صحافة المواطن .. تعظيم سلام!

اعتراف.

نحن، الصحافة التقليدية.. ليس لدينا جوازات مرور لكل الأمكنة..

نعجز أحيانا..

تعيينا الحجج والوسائل للوصول.. تعرقلنا الحكومات والظروف والأمور الواقعة.. تحبطنا الأذون والأوراق والحجج المُخترعة المُختلقة أحيانا لطمس عين الحقيقة عما يجري..

أحيانا.. تذُر في أعيننا كصحفيين أتربة الأنظمة والأفراد وذوي القوة والنفوذ كي لا ترون أنتم بأعيينا ما لا يراد لنا ولكم ما ينبغي أن يُرى..

الفظائع والمروِّعات وما ينبغي أن يُحاسَب عليه مقترفوه..

ذات يوم كتب جورج أورويل - الصحفي والروائي البريطاني عبارته الأثيرة المخلدة: “ الصحافة هي طباعة ما لا يريد أحدهم له أن يُطبع. كل ما عدا ذلك يدخل في خانة العلاقات العامة”.

أورويل يعد من المقاتلين في مضمار استحضار العدالة الاجتماعية الغائبة ومعارضة الحكم الشمولي والمبشرين بالاشتراكية الديمقراطية في زمنه.

ولا أخفيكم أنني أبدا لم ولن أفقد إيماني بهذه العبارة..

ولأننا كصحافة تقليدية - مجازا إذا صح التعبير، لأننا نخرج رويدا رويدا من هذا المفهوم ونطور من هذا النمط كمؤسسة وكأفراد- مازلنا نقف أحيانا على حدود الأماكن الرهيبة المغلقة في وجوهنا. نحاول كشف ما يجري فيها والوصول إلى المدنيين باستماتة، متيقظين لما يراد بهم غالبا حين تُغلق الأبواب والحدود في وجه الصحافة، يبقى لنا أمل وحيد، لم يخذلنا أبدا، بل تفوق أحيانا على كل ما عداه من حيث أمران: السرعة، والجرأة - صحافة المواطن.

من باب الطرافة، شخصيا أظن أن صحافة المواطنين شكل من أشكال الاشتراكية المحمودة، فالمواطن في ذلك المجهود حر وطرف ومستفيد وصاحب ملك وفاعل ومسؤول وموظف. هو ملتزم أخلاقيا، وما يغرسه سيجنيه. متطوع ومُلزم.

للمفاجأة وجدت في بحثي المتواضع عن أصول صحافة المواطن لكتابة هذا المقال مبحثا جيدا على موقع ويكيبيديا يعزز ما أقول، هاكم رابط له، يفرد مساحة عن أصول وتاريخ صحافة المواطن منذ حقبة الثمانينيات.

أعتقد شخصيا من متابعتي كصحفية محترفة أن صحافة المواطن لمعت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول، إذ قام مئات المواطنين الأمريكيين بإعادة بث ونشر المواد التي صوروها وتناقلوها هم أنفسهم، وكذلك رسائلهم عن شهاداتهم عما جرى آنذلك، من ثم نُقلت عنهم على وسائل الإعلام ومنها لمواطنين آخرين في العالم وهكذا. انتشرت الرسائل والمقاطع الصوتية والمرئية مجمعة تجميعا رقميا على وسائل الإعلام التقليدية آنذاك ، فيما سمي “التجميع الرقمي غير المبرمج سلفاً”. وكان في ذلك بداية ظاهرة «صحافة المواطن الإلكترونيّة».

مرت صحافة المواطن والصحافة “التشاركية” و “الديمقراطية” وصحافة “البلوجرز” وغيرها من أسماء تطورت بتطور ال ‘ format ‘

حتى وصلنا لعام ٢٠١١. انفجرت منطقة الشرق الأوسط بالحراك المجتمعي الصاخب الذي ماج بغضب شعبي أفضى لما اصطُلح عليه ب”الربيع العربي”، وأزهرت “صحافة المواطن” في كل بلد شهدت ثورة أو إرهاصات حراك.

في تونس ومصر وليبيا والبحرين وسوريا والسعودية وفلسطين وغيرها، لمع المواطنون أنفسهم على كل وسيلة للتواصل، تفوقوا. سبقونا أحيانا. واستفدنا منهم. بعد حين اكتشفنا وإياهم أنه يمكننا التعاون، استفادوا من أرضيتنا فأرسلوا موادهم إلينا متبرعين واستفدنا من انتشارهم وسرعتهم في الوصول إلى كل شبر على الأرض، فوضعنا القواعد للتحقق من الصور ومقاطع الفيديو. شكلنا فرقا من الخبراء مهمتها تبيان الحقيقي من عدمه. وتفاعل الطرفان ليتغير شكل الإعلام للأبد.

كان هناك بالطبع هامش للخطأ، واختلط أحيانا الغث بالثمين، والكذب بالحقيقي. لكن صحافة المواطن بقيت تدخلنا إلى عوالم لم نكن أبدا لنتكمن من دخولها من دون مساعدتهم.

تحول المواطنون بالوقت والتآلف مع الخطر إلى صحفيين شبه محترفين. بعضهم طاله الأذى في مصر وغزة وسوريا والعراق برغم نصائحنا - شديدة اللهجة أحيانا- ولعظيم حزننا بعضهم قضى إلى جانب زملائنا المحترفين بأيادي أنظمة وميليشيات وجماعات متطرفة. بعضهم سجن، بعضهم خُطف قسريا، بعضهم هُدد بكل ذلك، وكثيرون نجوا. لم تكن جهات عدة تريد لهم أن يكشفوها. فهم خطر، مثلهم مثل الصحفيين والإصلاحيين والحقوقيين، أصوات دالة كاشفة.

من كل هذا المشهد الكبير، ومن بين كل هؤلاء المواطنين، ستة شباب. نشطاء هم. من محافظة الرقة في سوريا، قرروا إطلاق موقع إلكتروني لتوثيق “الانتهاكات” التي يقولون إن تنظيم مايسمى الدولة الإسلامية يرتكبها بحق الأهالي والمدنيين بعد سيطرته على المدينة، وانقطاع أخبارها عنا لمايشبه في تلك اللحظة استحالة دخولها، أو وصول قليل من زملائنا المراسلين تحت التخفي وتحت عظيم الخطر، في عام 2014. سموا حملتهم الإلكترونية "الرقة تُذبح في صمت”.

طبعا التنظيم لم يتركهم ولا تركنا نساعدهم. لاحقهم، قتل بعضهم، وذبح من اشتبه في عمله معهم. ذبح أحد مؤسسي الحملة في تركيا. لكنهم لم يتوقفوا، استمروا، واستمر كل الإعلام التقليدي والصحافة الحرة يدعمهم، خرجت الرقة إلى النور، وحصل الشباب على جائزة حرية الصحافة العالمية CPJ في نوفمبر- تشرين الثاني 2015. أصبحوا هم - وهم وحدهم تقريبا - صوت الرقة، والوسيلة الإعلامية التي توثق الأحداث من هناك.

أحد هؤلاء الشباب المؤسسين ل”الرقة تذبح في صمت” - حسام عيسى ليس صامتا أبدا أمامي. يتحدث في “بلا قيود” عن الرقة وما صابها، وعن المواطن حين يصبح ناشطا صحفيا، عن التدريب والتخفي، ولماذا يتفوق الصحفي المواطن في مواجهة الترهيب من الأنظمة والتطرف على حد سواء. عن عدسة الكاميرا وسن القلم.

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية