أنا لست جوليا روبيرتس ...

مهرجان كان السينمائي الدولي هو من أكثر المهرجانات بريقا وشهرة في أوروبا ويحظى باهتمام إعلامي ومتابعةٍ من الجمهور العريض تعادل تلك التي تحظى بها جوائز الأوسكار الأمريكية.

ولكنه أيضا مهرجان التناقضات... التناقضات بين المبدأ والممارسة. مهرجان كان هو احتفالية بفن السينما- الذي نشأ في فرنسا، فرنسا التي تشجع وتدعم ما يعرف بسينما المؤلف التي لا تعبأ بحسابات المكسب والخسارة وتعلي القيم الفنية المطلقة -حسب معايير متغيرة طبعا- وتفسح المجال لرؤية المخرج والمؤلف.

في نفس الوقت، هذا المهرجان، يقوم بالأساس على سوق الفيلم. فإليه تأتي كل شركات الإنتاج والتوزيع الأمريكية العملاقة لتسويق أفلامها في أوروبا وبقية دول العالم.

أيضا، مهرجان الاحتفالية السينمائية، تغلق الباب بكل بساطة في وجه الجمهور العادي. فالعروض مقصورة على النقاد والسينمائيين والصحفيين من حاملي الدعاوى والبطاقات. وكنت سعيدا هذا العام بحمل البطاقة الوردية التي تتيح لصاحبها حضورَ أي عرضٍ بل وتجنب الوقوف في الطوابير على عكس حاملي البطاقات الزرقاء.

الشعور جميل ولكنه أيضا محمل بالذنب تجاه الآخرين داخل المهرجان وأيضا تجاه العشرات الذين يستجدون الدعوات على الأرصفة خارج قصر المهرجان.

والتناقض لا يتوقف عند هذه النقطة... جائزة المهرجان الكبرى - السعفة الذهبية- غالبا ما تذهب لفيلم يحمل رسالةً إنسانيةً واضحة من قبيل إدانة الظلم والتسلط ونصرة الضعفاء والمهمشين. والفيلم الفائز هذا العام خير دليل على ذلك. فيلم"أنا دانيال بلايك" للبريطاني كين لوتش هو عن عاطل بريطاني يعاني من الإعاقة يتحدى المنظومة البيروقراطية للحصول على إعانة بطالة.

بعد إعلان النتائج تم عرض الفيلم على جمهور يرتدي أفخم الملابس ويحاول أغلب من فيه الظهور في هيئة أصحاب المليارات.... وهذا ليس بالضرورة اختيارَهم. فلوائح المهرجان تفرض على الرجال ارتداء البدلات الرسمية - وهذا مفهوم - ولكن أيضا

يجب أن تكون ربطةُ العنق من نوع البابيون (أو الفراشة). ربطة عنقي كانت من النوع العادي. لذلك رأيت نفسي ممنوعا من المشي على السجادة الحمراء- وهي السبيل ُ الوحيد لدخول قاعة السينما لحضور الحفلِ الختامي.

تم اقتيادي فورا إلى منفذ قرب المدخل لأشتري منه ربطةَ العنق الرسمية بمبلغ خمسة عشر يورو - ومن دون إيصال! مما يعني أنني لن أتمكن من استرداد المبلغ ضمن مصروفات العمل. كما أن هذه الربطةَ كانت رديئةَ الصنع ومصمةً في الأغلب لشخص ذي عنقٍ رفيع للغاية.

مهرجانُ هذا العام ناقش أيضا عدمَ تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء العاملين في مجال السينما وأدان بشدة التعامل مع السنيمائيات كإناث أولا وليس كحرفياتٍ مِهْنيات. ولكن في نفس الوقت قوانين البساط الأحمر الصارمة تفرض على النساء فرضا ارتداءَ الكعب العالي... وهو ما يراه الحقوقياتُ تنميطا ذكوريا للمرأة وإقلالا من شأنها.

الممثلة الأمريكية جوايا روبيرتس تحدت الحظر وسارت حافية القدمين اعتراضا على ذلك التمييز.

أما أنا، فلست جوليا روبيرتس واضررت

لارتداء ربطة "البابيون".