"موت في الخدمة" وثائقي بي بي سي من مصر

مصدر الصورة Ala Qamhawi
Image caption صرخت الأم بالضابط: لماذا قتلت ابني ؟

عثرت بي بي سي عربي، خلال تحقيق استمر عامين، على أدلة قوية على تعرّض مجندين في قوى الأمن المركزي المصرية لسوء المعاملة وربما للقتل على يد ضباطهم.

وتوصل التحقيق إلى أن المجند حسن الشرقاوي في غيبوبة، وأن هناك رصاصة في رأسه مصدرها مسدس يملكه الضابط المشرف على حسن، واسمه محمود العرابي.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: من أطلق الرصاصة، حسن الشرقاوي أم علي العرابي؟

كان عمر حسن في أغسطس/آب 2012 ثلاثاً وعشرين سنة وكان يعمل جندياً في جهاز الأمن المركزي المصري، وهي قوة خفيفة التسليح تابعة للشرطة تنشرها الحكومة المصرية لمراقبة المظاهرات وفض الاحتجاجات الشعبية.

عدد أفراد هذه المجموعة 450 ألفاً معظمهم مجندون.

كان الشرقاوي يؤدي خدمته في الأقصر، على بعد 650 كيلومتراً جنوب القاهرة.

وكان حسن قد قال لأسرته قبل حادث إطلاق النار بستة أشهرإن الضابط العرابي يسيء معاملته.

تفيد الرواية الرسمية للحادث أن العرابي كان يحقق مع حسن الشرقاوي عندما سارع الأخير نحو خزنة الضابط وأمسك مسدسه، وضعه في فمه وأطلق النار في سقف حلقه.

وقال العرابي خلال التحقيق : "لم أتمكن من إيقافه، لأن كل شيء حدث في لمحة بصر".

ولم يكذب رواية محمود العرابي هذه أحد لأنه كان وحده مع المجند حسن الشرقاوي، ولم يكن هناك شهود، لكن حسن الشرقاوي استفاق بعد شهرين من غيبوبته.

فقدَ حسن القدرة على الكلام، لكن من الواضح أنه كان يتذكر ما حدث، وكان يفهم ما يقال له، فبدأت أسرته تطرح عليه أسئلة عما وقع ليلة الحادث.

صار حسن يستخدم حركات اليدين للإجابة، كما أخبرنا عمه شحاتة عبد الصافي الذي قال: "قلت له: أخبرني يا حسن، لكي لا تظلم أحدا: هل أنت من أطلقت النار على نفسك؟ أم أن أحداً آخر أطلق النار؟".

يقول عم حسن إن حسن أكد لأسرته مراراً أنه لم يطلق النار على نفسه، وأنه صار يلمس كتفيه، وهي حركة تقول أسرته إنها تشير إلى الكتف التي تحمل الرتب العسكرية والتي يرتديها الضباط عادة، بمن فيهم ضباط قوى الأمن المركزي، ثم يتبع ذلك بحركة تشير إلى مسدس في فمه.

صَورت الأسرة إيماءات حسن وهو على سريره في المستشفى، لكن هذه الشهادة غير الكاملة، التي أدلى بها بصمت وبالاعتماد على الحركات والإيماءات فقط، لم تصل إلى السلطات الرسمية، فطوال الفترة التي كان خلالها حسن الشرقاوي واعياً في المستشفى لم يأت أحد لا من قوى الأمن المركزي، ولا من سُلطات الادعاء، ولا من وزارة الداخلية، لمقابلته والحديث إليه والاستماع لروايته.

شابت التحقيقَ في الحادثة وقائع أخرى، إذ يزعم والد حسن الشرقاوي أن مجموعة من زملاء ابنه من المجندين الآخرين قالت إنها مستعدة لأن تشهد أن ابنه كان يتعرض لسوء المعاملة على يد العرابي، إلا أن هؤلاء المجندين هُددوا وأجبَرهم مسؤولو قوى الأمن المركزي على التزام الصمت، حسب والد حسن.

كما زُعم أن مدير المنطقة، العميد عماد صالح، لَوّث الأدلة الأساسية عند وصوله إلى مكان الحادثة، وأمسك بيده المسدس الذي استخدم لإطلاق النار. والنتيجة أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على البصمات لمعرفة آخر شخص ضغط على الزناد.

بعد أن استفاق حسن الشرقاوي من غيبوبته بنحو أسبوعين، وبعد عشرة أسابيع على إطلاق النار، حاول الجراحون إزالة الرصاصة التي كانت لا تزال في رأسه، لكنه مات خلال العملية.

سَجل الادعاء العام الحادثة على أنها انتحار، وأغلق القضية.

مصدر الصورة Ala Qamhawi
Image caption كثيرا ما يصاب المجندون بجروح نتيجة التدريب الشاق

حوادث مشبوهة

ليس موت المجند حسن الشرقاوي هو الوحيد الذي تحيط به إشارات الاستفهام بين الوفيات الواقعة داخل قوى الأمن المركزي المصري، فطوال السنتين الماضيتين حققت بي بي سي عربي في سلسلة من حالات الموت والانتحار التي وقعت منذ عام 2008 داخل قوى الأمن المركزي في مصر والتي يُزعم أن الضحايا فيها، وكلهم من المجندين، قُتلوا في الواقع على أيدي ضباطهم.

كما كشف تحقيقنا عن انتشار ثقافة العنف بين طبقة الضباط داخل قوى الأمن المركزي تقوم على إساءة معاملة المجندين، وعثرنا على أدلة على وجود محاولات منظمة للتغطية على مزاعم ارتكاب المخالفات أو سوء المعاملة أو حتى القتل.

سَلطت عدة حوادث بارزة وقعت في مصر مؤخراً الضوء على المعاملة القاسية التي يلاقيها الناشطون والمعارضون للحكومة والسلطة في البلاد، لكن الحديث عن معاملة الحكومة للمجندين الذين يعملون لصالحها، في صفوف قواتها، حديث شبه معدوم.

من أهم أسباب ذلك أن تلك المخالفات والجرائم ترتكب داخل معسكرات تدريب عسكرية بعيدة عن أعين العامة. سبب آخر قد يكمن أيضاً في أن الضحايا هم دائماً أبناء أفقر طبقات المجتمع المصري وأقلها حظاً.

غير أن هناك من يُرجع أسباب انتحار المجندين إلى طبيعة الحياة العسكرية.

ويقول العميد خالد عكاشة مدير المركز الوطني للدراسات الأمنية والضابط السابق: "هذا قطاع كبير يضم عدد ضخما من الأفراد والمجندين مختلفي الخلفيات الاجتماعية والنفسية مع وضع في الاعتبار خضوع هؤلاء إلى حياة عسكرية صارمة أقرب إلى معسكرات القوات المسلحة مع الضغط التدريبي وضغط المهام. وفي هذا العدد الكبير، يتوقع أن يكون يتأثر بعض من أفراده نفسيا تأثرات سلبيا مما قد يؤدي إلى حدوث مثل هذه الحوادث".

قوى الأمن المركزي

أُسست قوى الأمن المركزي بعد موجة من الاحتجاجات الشعبية التي أعقبت هزيمة مصر أمام إسرائيل عام 1967.

استخدم الرئيس المصري في ذلك الوقت، جمال عبد الناصر، الجيشَ لتفريق المتظاهرين الذين شاركوا في أول موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية يواجهها حكمه عبر مظاهرات ضخمة انطلقت في جامعتي القاهرة والإسكندرية، لكن سرعان ما أدرك المسؤولون أن منظر جنود يرتدون البزات العسكرية ويهاجمون متظاهرين غير مسلحين كان يعمّق السخط الشعبي ضد النظام.

يقول المؤرخ خالد فهمي، أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية: "مظاهرات طلبة الجامعات بعد النكسة كانت حدثاً جللاً للعهد الناصري. انزعج نظام الحكم جدا لأن المطالب لم تكن بسيطة بل كانت مطالب عميقة وجوهرية. هنا بدأ التفكير في ضرورة إيجاد قوة مستقلة تابعة لوزارة الداخلية وتمتلك القدرة على التصدي لأية أحداث أو مظاهرات".

مصدر الصورة Ala Qamhawi
Image caption يختار الجهاز المجندين من الفئات المهمشة الفقيرة

أنشئت قوى الأمن المركزي عام 1969 ومنذ ولادتها كان مكونها الأساسي رجال مصريون صغار السن من الفئات الهامشية في المجتمع.

كانت القوات المسلحة المصرية تختار الأذكى أو الأفضل لياقة جسديا منهم لتضمهم إلى صفوفها، بينما يذهب البقية إلى قوى الأمن المركزي، وهؤلاء هم عادة الأفقر والأميون والريفيون الذين لا يلبون معايير الجيش من حيث البناءالجسدي والتعليمي.

وفور دخولهم قوى الأمن المركزي، يبدأ المجندون ثلاث سنوات من التدريب البدني الشاق المعروف بصعوبته، ضمن ظروف معيشة شديدة القسوة.

"المعاملة وسخة" يقول سعيد حسني، الذي خدم كمجند في قوى الأمن المركزي لثلاث سنوات. "لا يوجد إنسانية. هناك نحن عبيد تحت يد ضباط وزارة الداخلية الذين يشرفون علينا. يقال لنا عندما ندخل السلك كمجندين أن نترك كرامتنا في الخارج".

خلال تحقيقنا هذا، حصلت بي بي سي عربي على صور لمجندين في معسكر لقوى الأمن المركزي في كفر الشيخ، تُظهر إصابتهم بجروح وحروق، ويقال إن هؤلاء المجندين أصيبوا بهذه الجروح عندما أجبرهم الضباط على الزحف على رمل عالي الحرارة.

قالت وسائل الإعلام وقتها إن الضباط المسؤولين عن هذه الحادثة سيواجهون تحقيقاً داخلياً، إلا أن عام 1986 حمل دليلاً على أن بعض التصرفات داخل قوى الأمن المركزية قد تثير ردود أفعال بين المجندين يصعب جداً احتواؤها.

في شهر فبراير/ شباط من ذلك العام أثارت إشاعة تقول إن فترة الخدمة الإلزامية ستُمدد سنة كاملة لتصبح أربع سنوات غضباً شديداً دفع ما يقدر بـسبعة عشر ألفاً من مجندي قوى الأمن المركزي إلى شوارع الجيزة والقاهرة وبدأوا تحطيم الفنادق القريبة من الأهرام وتحطيم وإحراق السيارات.

ظهر الرئيس المصري حسني مبارك وقتها على شاشة التلفزيون ليدين أعمال الشغب تلك، وأمر بإرسال الجيش لإيقافها.

استمرت أعمال الشغب تلك ثلاثة أيام، وتقول التقديرات الحكومية إن 107 أشخاص قتلوا، معظمهم مجندون في قوى الأمن المركزي، لكن خطر التمرد لم يزل أبداً.

في أغسطس/آب 2011 اندلعت مظاهرة في الاسكندرية بعد أن اعتدى ضابط على مجند، وفي مايو/أيار 2012 قام مئات من مجندي قوى الأمن المركزي بسد الطريق الرئيسية المتوجهة شرقاً من القاهرة بعد انتشار خبر قيام أحد الضباط بقتل أحد زملائهم. وبعد ذلك بسنتين، فتحت وزارة الداخلية تحقيقاً في موت مجند آخر في قوى الأمن المركزي، عمره عشرون سنة واسمه أحمد حسني.

جُند أحمد حسني عام 2014 وفُرز ليؤدي خدمته في العريش، شمال سيناء. في الرابع من سبتمبر/أيلول اتصل أحد الضباط بأسرته ليخبرهم أن ابنهم فقد الوعي ثم مات الساعة السادسة صباح ذلك اليوم.

ذهبنا إلى منزل أهل أحمد في محافظة الشرقية وتحدثنا مع والدته التي قالت إنها لم تصدق أبداً الرواية الرسمية حول موت ابنها: ”قالوا إنه تعرض لضربة شمس، أي ضربة شمس هذه التي سَببت جرحاً كبيراً في رأسه، وجَرحت حاجبه، وكَسرت سنه؟"

عُززت شكوكها عندما قال أحد شهود العيان، وهو مجند كان إلى جانب أحمد وقتها، إن أحمد حسني فقد الوعي نتيجة الإرهاق الشديد الناتج عن أربع ساعات من التدريب المتواصل، فبدأ الضابط المسؤول، واسمه محمد حسني ولا يمت بصلة لأحمد حسني، بركله لإيقاظه، لكن ذلك لم ينجح، فأمسك بعصا وظل يضربه حتى مات.

هذه الشهادة عززها تقرير الطبيب الشرعي الذي شرح الجثة ووجد أن أحمد تعرض لضرب مبرح بالعصا على الرأس والظهر، كما عثر على كدمات على شكل حذاء عسكري على صدر المجند الراحل.

بعد تقرير الطبيب الشرعي، وُجهت لمحمد حسني تهمة القتل وحوكم علناً أمام مجكمة مدنية في مصر.

ويؤكد عكاشة جدية التحقيقات في مثل هذه الحوادث.

ويقول "تحضر الجهات التفتيشية في وزارة الداخلية من اللحظة الأولى ويحضرها مباشرة مندوبون من النيابة العامة يتم انتقالهم سريعا إلى المكان لإجراء المعاينات في موقع الحدث، ولا توجد مسافة زمنية على الإطلاق ولا يسمح بوجود مساحة زمنية يمكن خلالها التغطية أو التعمية على حقيقة مثل هذه الحوادث."

وتقول والدة الضحية إن أسرة المتهم عرضت عليهم دفع دية مقابل إسقاط التهم، كما أتى ضباط من المعسكر الذي كان ابنها يخدم فيه في العريش وحثوها على حل الموضوع خارج المحكمة لتفادي تعريض ضابط في قوى الأمن المركزى لمحاكمة علنية.

احتجز محمد حسني في السجن. لكن، بعد أسبوعين من القتل، أطلق سراحه بكفالة، ولم يطلب منه حضور جلسة محاكمته ولا حتى الإدلاء بشهادته فيها. أدين محمد حسني غيابياً بالقتل وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. وفور صدور الحكم استأنفه.

في جلسة الاستماع العلنية، شاهدت بي بي سي محمد حسني وهو يتحدث على انفراد مع عدد من مجندي قوى الأمن المركزي، بينهم إثنان من الذين كانوا سيشهدون ضده لاحقاً يومها. بعد ذلك بقليل، أعلن القاضي، دون أن يوضح السبب، أنه لن يستمع لأي شهادات شهود. لم تُصدر المحكمة حكمها في القضية بعد. بينما عاد محمد حسني للعمل كضابط في قوى الأمن المركزي.

وتتحفظ السلطات المصرية على تعامل الإعلام مع حادثة حسني.

يقول اللواء عبد الفتاح عثمان المتحدث باسم وزارة الداخلية إن ما حدث هو أنه "أثناء الطابور الصباحي شعر مجند في الطابور بإعياء وهبوط في الضغط، وسقط مغشيا عليه، وحاول الضابط إفاقته ونقله للمستشفى لكنه توفى إلى رحمة الله"

ويضيف عثمان أن "العلاقة بين الضباط والمجندين في كافة قطاعات الأمن المركزي يسودها الود والعلاقات القوية جدا، ولا توجد مثل هذه التصرفات التعسفية سواء من الضباط أو من غيرهم."

والدة المجند القتيل أحمد حسني متشائمة؛ لا تعتقد أن قاتل ابنها سيعاقب على فعلته. كل ما تمكنت من فعله أنها واجهته في محكمة النقض خلال أول جلسة استئناف، فسارت باتجاهه وهي تصرخ: ”لماذا قتلته؟ رد، أجبني. لماذا قتلته؟“

الأرجح أن تكون تلك المرة الأخيرة التي ترى فيها أسرة أحد مجندي قوى الأمن المركزي ضابطاً فيها يحاكَم. فبعد شهر من قتل ابنها أحمد حسني أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تعديلاً على القانون الذي يُنظـّم محاكمة أفراد أجهزة الشرطة المصرية، بموجبه "يختص القضاء العسكري، دون غيره، بالفصل في كافة الجرائم التي تقع من المجندين الملحقين بخدمة هيئة الشرطة".

ما الذي يعنيه ذلك على أرض الواقع؟ بالنظر إلى سجل قوى الأمن المركزي في مصر، علينا أن ننتظر ما سيحمله المستقبل لهؤلاء المجندين.

  • يبث البرنامج اليوم، 28 مارس/آذار الساعة السابعة بتوقيت غرينيتش، ويعاد في 29/مارس آذار الساعة العاشرة وخمس دقائق مساء بتوقيت غرينيتش، وفي 30 مارس/آذار الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق ظهرا بتوقيت غرينيتش، وفي 31 مارس/آذار الساعة الثالثة وخمس دقائق فجرا ثم العاشرة وخمس دقائق صباحا بتوقيت غرينيتش، وأخير في 1 أبريل/نيسان في الساعة الواحدة وخمس دقائق بعد الظهر بتوقيت غرينيتش.