جيراني أعدائي: وثائقي على شاشة بي بي سي العربية

آخر تحديث:  الاثنين، 21 يناير/ كانون الثاني، 2013، 17:03 GMT

لكل طائفة ميليشياتها في طرابلس

ببريق برونزي يشبه بريق المسدس كانت عينا أبو رامي تشبهان عيني سمكة القرش أو القاتل المحترف، لكنه اليوم حسبما قال مستعد للموت.

يحمل أبو رامي السلاح، بصفته قائد مليشيا منذ 35 عاماً، منذ سن المراهقة. فقد قاد فرقته اللبنانية السابقة لمعارك وحشية صغيرة.

من يعلم كم من الأرواح أزهقت على يديه وتحت قيادته، وكم من سيارة أخرجها عن الطريق هنا، وكم من جدار هاجمه هناك، كلها فجرتها ودمرتها قنابل أبي رامي ورصاص خرج من سلاحه.

ويقول أبو رامي إن من يحمل السلاح يضطر لتبني القسوة.

"المحارب الأسطوري"

هو نفسه أصيب برصاص أعدائه أكثر من ثلاثين مرة، وذات يوم أصابته قذيفة هاون فلسطينية أخرجت أحشائه لكن رغبة الحياة لدى هذا الرجل صغير الحجم، كانت أقوى.

فجمع أحشاءه بيديه وأعادها إلى بطنه ثم قام ومشى مترنحا إلى المستشفى الميداني.

ومنذ ذلك اليوم، أطلقت عليه ألقاب كثيرة منها "الجبار"، و"الشهيد الحي"، و"الرجل الذي لا يمكن تدميره"، و"المحارب الأسطوري" في منطقة جبل محسن.

هذه النوعية من الرجال لا تتحدث مع الصحافة. هم لا يفتحون أفواههم، فما بالك بقلوبهم.

لكن الأمر اختلف الآن بعد أن هزمه الحب، وقد شعرت أثناء إجراء مقابلة معه بأنه على وشك البكاء أمام الكاميرا.

وقال بصوت خفيض أقرب للبكاء "لدي ثلاثة أبناء ولدوا في زمن الحرب، ولكن ابنتي مايا كانت مختلفة، فهي التي جعلتني أشعر بطعم الأبوة للمرة الأولى، في الأحوال الطبيعية لا أسمح لأولادي برؤية دموعي، إحساسي بالمسؤولية تجاه المنطقة بالكامل، لا يسمح لي بالتعبير عن مشاعري. ولكن مايا لها مكانة خاصة، لا أريد لابنتي الوحيدة أن تتأثر بهذه الأجواء."

احتاج أبو رامي لنحو خمسين عاما كي يرق قلبه، ومن أجل ابتسامة مايا وخديها الورديين اللذين يعشقهما، ومع سنوات عمرها التي تقترب من الثانية عشرة، علم أبو رامي نفسه كيف يمكن أن يحب، فهو في الحقيقة يعتقد أنها أيقظته من غفوته ولكنه يعتقد أيضا أن هذا الحب أضعفه.

بي بي سي العربية تزورمدينة طرابلس شمالي لبنان لتغطية طرفي النزاع الطائفي

نظرت إلى زميلي المنتج وديع الحايك، وهو يومئ إلي بحذر، لقد تغيرت القصة الآن ولم تعد هذه مجرد مقابلة، إنها توبة.

لقد تم تكليف فريقي من قبل بي بي سي العربية لمقابلة وتغطية طرفي النزاع الطائفي، وقد اقتربنا الآن من مدينة طرابلس شمالي لبنان، وقابلنا سكان حيين فقيرين، أحدهما لمسلمين سنة، والآخر لعلويين، وهما الحيان اللذان يدور النزاع فيهما منذ السبعينيات.

