عن التغريبة وكونشرتو المدهون

"عايش في بلدنا كأني مواطن افتراضي. موجود في السجلات الرسمية، في وزارة الداخلية، عند الأمن العام… بس مش موجود في المؤسسات الحقوقية ولا مؤسسات الخدمة الصحية والاجتماعية، حتى أنت يا جنين، حاضرة غايبة، زي كل الفلسطينيين في هالبلاد، بس أنا يا حبيبتي غايب غايب. أنا دعوة لتعذيب الذات." "مصائر.. كونشرتو الهولوكوست والنكبة”_ربعي المدهون

حركة. اثنتان. ثلاث حركات. فأربع.

الأولى من عسقلان، ربعي والمخيم، عازفان أساسيان. ارتجفت عينا الوليد ربعي للمرة الأولى على وقع التغريبة الفلسطينية. من عسقلان إلى غزة، حركة. حمل فيها ربعي وفلسطينيون كثر تاريخ الشتات الفلسطيني في طيات متعلقاتهم إلى مخيم خان يونس. حركة أبعدت ربعي وآخرين عن دورهم ومدنهم وقراهم في عام ١٩٤٨، ليعزفوا رغما عنهم المقطوعة الأهم في تاريخ فلسطين بعدما عرف بالنكبة. لاحقا سيكتب ربعي المدهون “أبله خان يونس” ثم “السيدة من تل أبيب”، ليرسم فيها ماوصفه بمشهد بانورامي لقطاع غزة.

حركة ثانية. ربعي وعبد الناصر.

تمضي الأيام والسنون كيفما تمضي، في الوطن البديل الفلسطيني أو في المهجر. اليافع ربعي تحمله بلاد الله إلى مصر، يدرس التاريخ في جامعة الإسكندرية، شاب يساري ذو حلم. يغربه عنه قرار الرئيس عبد الناصر باستبعاد الطلاب الفلسطيين بعد صدام مع رفض يساري فلسطيني فى أوائل ديسمبر 1969 لمبادرة أمريكية لحل الصراع العربى الاسرائيلي، تقترح سلاما دائما مع اسرائيل، مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة عام 1967، مع ضمانات أمنية لها.

ترفض إسرائيل المبادرة وتقبلها مصر. ترفضها منظمة التحرير الفلسطينية، وترى فيها محاولة لوقف “العمليات الفدائية” ضد إسرائيل، وتصفية للقضية الفلسطينية بطرح حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتجاهل حقوقهم القومية. تندلع حرب كلامية إعلامية بين اليساريتين الفلسطينيتين فى الأردن، الجبهتين الشعبية والديمقراطية وبين عبد الناصر، يأخذها الفصيلان إلى درجات أغضبت الزعيم المصري. على إثرها يقرر غلق إذاعة صوت فلسطين من القاهرة، واعتقال 70 طالبا ينتمون الى الجبهتين، بينهم الطالب الفلسطيني ربعي المدهون. يُبعد ربعي بعد اعتقاله إلى دمشق ويخسر دراسته الجامعية عام ١٩٧٠.

حركة ثالثة. ربعي والارتحال.

في دمشق، يعتقل ربعي بسبب نشاطه السياسي، لتأخذه التغريبة في الشتات إلى عواصم عربية عدة. عن بغداد يكتب في سيرته الروائية "طعم الفراق": "وتكون بغداد مثلما تكون. تاريخًا وحضارة منثورة بين نهرين.. وجثثًا وانقلابات. وسجونًا بـ"نهايات" وبلا نهايات.. لا يرتاح حاكم فيها ولا محكوم. وبغداد محجّبة بالخمار الأسود. سافرة فاجرة بكل أنواع الأدب.. تسقي الفرات شعرًا ونثرًا.. تذهبون إلى البصرة، وتعبرون الشط وتعودون. اسألوا المدينة كم أنجبت منذ السياب، منذ ما قبل السياب، منذ ما بعده؟ مثل سمك النهر لا يعد. شعراؤها لا يعدون”.

حركة رابعة. ربعي، أوروبا، واتفاقات أوسلو.

بعد ترحال كثير واغتراب، يصل ربعي المدهون إلى لندن، يعمل ويستذكر تاريخ فلسطين. ينشط سياسيا ويعمل في جريدة الشرق الأوسط، ليسطر- هو وروائيون فلسطينيون آخرون- مرحلة أدبية جديدة يسميها الدارسون “أدب ما بعد أوسلو”. يعزف ربعي المدهون مقطوعاته متحديا بالتشخيص القصصي تفاهمات أوسلو. يعنون تاريخ الاغتراب الفلسطيني بقلمه أخيرا: ”مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة" يسبقها روايات ثلاث: «أبله خان يونس» و«السيدة من تل أبيب» و «طعم الفراق».

تصل “السيدة من تل أبيب” القائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2010، وتُتوِّج “مصائر” الجائزة فعليا في عامنا هذا ٢٠١٦، ليكون ربعي الفلسطيني الأول الحاصل عليها. قال عنها الناقد الأدبي د.فيصل دراج: “الرواية الفلسطينية الشاملة”، مفصلا القول: 'المدهون عمل على إنتاج روايةٍ فلسطينيّةٍ شاملةٍ، فكتب عن فلسطين الّتي كانت، وعن الفلسطينيّين الّذين انتهوا إلى خارجها، وقرأ أسى الفلسطينيّين في المنفى، حيث الإقامة في اللّا إقامة، ومنفاهم السّاخر داخل فلسطين (عرب الداخل) وغزّة، وهؤلاء الموزّعين على أكثر من مكانٍ وإقامةٍ وتذكّرٍ، وأكمل المشهد الرّوائيّ بحوارٍ بين عذابات الفلسطينيّين والهولوكوست، معطيًا في التّحديد الأخير لا التباس فيه ولا مساومة”. بينما يقدم المدهون ذاته لروايته: .. “بعد مشروعي «السيدة من تل أبيب»، التي قدمت فيها مشهداً بانورامياً لقطاع غزة في مرحلة زمنية معينة، قمت بتوليف النص في قالب الكونشرتو الموسيقي، المكوّن من أربع حركات تشغل كل منها حكاية تنهض على بطلين اثنين يتحركان في فضائهما الخاص، قبل أن يتحولا إلى شخصيتين ثانويتين في الحركة التالية حين يظهر بطلان رئيسان آخران لحكاية أخرى.. وحين نصل إلى الرابعة تبدأ الحكايات الأربع في التكامل”.

في الحركات الأربع لل”كونشرتو” يسطر ربعي المدهون تاريخ ثلاثة أجيال من الفلسطينيين في الداخل والمهجر. يكتب في الحركة الأولى: “خذوا بعضي وكل روحي إلى عكا يعتذران لها حارة حارة. خذوا ما تبقى مني وشيعوني حيث ولدت، مثلما ستشيعني لندن حيث أموت. يا أصدقائي وأحبتي، يوماً ما، لا أظنه بعيداً، سأموت. أريد أن أدفن هنا وأن أدفن هناك”. وفي الثانية: “عايش في بلدنا كأني مواطن افتراضي. موجود في السجلات الرسمية، في وزارة الداخلية، عند الأمن العام… بس مش موجود في المؤسسات الحقوقية ولا مؤسسات الخدمة الصحية والاجتماعية، حتى أنت يا جنين، حاضرة غايبة، زي كل الفلسطينيين في هالبلاد، بس أنا يا حبيبتي غايب غايب. أنا دعوة لتعذيب الذات.” ولا تخلو شذراته من مرار: «إعلان سيئ بيوزعوه من غير مصاري على كل فلسطيني بيفكر يرجع للبلاد بطريقتي».

لكن ماذا عن اسم الرواية؟ لماذا يقرن المدهون النكبة بالهولوكوست؟ هل احتفت إسرائيل بالعنوان؟ لماذا لا يراه نفر من قرائه بين أدباء المقاومة؟ ومتى كانت مرته الأخيرة زائرا للأراضي الفلسطينية؟ لماذا القالب الموسيقي للرواية؟ من أي جيل أدبي هو؟ إلى أيهم ينتمي؟ وعلى أيهم يتمرد؟

أقرأ الكونشرتو وأعود به لمقالات “بلا قيود” بعد انقطاع. وأقدم لكم موسيقى ربعي المدهون الأدبية في مناظرة دويتو من مفتاح “دو” الكبير في بلا قيود هذا الأسبوع.