"كانت الجنة"

القاعدة.. طالبان.. أرواح المدنيين الذين قضوا تحت قصف طائرات التحالف بدون طيار.. الحرب على الإرهاب.. عملية استهداف بن لادن.. علامات استفهام كبرى تزاحمت عند مداخل دماغي بانتظار الإذن بالترتيب والانتقاء، فور أن رتب فريق بلا قيود لقاءنا بالرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي أثناء زيارة خاطفة له للعاصمة البريطانية لندن.

بالكاد أفردت مساحة للإستذكار والإعداد للمقابلة، أقل من نصف يوم تقريبا، فالأسبوع جد مزدحم، ثلاثة لقاءات وثلاث حلقات معتادة من العالم هذا المساء إضافة إلى تغطية استفتاء بريطانيا الذي أفضى إلى خروجها من الاتحاد الأوروبي. كل ذلك منحني وقتا متناهيا في الضيق للإعداد لمقابلة شديدة الأهمية. أعددت أسئلتي بحرص شديد، لما أعرفه عن مهارة السيد كرزاي وحنكته في سوق الحوارات الصحفية إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث يريد محاوروه. إذا التحدي مزدوج. يا أهلا بالمعارك.

يوم اللقاء قررت استئجار سيارة لتقلني إلى حيث الرئيس كرزاي وفريق كامل من السفارة الأفغانية لأجد فريق برنامجي كذلك بانتظاري. في الطريق كانت صدفة طريفة أن يكون السائق أفغانيا، عرفت أنه كذلك من سؤال مهذب سألني إياه فور دخولي السيارة: “هل تمانعين الموسيقى سيدتي؟ بإمكاني تخفيض صوت الراديو لو تحبذين”

فأجبته: " كلا لا أمانع على الإطلاق، هذه موسيقى طاجيكية؟"

فأجابني: "أفغانية، سيدتي."

قلت: "جميلة. آه بس لدي مشكلة مع المعطر عندي حساسية لكن ولا يهمك."

فرد بلهجة مهنية مهذبة: "أعتذر لك سيدتي. الموسيقى الأفغانية والبخور وهذا الصندل الصغير المعلق في المرآه يجعلونني أشعر أنني لازلت في وطني أفغانستان. طالبان خربوا كل شيء. لم يتركوا لنا شيئا نحب، لا موسيقى ولا بخورا ولا أزياءا."

نظرت للصندل الصغير المعلق في المرآه واستحضرت تقليدا مماثلا في سيارات الأجرة في القاهرة وعصف بي الحنين آنيا، ثم عدت إلى سؤاله: كيف كانت أفغانستان قبل طالبان؟

قالها ولم أسمع بعدها ما أضاف: "كانت الجنة."

كنت قبل اللقاء قد بحثت عن أوضاع أفغانستان قبل وبعد أيادي طالبان بيضاء كانت أو سوداء عليها، يعتمد في أي معسكر تقف. وجدت فيما وجدت تقريرين لبي بي سي العربية. أحدهما حيال أوجه الحياة في أفغانستان من حيث مفاصل حياة المواطن، أمثال صديقنا سائق سيارة الأجرة، الحانّ إلى وطنه الذي كان. وجدت معلومات فادتني أقتبس منها بعض الشيء وأظن أنكم مثلي:

التعليم

"..في عام 2001، لم يكن هناك فتيات في المدارس الرسمية، التي كانت تضم مليون طالب من البنين، ولكن بحلول عام 2012 ارتفع عدد تلاميذ المدارس إلى 7.8 مليون – من بينهم نحو 2.9 مليون فتاة – حسب البيانات الصادرة عن البنك الدولي."

".ولا تزال معدلات تسرب الفتيات من الدراسة مرتفعة للغاية في المدارس الثانوية، كما أن معدل محو أمية الكبار في البلاد – 39 بالمئة ممن يتجاوزون سن الخامسة عشرة يمكنهم القراءة والكتابة – يعد واحدا من أدنى المعدلات في العالم."

المرأة

بدأ وضع المرأة في أفغانستان يتحسن بعد أن كانت الفتيات ممنوعات تحت حكم طالبان من الذهاب إلى المدرسة والخروج للعمل.

"..ولا تزال الأمية مرتفعة للغاية بين الفتيات، على الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة في هذا الصدد."

"..وبدأت بعض النساء الانخراط في بعض الأعمال. وقالت منظمة الإغاثة الإسلامية إن النساء يشكلن أكثر من 25 بالمئة من أعضاء البرلمان وموظفي الحكومة في أفغانستان."

..وبالرغم من هذا التقدم، لا يزال العنف ضد المرأة يمثل مشكلة كبيرة. وأشارت الإدارة المركزية للإحصاء إلى أن الضرب والزواج القسري وعدم وجود الدعم الاقتصادي هي أكبر ثلاث مشكلات واجهت المرأة عام 2010.

وعلى الرغم من تراجع عدد حالات العنف، إلا أن التقرير يشير إلى ظهور شكل جديد من أشكال العنف وهو منع النساء من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية.”

"ويقدر معدل الفقر في أفغانستان بنحو 36 بالمئة من إجمالي عدد السكان – على الرغم من تفاوته من مستوى منخفض نسبيا يصل إلى 29 بالمئة في المناطق الحضرية إلى نحو 36 بالمئة في المناطق الريفية و54 بالمئة بين البدو أو الكوتشي في البلاد."

والتقرير الثاني يفصل تاريخ حركة طالبان وكيف نشأت ومن أين جاء تمويلها، وإليكم التقرير كاملا كما نشر على موقع بي بي سي في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2014

وصلنا إلى مقر الرئيس الأفغاني السابق كرزاي. ودّعت سائق سيارة الأجرة، ألقيت نظرة أخيرة على الصندل الصغير، ودلفت إلى مقر اللقاء. أتممنا استعداداتنا، وفي عقلي عزمٌ على تغيير ترتيب الأسئلة. حدث ماكان يحدث في زمني مع برنامجي القديم نقطة حوار، غيّر أبطال القصص الخبرية الحقيقيون مسار العمل الصحفي. المواطنون على الأرض، المدنيون الذين يدفعون الأثمان ونعمل من أجلهم. الذين نواجه الساسه والخبراء والمحنكين المدربين على الحديث للصحافة والصحفيين، الذين نتحدث بلسانهم ونكون صوتهم ولسان حالهم.

جلست أمام الرئيس السابق كرزاي، والحق كان مهذبا وهادئا، مدربا ومحنكا. وعلى الرغم من أنه أدلى لبلا قيود بتصريحات شديدة الأهمية عن كونه من المجاهدين الأفغان، وعدم اعتداده بالقاعدة خطرا كانت على أفغانستان يوما. لكنني أعتقد أنه كان ينتظر مني أن أبادئه بسؤال بالفعل كنت أنتوي أن أبدأ به، سؤال عن طالبان. لكني بسبب الصندل الصغير ورائحة البخور، بسبب المواطن سين أو صاد أو عين. بادءت الرئيس كرزاي بالسؤال في بلا قيود، الذي يأتيكم يوم الأحد في الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش : السيد الرئيس: هل تعتبرون أفغانستان دولة فاشلة؟

المزيد حول هذه القصة