سيدة المنيا والأقزام السبعة!

مهلا ياسادة فالحكاية لا تصلح للأطفال. وليس في الأمر كان ياماكان ولسنا في سالف العصر والأوان، بل حالا ومنذ عشرين عاما على الأكثر.. السيدة واحدة والوجوه تعددت..

القصة التي تصدرت الصحف ومواقع التصفح مؤخرا عن سيدة تناولتها أيدي المدونين كما تناولها المتشككون والمدافعون، المنظرون والحقوقيون والمغردون والقانونيون والساسة.. هي سيدة بسيطة.. صعيدية من المنيا في مصر.

نسميها في الصحافة محور قصة. القصة عرفتموها ولن أزيد. لكنها ليست سيدة واحدة. هي بطلة رغما عنها في كل قصة تالية أمامها شخص دانه القانون أو لم يفعل، لكننا لم نعد نتذكره حتى قزمته الأخبار ونسيته الصحافة والرأي العام.

١. عام ١٩٨٥ رُوعت مصر على خبر في صحيفة، بل في كل الصحف تقريبا. قضية " فتاة المعادي"، الواقعة كانت اغتصاب فتاة علي يد أربعة من عمال البناء مضغت الصحف وقتها أقوالهم في تحقيقات النيابة فيما بعد عن اشتباههم أثناء سيرهم ليلاً بعد انتهاء عملهم في شاب وفتاة يمارسان فعلاً فاضحاً، ما أثارهم حسيا. اندفعوا نحوهما لينحيا الشاب جانباً ويحلون محله الواحد تلو الآخر. لوّكت الصحافة المحلية تطورات القضية إلى حين، متابعة الشرطة للجناة، إلقاء القبض على المتهمين، الحكم العاجل عليهم، تنفيذ الحكم، الإعدام شنقا. هدأ الرأي العام. وتوارت القضية. لكن ما بقي للسيدة هو أن كل ما جاد به الجناة خلال التحقيقات عن سلوك الفتاة و”مبررات” الجريمة، كان محض افتراء. السلوك كان المبرر.

٢. بعد فتاة المعادي بعدة أسابيع،"فتاة امبابة" كانت الضحية التالية. الملابسات كانت اغتصاب الفتاة على يد سبعة رجال. المرأة هذه المرة كانت بصحبة زوجها في زيارة للمحامي في وقت متأخر ليلا، لدى خروجها ، خرج عليهم سبعة أشخاص اختطفوا السيدة وأخذوها إلى مكان ناء وتناوبوا اغتصابها حتى الصباح. كان الراي العام مرهقا ومشبعا بقضية المعادي فلم تقم الدنيا لفتاة إمبابة وإنما صدر الحكم بسبع سنوات سجنا فقط للجناة. هذه المرة لم يكن سلوكها المبرر وإنما الخروج في وقت متأخر. الخروج ليلا كان المبرر.

٣. فتاة العتبة: في عام ١٩٩٢ استفاقت مصر مجددا على الواقع الجديد الذي يواجه السيدات، فالوقت نهار، والمكان عام، شديد الازدحام، والسلوك أكثر من روتيني. الفتاة كانت تنتظر الأوتوبيس ياسادة فى موقف العتبة، أحد أكثر البقاع السكانية في مصر ازدحاما. تاهت الصحافة في التفاصيل، كيف حدث وماذا حدث، أوصاف فجة، امتدت إلى جسد الفتاة وثنايا أدق تفاصيلها الحميمة. لم ترحمها أقلام الصحفيين ولا عيون القراء. إلى أن خرج صحفي همام ليعلن المفاجأة الكبرى: الفتاة محجبة! وكأنه كتبها ليخرس الألسنة! ولقطع دابر من بدأ يشكك في سلوكها ويبرر للجناة. لم يكن يدر أنه الآخر يبرر، يبرر لتاريخ طويل أتى، يبرر لظاهرة التحرش.

٤. ٢٥ مايو ٢٠٠٥. يطلق صحفيون ونشطاء سياسيون كثر على هذا اليوم الأربعاء الأسود. كان الذكرى العاشرة للاستفتاء على تعديل المادة ٧٦ الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية - مبارك آنذاك.نظمت المعارضة وقفات احتجاجية قابلت الصحفية نوال. تعرضت نوال للاعتداء الجنسي والسحل هي وعدد من السيدات من بينهم صحفيات من قبل من وصفن إنهم بلطجية في زي مدني يقودهم أعضاء بالحزب الوطني الحاكم آنذاك، على مرأى ومسمع من الضباط الحضور، وتقدمت مع عدد من الصحفيات والناشطات من المعتدى عليهن ببلاغ للنائب العام للتحقيق فيما تعرضن له، إلا أن النائب العام أصدر قراره بحفظ التحقيقات في الواقعة بدعوى عدم الاستدلال على الجناة. نفت كل الجهات التي اتهمتها الصحفية نوال صحة الادعاءات وتم فصل نوال عن العمل بعد أسبوعين من الإعتداء عليها والإدعاء بأنها هى من قامت بتمزيق ملابسها بنفسها، تعاطف البعض معها، بينما سُئل السؤال للمرة الأولى ليؤسس للتبرير الجديد: "وهي ايه اللي ودّاها هناك؟”. النشاط السياسي أو الحقوقي أو الاشتباه به هو التبرير.

٥. "فتاة مجلس الوزراء" من سماها متظاهرو يناير "ست البنات" كانت امتداد للتبرير الاستنكاري.. "وإيه اللي وداها هناك؟"

في عهد المجلس العسكري، وفضلا عن كشوف العذرية التي خاض مضمار معركتها سيدات لجأن إلى القضاء وانتصرن وهزمن أمام الشرطة العسكرية، ومنفصلا عن ذلك في يوم ١٦ ديسمبر٢٠١١ ، وقعت أحداث مجلس الوزراء، حيث دارت اشتباكات بين قوات الجيش من جهة والمعتصمين أمام مبنى مجلس الوزراء المطالبين برفض حكومة الدكتور كمال الجنزوري. أمام الكاميرات وقعت مشاهد سحل وتعرية إحدى الفتيات "ست البنات" كما لقبها المتظاهرون المصريون وقتها، وأصبحت الفتاة مادة للتلاسن السياسي بين الموالين لسلطة المجلس والإخوان المسلمين المتحالفة معه آنذاك والمعارضين له، طالتها كل الأوصاف المحمودة وشديدة السوء، وآثرت هي الحفاظ على هويتها سرية بسبب هذا الانتهاك الإضافي. المبرر النشاط السياسي.

٦. ٦ يونيو ٢٠١٤ ذكرى الاحتفال بتنصيب السيسي رئيسًا للجمهورية، ميدان التحرير الذي شهد ثورة يناير شهد حادثة الاغتصاب الجماعي لم تكن الأولى إذ اشتكت المتظاهرات أكثر من مرة من حالات تحرش واغتصاب قلن إنه بترتيب ممنهج من أجهزة الدولة ونفته الدولة. هذه المرة كان لسيدة أربعينية أمام الكاميرات بشكل جماعي، تم تجريدها من ملابسها من قبل المعتدين، نقلت على أثرها للمستشفى؛ ثم اعتذر لها الرئيس وذهب بعض وزرائه زائرين لها علنا وأمام الصحافة والكاميرات في الأيام التالية. ولم تستطع الصحافة إيجاد مبرر للاعتداء.

٧. أخيرا يجيئنا اليوم اعتداء جديد، التفاصيل لا تزال في حال الفوران الصحفي والسيدة لاتزال تلوكها الألسنة، بين المشكك والأكيد والمدافع والمُهين. الثابت أن السيدة قبطية مسيحية، واسمها سعاد ثابت. تقارب من السن السبعين. والثابت أن الكنيسة الأرثوذوكسية فوضت الأنبا مكاريوس - أسقف عام المنيا وأبو قرقاص للتحدث باسمها دفاعا عن هذه السيدة. والثابت أنه تحدث إليّ في بلا قيود عن دور الدولة والمؤسسات الدينية، عن سيدة المنيا بوجوهها كلها… ودون أن يقصد… عن الأقزام السبعة….

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش