بلد بتاعت شهادات صحيح!

أعرفه منذ كان في المرحلة الثانوية، كان مراهقاً هادئاً ومستواه الدراسي فوق المتوسط. كان من أولئك الذين لا يعكس أداؤهم حقيقتهم. فتفوقه يلمسه المدرّس في الصف وتكذّبه نتائج الاختبارات. ربما كان يتسم بشيء من لامبالاة، أو يعاني من غياب الحافز.

في يوم وليلة تبدلت ظروفه على نحو كارثي، ولم يكن ثمة بد من الانقطاع عن الدراسة لفترة عاد بعدها ليلتحق بالثانوية الصناعية التي تتطلب مجهوداً أقل وتتيح وقتاً أكبر لمن يحتاج للجمع بين الدراسة والعمل.

ثم انقطعت أخباره لسنوات إلى أن التقينا صدفة، تقدم معرّفا ًنفسه بالقول: "المهندس فلان الفلاني"

استوقفني اللقب وإن لم أعلق. ففي مصر هذه الأيام هناك"مرونة" في خلع الألقاب على النفس وعلى الغير. لكنه استطرد فوراً: "أنا فعلاً مهندس زراعي، ومعايا بكالوريوس من جامعة القاهرة!"

في مشواره منحنيات حادة وهو في الواقع مادة خصبة لشخصية روائية مثيرة وبالتالي لا داعي لحرق تفاصيل أكثر الآن إذ لربما أحتاج إليها مستقبلاً.

بالعودة إذن لعلاقة القصة بحلقتنا؛ لم يتسن لرفيق الصبا ما تسنى له إلا من خلال نظام أدخلته مصر منذ ربع قرن يسمى بالتعليم المفتوح.

الآن هذا النظام الذي منح الآلاف فرصة ثانية عُلق مؤقتاً وقد يلغى. والسبب؟ غسيل الشهادات!

ففي بلد وصفه عادل إمام في السبعينيات بأنه "بتاع شهادات صحيح" ينبغي القول إن ليس كل طلاب التعليم المفتوح تحركهم الرغبة النبيلة في تطوير الذات. منهم من يستغل عدم اشتراط مجموع عالٍ لحيازة شهادات مرموقة وكأن التعليم المفتوح مجرد باب خلفي. كل هذا أثّر على سمعة التعليم المفتوح لدرجة أن نقابة المحامين مثلاً تتشدد في قبول خريجي هذا النظام والاعتراف بهم رغم حيازتهم ليسانس الحقوق ورغم أحكام قضائية تقضي بوجوب ضمهم للنقابات المهنية.

في حلقتنا أيضا، يجازف الصحفي جمال عبد الرحيم - سكرتير عام نقابة الصحفيين - عندما يقبل الظهور معنا في البرنامج بعيد اخلاء سبيله من تحقيق في النيابة وجهت خلاله له تهمتي نشر أخبار مغلوطة وإيواء هاربين.

ومكمن المجازفة أن مما تحداه به المحققون مقاطع فيديو يظهر فيها مع قنوات غير مصرية. لا يهم فحوى ما قاله قدر ما يهم الظهور نفسه.

رغم ذلك فقد أتانا عبد الرحيم ومنحنا مقابلة هامة وساخنة أرشحها لكم وهي فقرتنا الرئيسية في الحلقة.

في الحلقة كذلك فقرات أخرى عديدة من بينها مفاجأة بالنسبة لفريق البرنامج، فقد اكتشفنا عزيزي القارئ أن سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة التي تحل ذكرى ميلادها هذه الأيام مثلت بالانجليزية.

الفيلم اسمه Cairo وهو من إنتاج شركة «مترو جولدن ماير» عام 1963. يصنف كفيلم بوليسي وهو من إخراج ولف ريلا وشارك فيه ممثلون مصريون كثر بينهم أحمد مظهر، كمال الشناوي، صلاح نظمي، شويكار، صلاح منصور، يوسف شعبان، عزت العلايلي.

أما قصته فتدور حول لص يتجه إلى القاهرة لسرقة مجوهرات توت عنخ آمون من المتحف المصري وينجح بالفعل، ولكن تصيبه لعنة الفراعنة ويصبح الفرار أصعب من السرقة ذاتها، خاصة مع مطاردة الشرطة المصرية وإصابة البطل الذي تصحبه محبوبته أمينة إلى طبيب لعلاجه.

ولم تستعن فاتن حمامة بدوبلاج للصوت فهي تجيد اللغة الإنجليزية. لكنها تتحدث في المقطع الذي ننهي به الحلقة عن خوفها الذي كاد يدفعها في البداية لحزم حقائبها والمغادرة، ثم استمتاعها بالتجربة فيما بعد. كل هذا ترويه بصوتها العذب الذي يترقرق إلى الأذن بأناقة يستحيل معها التوقف عن الإنصات حتى آخر كلمة.