"ربيع" البطريرك

للربيع العربي ثلاث صيغ تختلف باختلاف موقعك منها سيدتي القارئة وسيدي القارئ. فهو بالنسبة لك: ١. إما حلم واعد، ممكن وحقيقي ولا يزال في طور الممكن، وإن أصبح عسير المنال، أو: ٢. هو مشروع تآمري جيوسياسي اجتمعت عليه قوى غامضة أو معلومة بالتكشف خططت لتنفيذه ولا تزال فاعلة، أو ٣. أنه نظرية عفوية أو مخطط لها تدخل في إطار فلسفي قد تكون نتاج نظريات النشوء والارتقاء، لها عرابون ومنظرون وليست في موضع التقييم الأخلاقي وإنما فكرة لها مسار وأبعاد فكرية بحتة، للتاريخ كلمة فيها سيقولها في النهاية.

بحسب موقعك يكون حكمك. وبحسب تأثير ذلك “الربيع” على حياتك ستنظر إلى ما يخصك في هذا المقال التحليلي المتواضع.

دون تصنيف الدول التي زارها هذا الربيع، فقد قمت بذلك سابقا في مقالات عدة من بينها:

الفشل في جنيف.. عرض مستمر صحافة المواطن.. تعظيم سلام قوائم بان السوداء الطائفية وأخلاقيات الصحافة “ #تيران_وصنافير_مصرية ”

دون عين التصنيف الجيوسياسي، فأنت سيدي في هذه الدول تحولت خلال الأعوام الخمس السابقة إلى: إما مواطن سقط في وطنه نظام أو عدة أنظمة، نجحت أو أخفقت في إحداث تغيير إيجابي، أو لاجيء أو نازح فر من اقتتال داخلي أودى لا سمح الله بحياة من يحب وأتى على الأخضر واليابس، أو تُقاتل ماديا أو معنويا أنت نفسك من أجل ما تراه قضية عادلة، أو للتخلص من نظام لا يزال قائما وتراه غير أخلاقي، أو للدفاع عن نظام في معركة بقاء تراها الأخلاق بعينها ضد ما تعتبره قوى دخيلة أو قوات مرتزقة أتت لتخرب وطنك كما ترى، وتقسم أنها مأجورة من قوى أو دول تتآمر على ذلك الوطن الذي كان، وتريد له أن يبقى أو يعود، أو أنك تحمد الله أنه ليس كجواره من أوطان وترى أنه صمد أو عاد كما كان ينبغي أن يكون وتعافى مما تراه وبالا جاءه باسم ذلك الربيع وأنقذته ماديا، سياسيا، أو عسكريا: إما قوى إقليمية أخرى أو قوى داخلية ممثلة في مؤسسات وطنية أو كيانات سياسية، أو أنك مواطن لا دخل لك بالسياسة ولا تحبها وتريد لكل ما حل بالمنطقة أن يهدأ وتعود حياة الناس البسيطة لماكان الوضع عليه، أو أنك على العكس أصبحت في خضم هذا الربيع تائقا لما تؤمن به عيشا كريما وأمنا ، وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية، بتّ مواطنا مسيسا أو ممارسا لحقوقك السياسية والاجتماعية والاقتصادية تقرأها وتستذكرها ونمَت لك فيها مدارك وآفاق وترى في نفسك مدافعا عن حقوقك، بل وناشطا في درء ما تراه المفاسد والقمع عن نفسك وعن مواطنيك وذويك ومستعدا لدفع الثمن ضد أنظمة أو أضداد أو “دولة عميقة” أو حتى قوى إقليمية تدفع ضد هذا التغيير، إلى آخره. الشاهد أن التغيير قد جاء قبل خمسة أعوام وأن ما وقع قد كان وأنه لا عودة لما قبل ٢٠١١.

نظرية النعامة

في الأمثال الغربية نظرية طريفة، تقول إن طائر النعامة يعتقد أنه بدفنه رأسه في الرمال وبما أنه لا يراك بهذا فلن تستطيع رؤيته “If I can’t see you, you can’t see me” ، متناسيا أن بقية جسده الضخم خارج الرمال ويستحيل تقريبا تجاهله أو التعامي عنه!

هذه النظرية البسيطة يمكن تطبيقها على آثار الربيع العربي أيضا، كل شيء تغير. بالتالي لا يمكنك أن تتجاهل الحدث بمجرد أن تتظاهر بأن كل شيء على ما يرام أو يحاول طرف أو جهة ما إقناعك بهذا على نمط الستينيات; إما أن كل شيء بخير طالما الستارة الحديدة مغلقة، أو إن الجميع يتآمر ضدنا وينبغي أن ننغلق عنهم كلهم. بالتالي عمليا يستحيل اختزال القضية في كلمة واحدة: مؤامرة، عراب، حرب، مظاهرة، خطة، حلم، تمويل، خيانة، عمالة، أجندة، أو أي من الكلمات والتوصيفات التي خرجت تسم أو توصم نظريات الربيع العربي طوال الأعوام الخمس الماضية. القضية أعقد من كلمة فريدة، واختزالها تبسيط مُخلّ.

الحقائق الوحيدة الثابتة في الأعوام الماضية هي الأرقام; الحروب والقتلى والاعتقالات والإخفاءات القسرية واللجوء والنزوح. الاختزال هنا - لو يليق - حقيقة موثقة عن معاناة وهزائم وانتصارات الإنسان الصغيرة والكبيرة وسط هذا الربيع أو الحراك أو سموه ما شئتم. الأرقام والإحصاءات التي لا يمكن تجاهلها أو إنكارها. تقارير الجهات غير المسيسة، غير المحسوبة على أطراف ذات مصالح، غير مدفوعة الأجر، تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية التي لا تريد لذلك الربيع ازدهارا ولا أفولا.

كتائب الحقوقيين والإغاثيين والطوعيين الذين رصدوا حياتهم لهذه الأعوام الخمس ومازالوا، متهمين ومطاردين ومكبلين وضحايا أحيانا، قضى منهم من قضى وبقى منهم الكثير، يوثقون ما سيبقى بالتأكيد، فالتاريخ لا يموت. يبقون هم ونبقى نحن - الصحفيون المهنيون، كما قلت سابقا لحسن الحظ أو سوئه نحفظ التاريخ للمؤرخين فيما بعد يسطرون رواياته العديدة، ويحفرون الرؤى للمستقبل.

التاريخ لا يموت

لا لا يموت. الربيع قد يشيب، بل قد يرى بعض أو كثير - إذ لا وسيلة علمية لقياس الرأي العام في هذه الحالة - أن الربيع في حالتنا هذه قد خط الشيب مفرقه بالفعل في عدد من بقاعه في المنطقة، بل وتحول إلى ما لا يطيب. فإحصاءات القتل والتهجير واللجوء والقمع والإخفاء القسري تملأ دفاتر وأوراق المنظمات الحقوقية والإغاثية والأممية، ومحركات البحث تحتاج فقط ضربة إبهام وسبابتين. لكن كثيرين أو قليلين أيضا يرون أن ذات الربيع لا يزال مأمولا وفتيا، وأن القضية برمتها ليست مؤامرة وأبدا لم تكن، وأن دورة التاريخ في طور شبابها لا تزال.

اليوم في بلا قيود، أحاور من يراه الفريق الثاني وبعض الثالث عراب الربيع العربي بصيغته الدموية العسكرية، الفيلسوف كما يرى نفسه ويراه معجبوه، صانع الأفلام الفرنسي برنار هنري ليفي، عن نظرياته التي يصفها هو بالنبيلة :الحرب في سبيل السلام ويصفها كثيرون أو قليلون بالدموية والتخريبية، هل لحقته الحرب أينما ذهب حقا؟ ما مفهومه عن التدخل الاستعماري؟ ما تقييمه لممارسات إسرائيل ولماذا يستثنيها من انتقاداته للممارسات غير الأخلاقية المستوجبة للتدخل العسكري، والتي طالما أمطر بها أنظمة في المنطقة؟ لماذا أقنع - كما يقول - ساركوزي بالتدخل عسكريا في ليبيا؟ وماذا كانت النتيجة؟ هل تعجبه نتيجة الحرب الدولية على تنظيم الدولة؟ هل درأت خطر التنظيم عن أوروبا والولايات المتحدة؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية

المزيد حول هذه القصة