يعيشك..

أن تكون مواطنا لبلد انطلقت فيه تظاهرات الربيع العربي الأولى.. هذه مسؤولية.

أن تحمل على كتفيك عبء نجاح ثورة اختارت منذ اليوم الأول أن تتماهي في حركة شعبوية أبت ألا تكون سلمية.. هذه مسؤولية.

أن يتحول بلدك لقبلة تحتذى ويناضل للإجابة على أسئلة التمكين الشعبي ، فصل الدين عن السياسية، النهوض بمبادئ حقوق الإنسان التي اختارتها الثورة قبلة.. هذه مسؤولية.

أن تعيش في وطن تفاصيل علمانيته حاضرة في السياسة والمجتمع والفن والقانون.. هذه مسؤولية.

أن يحرك شارعَك اتحادٌ نقابي عتيد للشغل، لأكثر من خمسة أعوام.. هذه مسؤولية.

أن يحاول المشرعون في بلدك فصل القوانين ومفاهيم “الإرهاب” عن مباديء حقوق الإنسان الأساسية - حتى مع بعض “الأخطاء” والإخفاقات والشوارد.. هذه مسؤولية.

أن يخوض الإسلام السياسي في بلدك معترك الديمقراطية غالبا ومغلوبا، وتتفاعل مع المعترك الانتخابي لأكثر من مرة بإرادتك الواعية بعد الإطاحة بنظام عتيد.. هذه مسؤولية.

أن تكون تونسيا في منطقة مزقت آمالَ التغيير ظلالٌ لأنظمة قديمة مستميتة في إعادة تشكيل هوياتها ومكنون قوتها.. ونجحت أو أخفقت لكن تداخلات سطوتها وشبكاتها وداعميها من اللاعبين الإقليميين خلطت الحابل بالنابل، وتماهت تحت ثقلها الخطوط الواضحة، في درجات أساسها ثورة واضحة الأسباب، والمكونات والمآرب.. هذه حقا مسؤولية.

أن تكون هذا المواطن الذي تفاعل وتأثر وعمل واحتج وصوت في كل هذه الظروف سيدي المواطن التونسي.. فأفئدة كثيرة وعقول أكثر في منطقتنا تدعو لك ولوطنك من دون تكليف: يعيشك!

يحاول تونس الوصول. ينجح كثيرا ويخفق بحسب عدة مراقبين اقتصاديين وسياسيية أحيانا.

مؤخرا أضيف تحد جديد لقائمة التعقيدات المحيطة بتونس تحديدا، وبالمنطقة عموما. تحد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية، والربط بينه وبين العمليات التي نُفذت في متحف باردو وسوسة وغيرهما.

قبل عدة أشهر حاورت وزير العدل التونسي السابق محمد صالح بن عيسى، قبل أن يغادر منصبه بأسبوعين. صوبت سهام أسئلتي عن التشريعات الجديدة المشددة لمحاربة “الإرهاب”، وكان مصمما على أن القوانين - على الرغم من عدم طرحها للحوار المجتمعي وهي نقطة اختلف معي بشأنها - تلتزم بالمعايير العالمية والاتفاقات التي ألزمت تونس نفسها بالتوقيع على اتفاقياتها الدولية. كذلك عن ظروف منظومة السجون في تونس، وعلاقتها - طرديا كان أو عكسيا - بتفريخ خلايا الإرهاب واستقطاب العناصر الحبيسة نحو سلوك أكثر عنفا تجاه المجتمع.

في شهر مارس آذار من عامنا الجاري صرح وزير الدفاع في الحكومتين السابقة والآنية فرحات الحرشاني بأن تونس نجحت في دحر الأرهاب، وأطلع أعضاء مجلس النواب على “تقدم القوات ومشروعه الساتر الترابي “ في تحقيق هذا النجاح. سبقه إلى الإحصاء الأمم المتحدة، التي قدرت في تقرير واحد على الأقل صوب نهاية العام الماضي عدد التونسيين الذي انضموا للتنظيم في سوريا والعراق ومواقع أخرى بثمانية آلاف، أربعة آلاف منهم في سوريا وحدها.

اللافت الذي رصدت أن السيد الحرشاني عاد وصرح نهاية ذات الشهر بأن “حرب تونس على الإرهاب” لم تنته وخطرها متواصل رغم ما وصفه بالنجاحات الأخيرة. ثم مرة ثالثة الشهر الجاري بأن حوالي ألف تونسي انضموا إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، ما يعزز من جدوى وضرورة مشروعه - الساتر الترابي - على الحدود بين البلدين.

في بلا قيود لهذا الأسبوع أسأل وزير الدفاع التونسي فرحات الحرشاني عن العمليات العسكرية في مواجهة التنظيم في تونس وعلى حدودها. لماذا يعول على تغيير تضاريس الحدود مع ليبيا للحفاظ على أمن بلاده؟ وبالأخص أن تونس تعد حسب وجهة نظر البعض مصدراً للمتشددين في التنظيمات المسلحة على اختلاف اشكالها؟ لماذا يشكك بالأرقام التي تحدثت عن عدة آلاف من الجهاديين التونسيين الذين غادروا بلادهم إلى مناطق النزاع كسوريا والعراق وليبيا؟

بلا قيود الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية.

المزيد حول هذه القصة