بعث لي ولأهله برسائل يخبرنا فيها عن رغبته في العودة وربّما الاستقرار نهائيّا ويخصني أنا من دون جميع أصدقائه بتمثال لأني كما قال كنت الصديق الوحيد الذي كان يتابع أخباره ويزور أهله في أثناء غيابه الطويل، ولعلّي فوجئت بشكله مثلما فوجئ لتغيري. كلّ ملامحه القديمة انصهرت في غربة دامت ربع قرن فبدا محدودبا غزت التجاعيد وجهه، قلت له:

-حسنا إنّك صنعت لي تمثالا قبل أن تراني بشكلي الحالي!

فقال من دون مقدمات.

- ذلك يعني أنّ تمثالك الذي صنعته بالاعتماد على صورة قديمة في ذهني هو الأكثر صدقا من أيّ تمثال آخر.

- الآن لو عملت لي تمثالا بهذا الوجه المتعب والصلع والعينين الذابلتين لبدا مسخا أشبه بتمثال معلم الدين الذي ناله سوط غضبك أتذكر ذلك؟

قال بسخرية مفرطة:

-حيوان نسي أنّ الله تعالى أخذ حفنة من الطين وعمل منها تمثالا نفخ فيه وإذا به ابونا آدم "سكت برهة يلتقط أنفاسه ثمّ عقب" في ذلك الوقت لم أكن أعي هذه المسألة فكانت ردّة فعلي تمثالا ساخرا وعندما كبرت جعلت منها نقطة ارتكاز أطوّر بها فنّي.

ولم أ أعني المبالغة قط حين استرسلت:

- كلّنا يعرف تميزك في هذا الفن ولابدّ أن تكون لك خصوصيّة عن الآخرين.

الخصوصية إذا لم تصل بي حدّ النضج فهي ليس خصوصية مميزة لذلك صنعت لك هذا التمثال وقد خبئت شيئا من عالم الخفاء فيه.

سألت باستغراب:

- ماذا؟ الخفاء!

- لن أخبرك لكني سأعطيك المفاتيح "وأشار إلى التمثال" هذا التمثال الجامد المطابق لقسماتك لا خير فيه مالم يحرك

عالم الزمن الراكد في نفسك هو نقطة ما إذا نظرت إليها عند ضجرك انقلبت حالك إلى البهجة والسرور!

علمت أنّ لوثة ما خامرت عقله أو هكذا خيل إلي، ولمت سنيّ الغربة الطويلة في تدهور حالته. ولعلّ تفوّقه وذكاءه المفرط في النحت وبقية العلوم على جميع أقرانه أديا به الجنون كما ظننت في البدء .

كنت أقف أمام تمثالي وأركز عليه النظر .. تمثال رائع يشبهني تماما، وعلى الرغم من شكّي في عقله ومسألة الزمن التي فاجأني بها، كنت صريحا مع نفسي إذ راودتني فكرة الزمن المزعومة تلك، وبدأت أبحث عن نقطة السعادة في تمثالي الجامد.

في بعض الأحيان أتحسس وجهي لأخمن مكان النقطة أو أرى ظهري عاريا في المرآة، ولسوء حظي فقد مرّ أكثر من أسبوع لم يصادفني فيه ضجر أو مشكلة ما لأهرع إلى التمثال، وأتمعّن فيه فأتأكد من صدق ادعائه. مرّ شهر وغادر صديقي صانع التماثيل الى الخارج كي يصفي أعماله كما أخبرني ويعود ليصنع تماثيل يضعها في الساحات العامة والمتنزهات وعلى الأرصفة فيراها الناس فيطردوا الضجر عنهم.

وقبل سفره أصر على أن يظلّ أمر نقطة الزمن في التمثال الذي نحته لشكلي القديم يوم كنت طالبا في الثانوية العامة سرا لا يجليه لي بل عليّ أن أكتشفه بنفسي، مع ذلك لم يحالفني الحظ في أن أعثر مصادفة على أيّة ساعة ضحلة أو مشكلة تسبب لي الضجر فتدفعني إلى البحث عن تلك النقطة الصمّاء جالبة البهجة والسرور، كأنما المشاكل اختفت تماما من حياتي وما زلت إلى الآن أبحث عن ضجر أو كآبة ما فأختبر تمثالي المنتصب على المنضدة أمامي منذ أكثر من ربع قرن !