وقد مالت كفة ميزان الصراع تجاه العلويين في الثمانينيات، عندما احتلت سوريا لبنان، ولكنهم الآن يمثلون مجتمعا صغيرا نسبياً يصل تعداده إلى خمسين ألف شخص يسكنون قمة جبل يطلقون عليه جبل محسن، ويحيط بهم جيران يعادونهم من السنة، ليظل سكان الجبل تحت الحصار يقاتلون من أجل البقاء.

وكل بضعة أسابيع يندلع صدام مسلح بين الطرفين، ويواجه الجاران بعضهما البعض بالقناصة والمدافع الآلية وإطلاق الصواريخ وقذائف الهاون، فيموت أناس وتحترق منازل وتدمر أحياء بأكملها.

جنون جماعي

وبعد عدة أيام من الجنون الجماعي، يرسل الجيش قوات لحفظ السلام، عندها فقط تختفي الأسلحة ويدفن القتلى ويستعد الجميع للمعركة المقبلة.

وفي طرابلس، يتوقع الجميع اندلاع المعركة المقبلة في أي وقت.

نحن هنا لنرى كيف يبدو المشهد عندما تتحول الحرب الأهلية إلى طريقة حياة راسخة.

تعكس شخصية أبو رامي صورة لجانب من واقع الحياة في طرابلس اليوم، فالمدينة تبدو مرهقة، ونادمة، وتعيش في رعب دائم، بعد أن أضاعت عمرها في معارك مسلحة، وفوضى وقتل، كل شيء حققه القتال صار بلا معنى أمام حب أبي رامي لابنته التي ربما تموت صغيرة في زمن الحرب وتذهب حياتها هباء.

نصب أبو رامي كاميرات تلفزيونية لمراقبة جميع أجزاء بنايته السكنية، همه ليس اللصوص، لكنه يخشى العبوات الناسفة.

بلال المصري

وللحياة في طرابلس جانب آخر تعكسه شخصية الشيخ بلال المصري، وهو داعية سلفي في الثلاثينيات من العمر، يملك متجرا صغيرا لبيع الهواتف الخليوية، في منطقة فقيرة للمسلمين السنة يطلق عليها باب التبانة.

ويقع هذا الحي أسفل جبل محسن وفي مرمى نيران مقاتليه.

يتمتع الشيخ بلال بشخصية قوية وبطموح سياسي، تحدث طوال الساعة التي مشينا فيها عن كراهيته للنظام السوري في دمشق، ومن وصفهم بـ"عملائه العلويين الذين يقطنون أعلى الجبل"، وبدا لي بشعره الطويل وعينيه الجامحتين أشبه براسبوتين في شبابه، وحضوره على شاشة التلفزيون قوي ومدهش.

الشيخ بلال اليوم يشبه أبا رامي قبل ثلاثين عاما فهو شاب متحمس يحمل السلاح ويقود مجموعة مسلحة صغيرة من مقاتلي الشوارع.

وعندما يندلع القتال، يلتقط بندقية القناصة المفضلة لديه، وهو لا يحب البنادق الرشاشة الحديثة، وإنما يعشق بندقيته التقليدية "لي إنفيلد"، التي تصل اصابتها الى مسافات أبعد بكثير من أي "كلاشينكوف".

إطاحة نظام الأسد

الشيخ بلال قاتل أيضا، ولكنه ليس مثل أبو رامي المقاتل الذي أنهكته الحروب.

فهو يعتقد أن الحرب في سوريا ستؤدي في النهاية إلى الإطاحة بنظام الأسد الذي يسيطر على سوريا منذ الثمانينيات، والذي قتل والده وأصدقاءه والعديد من جيرانه.

شباب المليشيات من الطائفتين يبدون متشابهين

عند حدوث ذلك، فإنه من المؤكد في نظر بلال أن يقدم السنة في باب التبانة على "تطهير طرابلس".

يقول الشيخ بلال "طوال حياتي لم أشهد شيئا جيدا من النظام السوري، لم أشهد سوى القتل والسجن والتعذيب والتشريد والاغتصاب والنهب."

إنه بالفعل رجل شديد الخطورة، ولكنه أيضا جذاب واجتماعي، وعندما كنا نصور معه في منزله كان يلعب مع طفله معاوية الذي يبلغ الثالثة من عمره، وقد بدا، مثل أي أب متسامح، ولكن عندما بدأت الأنباء تتحدث عن الحرب في سوريا التقط طفله وراح يعلّمه:

- ماذا يفعل بشار الأسد؟

- إنه يقتل الناس

- وماذا يفعل بالأطفال؟

- إنه يذبحهم يا أبي

- من هو... بشار المجرم؟

معاوية لم يتوقف بعد عن استخدام الحفاضات، وهو يتابع الدعاية التي تبث للجيش السوري الحر أكثر من متابعته لأفلام الرسوم المتحركة ليمتلئ دماغه بالطائفية والتفكير في الحرب، وبينما كنا نصور والده كان معاوية يلعب بعصا صغيرة وكأنها بندقية قنص، كان يمثل الدور بدقة، دور القناص.

قال لنا الشيخ بلال "صوت الصواريخ والرصاصات يرعب معاوية ويدفعه للبكاء، وعندما يكبر سيؤثر هذا عليه بالتأكيد وهذا ماحدث معنا، ولهذا فلا أريده أن يسير على الطريق نفسه."

الدمى أهدافا

ويبدو أن أمنية الشيخ بلال جاءت متأخرة، فبينما كنا نصور شوارع باب التبانة، كان الأطفال يلهون بألعاب الحرب، يجعلون من دماهم أهدافا ويصوبون عصيهم كأنها بنادق تجاه جبل محسن.

وتتكرر الصورة كأنها مرآة في أعلى الجبل، أطفال يصوبون مدافعهم الرشاشة البلاستيكية بالأسلوب ذاته وبنفس طريقة أداء آبائهم في الحياة الحقيقية.

الواقع أنه لا أحد يختار معركته كما يقولون، شباب المليشيات من الجانبين يبدون متشابهين، بملابسهم الجينز، وستراتهم الرياضية، وقبعات البيسبول، والوشم على أذرعهم.

إنهم يحتاجون إلى وظائف، وإلى استثمارات في أحيائهم الفقيرة، يحتاجون إلى السياسيين الذين يتركونهم بعد انتهاء فترة الانتخابات، يحتاجون لأن يتزوجوا ويكونوا عائلات تحيا في ظروف طبيعية.

فوق الجبل أبو رامي الحزين الذي شارك في إطلاق النار أكثر من أي شيء آخر في حياته، ينظر مذعورا إلى أصابع الحرب التي تهدد بانتزاع ابنته الحبيبة مايا من عالمه.

قال لنا "أتمنى أن أفتح ذراعيّ وأكشف صدري لهم، ليقتلوني، أنا جاهز، ولكني لا أريد أن يدفع أولادي وأولادهم الثمن، أنا جاهز لدفع الثمن وإذا كان هذا يرضيهم فليفعلوا الآن."

ولكن الأمور ليست بهذه البساطة، فبعد أسبوعين من انتهائنا من تصوير الفيلم، كانت مايا تقف على شرفة المنزل تجمع الغسيل، عندما أطلق قناص النار عليها، أخطأت الرصاصة رأسها بخمسة سنتيمترات، كانت بالفعل فتاة محظوظة.

لكنها طرابلس، وفي الحرب بين الجيران الأعداء، هناك دائماً مرة مقبلة.

يبث الفيلم الوثائقي مساء الاثنين 21 يناير/ كانون الثاني الساعة 19:05 بتوقيت غرينتش ويعاد يوم الثلاثاء 22 يناير/ كانون الثاني في الساعة 14:05 ويوم الأربعاء 23 يناير الساعة 22:05 ويوم الخميس 24 يناير الساعة 14:05 بتوقيت غرينتش.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك