الفشل في جنيف ... عرض مستمر

تتعلق عيون السوريين - وبالسوريين أقصد المدنيين، الملايين الذين شردتهم حرب لم يعد أحدنا يعلم مداها، لا أين بدأت، ولا لاعبيها.. على وجه الدقة من حيث ملامحهم، مصالحهم، ممولوهم، داعموهم، أدواتهم، وصولا إلى متى أو أين أو كيف ستُكتب لها نهاية- تتعلق عيون هذه الملايين بمفاوضات سموها في أروقة منظمة الأمم المتحدة جنيف. نصت على التئامها القرارات، وأُلزمت بها الأطراف.

والتأمت هذه الجنيف، على أمل حل أو شبه حل. لكن الواقع كان سريعا حاسما. فالميدان دائما يوازي المفاوضات. والوفدان لا يلتقيان.

البداية كانت في منتصف٢٠١١، بعد شوط من بدء الحراك الشعبي في سوريا كما كان الحال في تونس ومصر وليبيا والبحرين. بعد تحول هذا الحراك إلى اقتتال مسلح، تردد أن وساطات إقليمية فلسطينية وسورية توصلت إلى صيغة مقترح بعقد مؤتمر دعمته الأمم المتحدة، على أن ينعقد في جنيف لإنهاء الاقتتال في سوريا ووقف “ممارسات النظام” من خلال الجمع بين الحكومة والمعارضة لمناقشة إمكانية تشكيل حكومة انتقالية في سوريا مع صلاحيات تنفيذية كاملة.

الأدوار الأساسية كما تناقلنا كصحفيين آنذاك كانت لمبعوث الأمم المتحدة للسلام في سوريا الأخضر الإبراهيمي والرئيس الفلسطينى محمود عباس عبر وسيطه نضال السبع الذي كان وراء إعداد ورقة النقاط الست، التي تطورت فيما بعد لثمان نقاط. روسيا لم تغب عن هذا المشهد.

هكذا بدأت جنيف وتسلسُلِ أحداثها مع تداعيات المشهد الميداني في سوريا. هل يتذكر أحد هذه الوقائع؟ هل يهتم بها أحد؟ اللهم إلا نفر قليل؟ لا أظن.

الآن وعلى قسوة ماستلاقون، أسألكم أن تذهبوا لو سمحتم إلى محرك البحث جوجل وأن تطبعوا في خانة البحث عبارة “ فشل جولة محادثات جنيف”. فقط هذه العبارة.. لايهم أي جولة، ولا يهم أي تفاصيل أخرى.. فقط هذه العبارة، وستجدون عشرات الروابط على مدار السنوات الخمس الماضية.. على كل المواقع من مختلف وجهات النظر.. كلٌ كما يحلو له أن يصور من وجهة نظر الطرف السياسي الذي يمثله في السر وفي العلن إلا الموضوعي المستقل من وسائل النشر بالتأكيد. كل الأطراف تنحي باللائمة على الآخر ولسنا ولست في محل التحكيم أو في موقع يسمح لي بالتقييم هنا. فقط أضع نفسي كالعادة في موقع من أنا لسان حاله، في موقع المواطن. ترى كيف يفكر أو تفكر المواطن والمواطنة السورية اللائي لم يكونوا قبل ٢٠١١ يهتمون بالساسة ولا بالسياسة؟ أين هم الآن؟ كيف سيقرأون ما يلي؟

فبراير ٢٠١٤:

فشل جولة “جنيف٢“ وموسكو تتهم داعمي المعارضة بالسعي لإسقاط النظام

والأطراف تنتظر جنيف ٣

حينها اتهمت موسكو مؤيدي المعارضة السورية بالسعي إلى تغيير النظام من خلال حصر مفاوضات ”جنيف ٢” في مسألة هيئة الحكم الانتقالي، محذرة من محاولات تغيير مجرى المحادثات عن مسار الحل السياسي الذي بنيت عليه، كما حملّت روسيا الأطراف الداعمة للمعارضة مسؤولية فشل الحوار السوري، فيما أشارت أطراف من المعارضة إلى جولة ثالثة من المفاوضات.

رد عليه دون توانِِ المتحدث باسم وفد المعارضة السورية والعضو في وفدها التفاوضي لؤي صافي قائلا إن المعارضة تطالب بموقف دولي قوي وواضح ضد “تنصل” النظام من موافقته علىجنيفواحد، مشيرا إلى أن النظام يريد عرقلة وإفشال المفاوضات ويصّر على تهميش الحل السياسي.

فبراير ٢٠١٦:

أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا أن فشل مفاوضات جنيف ٣ حول تسوية الأزمة السورية سيؤدي إلى اندثار الآمال الأخيرة في حل النزاع . وفي مقابلة مع قناة "RTS" السويسرية، قال دي ميستورا إن "هناك دائما احتمال حصول فشل، لا سيما بعد مرور خمسة أعوام على الحرب المروعة.. لكن إذا فشلت المفاوضات هذه المرة، بعد انعقاد مؤتمرين في جنيف، لن يعد هناك أمل لسوريا”.

مارس ٢٠١٦ :

ملاسنة قاسية، رسمت الجولة قبل أن تبدأ. شروط رئيس الوفد الحكومي بشار الجعفري ، مطالبا كبير مفاوضي وفد الهيئة العليا للتفاوض المنبثقة عن مؤتمر الرياض محمد علوش بالاعتذار عما سماه الجعفري “تطاولا” على الأسد حين قال “ إن المرحلة الانتقالية تبدأ برحيل الاسد أو موته”، واتهامه بأنه إرهابي، ينتمي إلى فصيل إرهابي، في إشارة طبعا إلى“جيش الإسلام”، ثم رفض علوش الاعتذار ورده بأن“النظام السوري يتهم 15 مليون سوري بالإرهاب”. هذه الملاسنة نسفت آمال المعلقين بأمل الحل الكامن في جنيف.. بدت احتمالات الانسحاب أكثر واقعية.. ومهمة دي ميستورا شبه مستحيلة.

آثرت أن أصيغ الفقرات السابقة بنفسي بتجميع العبارات وتنقيحها وبصياغة صحفية ذاتية من الكثير من المواقع الصحفية، لضمان الدقة والموضوعية والبعد عن الميل تجاه أي طرف سياسي.

في ضوء الفشل المتتالي لجنيف جولة تلو الأخرى، ضيفي في بلا قيود هذا الأسبوع هو كبير المفاوضين المستقيل عن وفد المعارضة المنبثق عن مؤتمر الرياض، الذي يبارزه منتقدوه بكبير مفاوضي وفد معارضة السعودية، في مقابل وفد آخر يتلاسن المعارضون لهم بنعتهم بوفد موسكو وثالث بمعارضة القاهرة. سألته عن ذلك الوصف وعن تسميته كبيرا للمفاوضين “فجأة” كما يذهب معارضوه أيضا. ماعلاقة روسيا باستقالته؟ هل ضغطت ليستقيل؟ وهل فرضته السعودية من الأساس؟ ضيف في بلا قيود هذا الأسبوع هو محمد علوش.

بلا قيود الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية.