تيران وصنافير بين عمرو حمزاوي ومالك عدلي

مساء السبت التاسع من أبريل نيسان الماضي، فاجأ مجلس الوزراء في مصر مواطنيه ببيان. المسألة تتعلق باتفاق تم توقيعه بين القيادتين المصرية والسعودية، بموجبه جرى تعيين الحدود البحرية بين البلدين.

مجلس الوزراء أعلن عن الاتفاق معتبرا إياه انجازاً مهما، من شأنه أن يمكن الدولتين من الاستفادة من المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما بما توفره من ثروات وموارد تعود بالمنفعة الاقتصادية عليهما، مبينا أن الرسم لخط الحدود بناءً على المرسوم الملكى والقرار الجمهورى أفضى إلى وقوع جزيرتى صنافير وتيران داخل المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية. وأكد مجلس الوزراء المصري في بيانه أن الاتفاق جاء بعد عمل استغرق أكثر من 6 سنوات، انعقدت خلالها إحدى عشرة جولة لاجتماعات لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين، آخرها ثلاث جولات منذ شهر ديسمبر 2015 عقب التوقيع على إعلان القاهرة فى 30 يوليو 2015 على ماجاء في البيان.

ردود الفعل في مصر توالت منذ اللحظة الأولى للإعلان عن الاتفاق، بين مستسيغ ورافض. ومنذ اللحظات الأولى اقتفيتُ - كما فعل معظم الصحفيين- تطورات القصة وتبعاتها. طلبت على حسابي الرسمي على تويتر توثيقا من المواطنين في البلدين. وانهالت علي الوثائق والمستندات، وجلها من المصريين. قمت بنشر معظمها بعد الاستوثاق منها تباعا بدءا من ذات اليوم الذي جرى فيه الإعلان ولأيام تلت. وثائق وبيانات وخطابات وآراء لكتاب واستشاريين، صور وأصول. قررت استبعاد الآراء واكتفيت بالوثائق، مصرية ودولية. تجلت صحافة المواطن في أرسخ صورها، إذ وافاني الكثيرون بمستندات بحثوا عنها بأنفسهم في دار الوثائق المصرية والمكتبات العامة والمواقع الرسمية لجهات عدة.

تابعت من خلال عملي تطورات الأحداث على الصعيدين الرسميين في كل من مصر والسعودية، كذلك تطورات القصة شعبيا، والتظاهرات المؤيدة والمعارضة للاتفاق في مصر. يوم الخامس عشر من أبريل، حذرت وزارة الداخلية المصرية مما وصفته بـ"محاولة للخروج على الشرعية" بسبب دعوات التظاهر التي أطلقها نشطاء احتجاجا على الاتفاق، مصرحة في بيان أنها ”ستتخذ كافة الإجراءات القانونية للحفاظ على الأمن والاستقرار".

خرجت التظاهرات المعارضة والموالية على أي حال تندد وترحب بالاتفاق، رصدت التقديرات المبدئية ألفي متظاهر معارض تمكنوا من التجمع، مستخدمين عنصر المباغتة والخروج في مجموعات صغيرة من مواقع غير التي جرى الإعلان عنها في دعوات الحشد للتظاهر. مرة أخرى فعّلت صحافة المواطن وطلبت من المتظاهرين الموالين والمعارضين صورا مؤرخة وموقته لمواقع التظاهر. وافاني عدد من المتظاهرين متطوعين بالصور بالفعل ونشرت ما وُثق منها على تويتر وفيسبوك. اعتقلت قوات الأمن عشرات المتظاهرين، وانتهى يوم المعارضين بالدعوة للتظاهر مجددا يوم الخامس والعشرين من الشهر ذاته.

في اليوم المقرر خرجت تظاهرات وصفتها تقارير صحفية بالمحدودة نسبيا مقارنة بعشرة أيام خلت. أطلقت الشرطة المصرية قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين ،بعد أن فرضت إجراءات أمنية مشددة حول مناطق عدة لمنع وصول المتظاهرين إليها. آلاف من قوات الأمن انتشروا في أنحاء العاصمة المصرية ومدن أخرى. أغلق الأمن مدخل نقابة الصحفيين وفُرضت على ميدان التحرير، الذي شهدت ساحته ثورة الخامس والعشرين من يناير، إجراءاتٌ أمنية مشددة، وتحدثت تقارير عن اعتقال العشرات في أماكن مختلفة.

قُدّم المتظاهرون المعارضون لمحاكمات عاجلة. وجهت فيها النيابة العامة لجلهم اتهامات بالتحريض على استخدام القوة لقلب نظام الحكم، والتحريض على مهاجمة أقسام الشرطة، واستخدام العنف والتهديد لحمل رئيس الجمهورية على الامتناع عن عمل من اختصاصه ومهامه الموكلة إليه طبقًا للدستور- الذي ندد المعارضون بتجاهل مواده ورأوا أنه لا يخول أي جهة كانت بما سموه التفريط في أراض مصرية في مادتين على الأقل، بينما اعتبر بعض المعارضين الدستور قد سقط بالتوقيع على الاتفاق دون موافقة مجلس النواب ابتداءا أو طرح المسألة للحوار المجتمعي والاستفتاء وفقا لذات الدستور- إضافة إلى تهمة الانضمام لجماعة إرهابية. تراوحت الأحكام بين الإدانة والبراءة في دوائر مختلفة، إذ انتهت بعض الأحكام إلى تخفيف العقوبات على عدد من المتظاهرين، واكتفت المحكمة بفرض غرامة على ٤٧ متظاهرا تقدر بـ 100 ألف جنيه لكل منهم، ومعاقبة آخرين بالحبس لمدد وصل بعضها إلى خمس سنوات.

مواجهات وجدل كثير استأثرت به مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة التقليدية. فالأهرام المصرية شبه الرسمية عنونت مقالها الافتتاحي صبيحة إعلان مجلس الوزراء ب "وعادت الوديعة الى أهلها"، وكتبت أن "مصر لن تتنازل عن شبر واحد من أراضيها تحت أي ظرف من الظروف... ولكن من غير المعقول أن نحرم أشقاءنا من التمسك بأرضهم التي تثبت كل الوثائق حقهم فيها".

هذا جانب من مقال الزملاء في فريق التواصل الاجتماعي في بي بي سي عن الملاسنات بين المغردين والمدونين بين معارض ومرحب بالاتفاق:

“علق مقدم البرامج الساخر، باسم يوسف، على القرار في تغريدة، شبه فيها الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، بمن يبيع الجزيرتين في مزاد، وقال: "قرب قرب يا باشا، الجزيرة بمليار، الهرم باتنين، وعليهم تمثالين هدية".

وقال معلقون آخرون إن التنازل عن الجزيرتين أفقد الرئيس السيسي شرعيته، وإنه قرار مخالف للدستور.

واستغل مغردون سعوديون الفرصة للرد على أقرانهم المصريين.

ويقول المغرد السعودي @_naiif10 "هلا صمتم وإلا نقلنا الأهرامات إلى صحراء الربع الخالي؟"

في حين علق مغرد آخر يحمل اسم @QG_7H: "أنا الآن أخطط لزيارة جزرنا في الشمال #تيران_صنافير.. مناظر رائعة."

لافت كان التباين بين تغريدات عدة للدكتور عمرو حمزاوي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية، المقيم حاليا خارج مصر بعد رفع قرار حظر السفر عنه، وبين تغريدات ومداخلات عدة لمالك عدلي مدير وحدة العدالة الجنائية في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المعتقل حاليا على ذمة التحقيقات بعد أمر بالضبط والإحضار صدر ضده وصحفيْين اثنين هما عمرو بدر ومحمود السقا، الذين ألقت السلطات القبض عليهما بعد ما وصف من جانب نقابة الصحفيين باقتحام مقرها، وطالبت بإقالة وزير الداخلية، واعتبرته الداخلية والنيابة العامة دخولا قانونيا لمقر النقابة لضبط مطلوبين تؤويهم النقابة.

وجهت النيابة لمالك عدلي بعد القبض عليه في الخامس من مايو/ أيار الفائت اتهامات بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، وزعزعة أمن وسلامة الوطن عن طريق نشر "شائعات" والدعوة للتظاهر وتشكيل حركة تهدف للإخلال بالسلم العام". بينما قال محاميوه إن"الشائعات" التي يُتهم عدلي بترويجها هي قناعته على بأن جزيرتي تيران وصنافير مصريتان، وإن الاتهامات جميعها جاءت في ضوء القضية التي رفعها عدلي أمام مجلس الدولة للدفع ببطلان الاتفاق مستعرضا وثائق ومستندات لتفنيد ما قال إنها مزاعم السلطات المصرية بشأن أحقية السعودية في الجزيرتين.

أما د.عمرو حمزاوي فقال في تغريدتين ضمن أخريات: “كان ينبغي على الحكومة أن توضح تاريخ جزيرتي صنافير وتيران اللتين أديرتا مصريا منذ 1950 بموافقة سعودية، وحقيقة التنازع على السيادة عليهما”

" غير أن توجيه الاتهام بالتنازل عن الأرض دون استناد إلى فهم لتاريخ ووضعية صنافير وتيران ليس من الموضوعية في شيء، ولا من المعارضة في شيء."

اقتنع البعض بما جاء في تغريدات حمزاوي ومقالاته اللاحقة بهذا الشأن، وعارضه آخرون من مختلف التيارات.

ثم كتب حمزاوي في مقال مطول عن الحالة المصرية في شق أفرده لتيران وصنافير:

"ففي مسألة "الجزيرتين" كان بإمكان الديمقراطيين الارتكان في معارضتهم للنهج الرسمي إلى الفردية التي اتسمت بها صناعة القرار الذي أفضى إلى توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية والاعتراف بها، وإلى الشفافية الغائبة والتي عنت بالفعل استيقاظ المصريات والمصريين على اعتراف "حكومتهم" بسيادة السعودية على جزيرتي تيران وصنافير دون أن يسبق ذلك تمكين الرأي العام إن من التداول الحر للقواعد الدولية والوثائق القانونية والحقائق التاريخية التي تدلل موضوعيا على "مشروعية" الاعتراف الحكومي أو من إدارة نقاش رشيد حول الأمر برمته.”

واستطرد حمزاوي : “ والأمر الآخر الذي لا يقل إحباطا يتمثل في تجاهل القوى الاحتجاجية والشخصيات العامة المنتسبة للفكرة الديمقراطية لأولوية المزج بين تماهيها مع الحراك الشعبي المستند إلى تأجيج المشاعر الوطنية وبين تبنيها العلني لأجندة الحقوق والحريات التي تفرضها المظالم والانتهاكات المتراكمة في مصر.”

حمزاوي وعدلي يُنظر إليهما باعتبارهما رمزين لنفس الصف، المطالب بالديمقراطية ويدافع عن الحقوق والحريات ومدنية الدولة في مصر. إلا أن هذا التباين بين موقفهما من الجزيرتين والاتفاق المبرم بشأنها، على الرغم من الاتفاق على الحق في التظاهر وإبداء الرأي فتح بابا لسجال مستمر حتى بعد اعتقال مالك عدلي وآخرين.

عن ذلك الجدل، ومنع مقالات عدة له، وعن مآل الحال والواقع السياسي والأمني في مصر تحت القيادة الحالية، وتمسكه هو برأيه فيما يتعلق بالثلاثين من يونيو والثالث من يوليو قبل عامين وأحداثهما التي غيرت وجه مصر ضمن تطورات كثيرة منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير سألت د.عمرو حمزاوي في بلا قيود.

بلا قيود الأحد - الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش.