شايفنكم!

أستعير لمقالي عنوانا مستوحىً من الاسم المشهر لحركة مصرية مستقلة تأسست في عام ٢٠٠٥ بجموعة من الشخصيات غير المسيسة، بهدف مراقبة أول انتخابات رئاسية متعددة المرشحين في مصر آنذاك.

اللافت أن تلك الحركة اجتذبت خمسة آلاف منضم لها خلال شهر واحد في بداية تشكيلها وإطلاق موقعها الإلكتروني، جميعهم عملوا كمتطوعين فاعلين في مراقبة انتخابات مجلس الشعب في ذلك العام.

اخترت اسمها عنوانا لمقالي لسببين عمليين: أولهما أن حوارا مطولا دار بيني وبين إحدى مؤسساتها قبل عدة أيام في لقاء غير رسمي ما جعلني أعود لأوراقي باحثة عن أصول الحركة وجذور المبادرة. ثانيهما لأتحقق مما يمكن لمبادرة وطنية يقوم على تشكيلها والعمل الطوعي بها أفراد ليس من حزب واحد يجمعهم، ولا من جهة ذات غرض سياسي ولا ربحي تمولهم، أن تحقق في وقت قياسي. وقد ثبت ما رحت أبحث عنه ثبوتا دلائليا لا اختلاف عليه: ألف متطوع مبدئيا كشفوا آنذاك نحو٤٢٦٠ مخالفة قدمتها حركة “شايفنكم” إلى اللجنة العليا للانتخابات، والتي قالت الحركة فيما بعد إنها - أي اللجنة - رفضت تشكيل لجنة تحقيق لفحص هذه المخالفات، إلا أن نادي القضاة شكل لجنة للتحقيق في “المخالفات”، على الرغم مما قالت الحركة إن مضايقات وضغوط فُرضت أثناء عمل اللجنة على عدد من أعضائها.

في مبحث عن عمل وإنجازات “شايفنكم”، تنسب الحركة لنفسها على أكثر من وسيلة للنشر: “ شاركت شايفنكم العديد من الحركات لكشف الفساد ومحاربته حيث وقفت شايفنكم جنباً إلي جنب مع القضاة وساندتهم في تظاهرتهم في٢٥ مايو٢٠٠٦وكان لها دور قوى في مساندة” تيار استقلال القضاء" من أجل إصدار قانون السلطة القضائية الذي ظل قضاة يحلمون بصدوره سنوات طويلة. وواصلت شايفنكم كفاحها ضد الفساد وقامت بالتعاون مع حركات "كفاية و٩ مارس و شباب حزب الغد والنقابات العمالية" برفع دعوي على رئيس الجمهورية آنذاك محمد حسني مبارك لنشر وتطبيق اتفاقية محاربة الفساد، ونجحت الحركة وتوجت جهودها بنشر الاتفاقية بالفعل عام٢٠٠٧.”

لم أجد ردا مباشرا من مصادر حكومية إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك أو الرئاسات اللاحقة تفند بشكل مباشر روايات الحركة، إلا في متفرقات عن صحة ما توصلت إليه “شايفنكم” من “خروقات” شابت سير العملية الانتخابية في ٢٠٠٥ وقد أُثبتت تقارير الحركة والردود عليها في الصحف والمحاضر الرسمية آنذاك.

“شايفنكم” مبدءا ومنهاجا

في مصر منظمات حقوقية وأخرى للمجتمع المدني تعمل بالمبدأ نفسه منذ عقود. لكن حلقة أخيرة ترسم العمود الفقري لمقالي هذا، وتشرح لحضراتكم لب اتجاهي هذا الأسبوع. فالعمل العام في مصر وغيرها يأخذ مسارات عدة. أنتقي منها، للتركيز وليس للاختزال المخل طريقين: المجتمع المدني والمبادرات الرئاسية الفردية.

الأول لخص مساره المحامي الحقوقي جمال عيد، بتعقيبه على قرار المحكمة التحفظ على أمواله أخيرا بالقول "مستمرون في طريقنا للدفاع عن حقوق الإنسان"، وكذلك الحقوقي عبد الحفيظ طايل : "القرار مجرد بداية لسلسلة من الإجراءات القمعية بحق حركة حقوق الإنسان في مصر".

قرار المحكمة المصرية شمل التحفظ على أموال الحقوقي والصحفي الاستقصائي حسام بهجت، وجمال عيد، وبهي الدين حسن ومصطفى الحسن وعبد الحفيظ طايل وجميعهم شخصيات حقوقية بارزة أموال مراكزهم الحقوقية، وهي: “الحق في التعليم” و”هشام مبارك” و”القاهرة لدراسات حقوق الإنسان”، بينما قررت المحكمة استبعاد العائلات والعاملين بالمراكز الحقوقية من قرارات التحفظ على الأموال، في القضية رقم١٠٨ لسنة٢٠١٦ المعروفة إعلاميًا بقضية تمويل منظمات المجتمع المدني.

كان١١ حزبا ومنظمة ولجنة الحريات بنقابة الصحفيين سبق وقد طالبوا بوقف ماوصفوه باستهداف المدافعين عن حقوق الانسان، مؤكدين أن المجتمع المدني المستقل هو أساس لأي حياة ديمقراطية، ووقف كافة الإجراءات “العدائية” المتخذة ضد المنظمات الحقوقية والقائمين عليها، ومنها المنع من السفر، وكذلك إيقاف القضية١٧٣ لسنة ٢٠١١.

كما أصدرت سبع منظمات حقوقية، ورقة مشتركة بشأن القضية ١٧٣ لسنة٢٠١١ والمعروفة إعلاميًا بقضية التمويل الإجنبي، والتي يحاكم فيها عدد من الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والتي أصدر النائب العام حظرا بالنشر فيها وفقا لجريدة البداية المستقلة المصرية.

كانت بداية حلقات هذه القضية في عام ٢٠١٢ فيما عرف إعلاميا بقضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في قضية اتهم فيها القضاءالمصري٤٣ ناشطا ضمن المنظمات غير الربحية العاملة في مصر منمصروالولايات المتحدة وألمانيا والنرويج ولبنان وفلسطين بإنشاءجمعياتأهلية والحصول على تمويل أجنبي دون ترخيص.

الحقوقيون في مصر يرون في هذه الأحكام وإجراءات متعاقبة استهدافا للمجتمع المدني ودوره الرقابي الأصيل على أداء الحكومة بأجهزتها سيما الداخلية والقضاء العسكري والمدني والمجلس التشريعي والجهات التنفيذية، خاصة فيما يتعلق بالحقوق المدنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، والاتفاقات التي تمس الأمن القومي المصري من قبيل اتفاقية تيران وصنافير الأخيرة، بينما نُسبت تصريحات مؤخرا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الولايات المتحدة أثناء حضوره فاعليات الجمعية العامة للأمم المتحدة على أكثر من وسيلة للنشر بعضها مقرب من الحكومة المصرية قالت نقلا عنه “

“سلمنا واشنطن قائمة بأسماء المفرج عنهم جنائيا أو بعفو رئاسي”

الطريق الثاني الذي يرتكز عليه هذا المقال هو المبادرات الرئاسية المدنية في الأعوام القلائل الأخيرة، واسمحوا لي أن أعرض لبعض من هذه المبادرات، مثالا لا حصرا، في إطار ذات المبدأ: “شايفنكم” من منطلق أن المتقدمين بهذه المبادرات الرئاسية، قدموا أنفسهم- أو لمبادراتهم باعتبارها بدائل عما اعتبروه واقعا راقبوا فيه حالا دوامه غير مقبول واقعا أو أملا:

د.أيمن نور:

في عام ٢٠٠٥ رشح د.أيمن نور المعارض لحكم الرئيس الأسبق مبارك نفسه لخوض انتخابات الرئاسة المصرية أمام الأخير، وتقدم بالفعل بأوراق ترشيحه، في أول انتخابات تعددية مباشرة منذ ١٩٥٢. مبارك كان قد عدل المادة ٧٦ من الدستور المصري، والتي على إثرها فُتح الباب لمن تنطبق عليه الشروط أن يرشح نفسه رئيساً للجمهورية. بعض أحزاب المعارضة، من بينهم حزب التجمع اليساري والحزب الناصري قاطعوا الانتخابات مشككين في نزاهتها. المعارضون قالوا إن الإصلاحات الانتخابية لم تكن كافيه لأن لوائح الانتخابات قيدت بشدة المرشحين المستقلين، والدليل كان تجريد أيمن نور منحصانته البرلمانيةوإلقاء القبض عليه بداية نفس العام، ما اعتبره مراقبون تهما ملفقة وهو ما نفته الدولة المصرية. تم سجنه لفترة قصيرة ثم أفرج عنه بعفو رئاسي.

عاد أيمن نور ليعلن أنه سيتقدم بأوراق ترشيحه رسميًا لمنصب رئيس الجمهورية في حقبة المجلس العسكري في عام ٢٠١٢، ونشر أنه سيتوجه لحضور اجتماع المجلس العسكرى مع قيادات الأحزاب للبحث عن حلول لأزمة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور آنذاك.

بثينة كامل:

في عام ٢٠١١، أعلنت الإعلامية والناشطة السياسية، عضو حركة كفاية بثينة كامل نيتها الترشح للانتخابات الرئاسية، واضعة برنامجا مفصلا محوره: الإصلاح السياسي، العدالة الاجتماعية، وتمكين المرأة باعتبارها السيدة الأولى التي تتقدم لشغل هذا المنصب. لم تتمكن من استيفاء باقي الأوراق اللازمة للترشح وبذلك لم تصبح مرشحا للرئاسة المصرية. استمرت كامل في العمل العام ولاتزال ضمن صف الحقوقين والنشطاء السياسين المصريين الفاعلين.

د.محمد البرادعي:

في عام ٢٠١٢ قرر الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الانسحاب من سباق الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية، مافسر على عدة أوجه على الرغم من بيانه المفصل والمسبب بشأن قراره ذلك. الدكتور البرادعي قال في بيانه آنذاك: إن ضميره لا يسمح له بالترشح للمنصب لأي منصب رسمي آخر، إلا في إطار نظام ديمقراطي حقيقي يأخذ من الديمقراطية جوهرها وليس فقط شكلها على حد تعبيره.

هاكم ياسادة سردية تلك الانتخابات في مرحلتها الأولى على موقع بي بي سي الإخباري والثانية على هذا الرابط.

انتهت الانتخابات بالطبع بفوز مرشح الإخوان المسلمين بمرشحها الثاني، في جولة ثانية بنسبة تصويت ٥١.٧٣ بحسب اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية المصرية.

خالد علي:

في عام ٢٠١٤ أعلن المحامي والحقوقي خالد علي، أنه لن يخوض انتخابات الرئاسة في مصر في ذلك العام، ووصفها بأنها “مسرحية". رفض خالد علي ترشح المشير - آنذاك - عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع في حينه ، للرئاسة في ظل الظروف الحالية على حد تعبيره. وحذر من أن السيسي سيستغل منصبه الآني في كسب التأييد الشعبي. خالد علي كان ثالث مرشح رئاسي “محتمل“ يعلن عدم خوض الانتخابات، بعد سابقيْه الفريق سامي عنان، رئيس أركان الجيش السابق، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية ومرشح الرئاسة السابق.

علي أعلن في مؤتمر عقده بنقابة الصحفيين: ”لا أعلن انسحابي من الانتخابات، بل أرفض المشاركة في مسرحية نعرف نهايتها مسبقًا."

سبق لخالد علي أن حصل على المركز السابع من حيث عددُ الأصوات في انتخابات ٢٠١٢ الرئاسية محرزا ١٤٣ ألف صوتا، قبل أن تنحصر بين الإخوان وأحمد شفيق في الجولة الثانية التي فاز بها الإخوان المسلمون بمرشحهم محمد مرسي.

حمدين صباحي:

سياسي يساري بارز وقيادي في حركة التيار الشعبي المصري، كان قد حقق المركز الثالث في انتخابات الرئاسة عام٢٠١٢، قبل أن يرشح نفسه لانتخابات ٢٠١٤ التي خسرها أمام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، مقدما نفسه بـ"الرئيس القادم لدولة مدنية ديمقراطية”. برنامجه تلخص فيما سماه هو أمام مؤيديه عندما أعلن عن ترشحه: بالمعركة” أولا ضد الفقر، والتخلف، والفساد، والاستبداد”.

من موقع بي بي سي أقتبس من مقال نشر إبان انتخابات ٢٠١٤:

“وقال صباحي قبل ذلك: "هناك حاجة للتغيير العميق في كيفية إدارة البلاد، ونحن نريد تغيير سياسات الفساد والعجز والتبعية... نريد دولة شفافة وعادلة وشابة."

ووعد صباحي ببرنامج اقتصادي طموح يولي اهتماما بمعدل البطالة المرتفع في البلاد. كما تعهد بتعديل "القوانين غير العادلة"، ومن بينها قانون التظاهر المثير للجدل، والذي يقول صباحي إنه يحظر التظاهر والاعتصامات، بالإضافة إلى الإفراج عن "جميع المعتقلين السياسيين" إن أصبح رئيسا.

لكن صباحي أضاف أنه، إذا نجح في هذه الانتخابات، لن يرفع الحظر عن جماعة الإخوان المسلمين، التي حظرتها الحكومة الانتقالية ووصفتها بالإرهابية.

ويقول صباحي إنه ناصري، يسير على خطى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي دفع باتجاه سياسات اقتصادية اشتراكية، وباتجاه القومية العربية.

أما برنامج صباحي بالنسبة للسياسة الخارجية فيروج لخليط من القومية، والمعارضة القوية لإرث سنوات مبارك، وموقف معادي لإسرائيل.

وكان صباحي نشطا منذ بدء حملته في وقت سابق من مايو/ آيار، وحصل حتى الآن على دعم من عدد من الأحزاب الليبرالية والاشتراكية، والمجموعات الثورية الشبابية.

وينظر لصباحي، خاصة بين الناخبين الشباب، على أنه البديل المدني عن المرشح العسكري. ولكن من الصعب تحديد حجم التأييد الذي يتمتع به.”

د.عصام حجي:

صاحب مبادرة الفريق الرئاسي الأخيرة. المستشار العلمي السابق للرئاسة المؤقتة - حقبة المستشار عدلي منصور- قبل أن يستقيل، واصفا ما قالت القوات المسلحة المصرية إنه اختراع أعلنت عنه أوائل العام 2014، للقضاء على فيروسات بينها الإيدز والتهاب الكبد الوبائي من نوع "سي"، وتحويل الفيروس إلى إصبع كفتة، بالـ"فضيحة العلمية" ليغادر بعدها عائدا إلى وظيفته في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.

من أبرز ما يقول د.عصام حجي: ”العلم في الوطن العربي ليس له قيمة لأن ليس له دور لأن يراد تحويل المنطقة العربية من شعوب له الحق في اختيار المصير إلى مجرد سوق للسلع الأجنبية وتحويل العربي إلى مجرد مستهلك للبضائع الأجنبية. هذا هو السبب الحقيقي في تدني ثقافية الإبتكار وإعدام المبتكرين واغتيال المفكرين أخلاقياً وأدبياً.”

"الجامعات وهي العقل المفكر في الوطن العربي هي مكان يعاني من التهميش والنزيف في العقول إلى الخارج".

المصدر شبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية

مبادرة حجي ترتكز على فريق رئاسي دون أن يقدم نفسه كمرشح للرئاسة.

في بلا قيود هذا الأسبوع حاورت د. عصام حجي في ظروف مبادرته والمنصات التي اختار إطلاقه المبادرة منها في البداية. أسأله عن لقاءاته مؤخرا مع عدد من المبادرات الأخرى لمناقشة مشروعه والترويج له. من ضمت هذه اللقاءات؟ وما حدود مشاركته بها؟ ما حدود اتصالاته بقوى سياسية آخرى من بينها جماعة الإخوان المسلمين؟ ما حقيقة انتقادات خصومه له عن مصادر استقائه معلوماته ومدى واقعية طرحه ومشروعه؟ لماذا عاد بمبادرته إلى الساحة السياسية المصرية في هذا التوقيت؟ لماذا يسمى مبادرته بالفريق الرئاسي وفحواها ينصب على التعليم؟ ما موقفه من مبدأ الديمقراطية وما أدواته للتمكن من تداول السلطة في مصر؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية.