التدوينة الأخيرة

"ليست ثمة نهايات. إذا كان هذا ظنك فقد خُدعت. هي دائما بدايات.. هذه إحداها”

هكذا تقول الأديبة البريطانية هيلاري مانتل، وهكذا ألوذ بفلسفة الأدباء وأنا أدوّن عن آخر حلقة أقدمها من برنامج بتوقيت مصر.

سأعود إلى ذلك بعد قليل ولكن أولا:

تأتي حلقتي الأخيرة والعيد على الأبواب - كل عام وأنتم بألف خير. يطلق المصريون على العيد الكبير اسم “عيد اللحمة” تفكهاً، وعن نفسي فقد اتجهت مؤخرا لنظام غذائي يقصي اللحوم الحمراء من قائمة الطعام تماما ويقلص بدرجة كبيرة من الدواجن والأسماك. لذلك فالعيد بالنسبة لي قد يعني أمورا كثيرة ليس من بينها الفرصة لأكل اللحم.

ومع ذلك فيقلقني بكل تأكيد ما يثار من حين لآخر عن سلامة اللحوم المطروحة في السوق المصرية، لا سيما ما يثار من حين لآخر عن “اللحوم المُهَرمَنة” أو المحقونة بهرمونات ضارة للإنسان من أجل تسمينها بشكل خارق للطبيعي. نناقش الموضوع في حلقتنا ونترك للمشاهد الحكم.

وإلى هذه الرسالة التي تلقيتها من مُشاهد حثيث والتي لا يسعني إلا نقلها إليكم هنا - ليس نصاً فقد شابتها هفواتٌ تداركتها. تتضمن الرسالة إضاءات هامة على أداء البرلمان في دور انعقاده الأول وتعكس وعياً سياسياً رفيعاً سيما وأن كاتبها عرّف نفسه بـ “مواطن عادي”

يقول مواطننا العادي بعد التحية:

سؤال بسيط أرجو أن تجيبي عليه: ماذا فعل البرلمان في مواجهة أزمة الدولار وفساد الصوامع وهشام جنينة وتيران وصنافير؟؟ ماذا اقترح من قوانين على الحكومة؟ هو فقط ينتظر ما ترسله الحكومة له! وماذا يفعل النواب ونحن لا نرى الجلسات على التلفزيون؟ ما أدراني إن كان نائب دائرتي نائماً أم حاضراً أم غائباً.. وإن كان رافضاً أم موافقاً؟

بطبيعة الحال فإن دوري كمقدمة البرنامج لا يتضمن الإجابة عن تلك الأسئلة رغم وجاهتها، فبالتالي آثرت طرحها على الرجل المناسب: النائب سليمان وهدان هو وكيل مجلس النواب وقد زارنا في الاستوديو وقدم إجاباته في فقرة تعد حصاداً لأداء البرلمان في الدور الأول. هو - كما قد تتوقعون - لا يرى المجلس ضعيفاً ولا باهتاً بل العكس. ولكن ما هي حججه؟ ستتعرفون عليها في ثنايا الحلقة.

وفي الحلقة الأخيرة لي أيضاً تقرير مطول للزميل علي جمال الدين عن زواج القاصرات في صعيد مصر. ولكل من يشكك في أن هناك في عام ألفين وستة عشر من يزوّج - ويتزوج - طفلة قد لا يتعدى عمرها الثانية عشرة إن لم يكن أقل، فقد شهد زميلنا علي بنفسه عقد قران طفلة في قرية صعيدية، وهو يوثق كل ما رصده بالصوت والصورة. تقرير متميز من زميل متميز وحائز على جوائز صحفية، كان تقريره مسك الختام لرحلتي مع البرنامج.

عود على بدء إذن، وبضعة سطور عن “الختام”

ليس ممكناً أن أغادر برنامجاً كهذا دون خطوة للوراء لتأمل محطات رئيسية في الرحلة، من مقابلاتي المتعددة مع عبد المنعم أبو الفتوح وباسم يوسف ووزراء الثقافة والتخطيط والهجرة وعمرو حمزاوي ويوسف الحسيني ومحمد رمضان ويسري نصر الله وصلاح دياب وغيرهم كثيرون،

إلى محاولتي التي باءت بالفشل للتزلج بالپاتيناچ وإحرازي هدفا مفبركاً بامتياز في مرمى منتخب مصر النسائي لكرة القدم وممارستي لكرة المكفوفين التي تُعصب فيها العينان وتصير الأذن النافذة الوحيدة، وتجربتي في الرسم على الخزف مع متدربات قرويات بمدرسة تديرها سويسرية متمصّرة، وزيارتي لأسرة تقيم إقامة كاملة في قارب صيد بأغلى بقعة في القاهرة - نيل العجوزة لا أقل.

تلك اللحظات بعد انتهاء التسجيل التي يتواصل فيها النقاش بين الضيوف ويحتدم وهم ما بين واقفٍ وجالس، والتي تمتد لدقائق وأكثر إن وُجد المجال، في ترسيخ لقانون مصري أصيل يقضي بأن تصل لذة الكلام ذروتها على السلم، وبأن تعقب الزيارة الأصلية في الصالون زيارةٌ كاملة ثانية على باب البيت..

فقرة وراء فقرة تمر الآن بذاكرتي فأتذكر الضحكات والقفشات والطُرفات وأعتصر ذهني لتذكر المشقة والجهد والانتقالات والانتظارات فلا أكاد أفعل.

قدمت نحو ثلاث وثلاثين حلقةً من بتوقيت مصر فكانت تجربة ثرية على أكثر من مستوى، زرت أماكن في بلدي لم أكن لأزورها من تلقاء نفسي، وتحدثت مع أناس بدرجات الطيف.

أردت أن أقول بضع كلمات في نهاية الحلقة لأودع فيها الجمهور وفريق العمل فغلبتني المشاعر وأرجو أن تكون سنوات من مخاطبة الكاميرا قد أعانتني على إخفاء ذلك.

وأعود فأقتبس:

"ليست ثمة نهايات. إذا كان هذا ظنك فقد خُدعت. هي دائما بدايات.. هذه إحداها”

كنت قد عنونت تدوينتي الأولى بعيد انضمامي للبرنامج: “العودة إلى بي بي سي.. العودة إلى المستقبل”

وأنا الآن أعود إلى المستقبل من جديد. سألقاكم مجددا مشاهديّ الأعزاء، عبر بي بي سي العربية لا زلت، ولكن عبر الحبيب الأول: الأخبار

أرجو لكل منكم بداية جديدة سعيدة، وعيداً مباركاً.. ومشاهدة ممتعة لحلقة هذا الأسبوع من بتوقيت مصر!

المزيد حول هذه القصة