ق: قانا

أتصور أن الكثير من الأطفال اللبنانيين يتعلمون الأبجدية بهذه الطريقة، سيما هؤلاء الذين كانت أطوالهم لا تتعدى السنتيمترات الخمسين في نهاية التسعينيات من القرن الماضي.

تماما كما كان الصغار يتعلمون الحروف الأبجدية في مدرسة بحر البقر في عام 1970 في محافظة الشرقية في مصر، أو قبلها إبان حقبة ما يعرفه المصريون والعرب بالعدوان الثلاثي في عام 1956 وبعدها في حرب 1967 فيما أصبح مصطلحا عليه شعبويا بـ"النكسة". ع: عدوان. ب: بحر البقر. م: مقاومة. ف: فدائي.

ليس هذا مقالا عاطفيا سيدتي القارئة وسيدي القاريء. على العكس تماما. إنه مقال تاريخي حقائقي على إطلاقه. قبل أيام توفي الرئيس الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريس، الحاصل على جائزة نوبل للسلام مثالثة مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين، في أعقاب توقيع اتفاق "أوسلو" بين إسرائيل والفلسطينيين.

أقتبس من موقعنا الإلكتروني بي بي سي أرابيك دوت كوم عن بيريس:

"وقبل رئاسته للدولة، شغل بيريس مناصب عدة خلال سبعة عقود شملت منصب رئاسة الحكومة ثلاث مرات. كما عمل وزيراً للخارجية والمالية في حكومات متعاقبة.

وكان بيريس صرّح في إحدى المناسبات بأن "الفلسطينيين هم أقرب جيراننا. وأرى أنهم يمكن أن يكونوا أقرب أصدقائنا"

ونعى الرئيس الأمريكي باراك أوباما بيريس ووصفه بأنه "صديقه العزيز".

وقال في بيان إن بيريس "كان يهتدي برؤية للكرامة الإنسانية والتقدم، وكان يدرك أن الناس ذوا النوايا الحسنة يمكنهم المضي قدماً معاً."

قبل ما يعرف لدى العرب اصطلاحا بالنكبة بعام واحد، أي في عام ١٩٤٧ اختار رئيس الوزراء المؤسس لدولة إسرائيل دافيد بن غوريون بيريس ليكون مسؤولا عن صفقات السلاح في الميليشيات الصهيونية “الهاغاناه”، التي أصبحت فيما بعد النواة المؤسسة للجيش الإسرائيلي بشكله الحالي.

بيريس كان مهندس صفقة للسلاح مع فرنسا لإمداد إسرائيل بطائرات ميراج المقاتلة.

وثيقة كشف عنها بيريس تتعلق بخطة عملية اسمها الحركي “قادش” تحمل تاريخ 24 أكتوبر تشرين الأول عام 1956، يُرجح أنها التمهيد للحرب الثلاثية على مصر. معروف أن بيريس هندس لهذه الحرب، التي انتهت بانسحاب القوتين العظميين إنجلترا وفرنسا من كامل الأراضي المصرية تحت ضغط سوفيتيّ شديد في مجلس الأمن الدولي ومقاومة شعبية عتيدة في مدن القناة الثلاث ودمار شامل لتلك المدن.

الشاهد أن تلك الحرب وضعت إسرائيل وبيريس في مركز مهم بين الدول الغربية. من أكثر من مصدر صحفي وتاريخي أوثـّق ما يلي:

بعد أقل من عام على حرب 1956 توثق العديد من المصادر الصحفية أن فرنسا وافقت على بيع إسرائيل مفاعلًا نووياً هو مفاعل ديمونة. وبعد توقيع الاتفاق بثلاث سنوات، أنهى المهندسون والتقنيون الفرنسيون بناء المفاعل النووي، ثم بعد خمس سنوات بعد ذلك، أي قبل أقل من عام على ما بات يعرف بنكسة يونيو حزيران 1976، أصبح لدى إسرائيل أول قنبلة نوويّة، من إنتاجها الخاص، تبعها، بعد ذلك، إنتاج عدد كبير من القنابل، تقول مصادر غربية إنه يتجاوز الـمئتي رأس نووي، وهو الأمر الذي تتبع معه إسرائيل سياسة اللانفي والّا إقرار حتى هذه اللحظة.

الثابت أن بيريس مؤسس رئيسي لمفاعل ديمونة، والصناعات العسكرية الإسرائيلية، وكذلك المشروع الاستيطاني في أراضي الضفة الغربية المحتلة “وفقا لتوصيف الأمم المتحدة وقوفا على حدود 1967 المعترف بها وثائقيا طبقا لبنود القانون الدولي” وغزة وهضبة الجولان.

يعرف اللبنانيون بيريس بمذبحة قانا الأولى في عام 1996، 18 أبريل نيسان. فبيريس كان قد شغل فى حكومة رابين الثانية، منصب وزير الخارجية، وكان مسؤولا عن المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، التى أفضت إلى التوقيع على اتفاقيات "أوسلو"، وبعد اغتيال رابيين فى نوفمبر تشرين الثاني 1995 عُين بيريس رئيسا للحكومة ووزيرا الدفاع، وشن عملية "عناقيد الغضب" على لبنان التي تخللتها مذبحة “قانا" في مركز قيادة فيجي التابع لقوات الأمم المتحدة “يونيفل” جنوب لبنان. الأوامر أعطيت للقوات الإسرائيلية آنذاك بقصف المقر بعد لجوء أكثر من 800 من المدنيين إليه هربا من عملية عناقيد الغضب. الحصيلة كانت ما لا يقل عن مئتين وخمسين قتيلا وجريحا من المدنيين. استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد قرار كان من المنتظر اتخاذه ضد إسرائيل في مجلس الأمن الذي التأم فيما بعد.

أقتبس بتصرف من عدة مصادر عن التحقيقات الدولية ورد إسرائيل عليها بشأن “قانا” ما يلي:

تحقيق الأمم المتحدة

شيمون بيريس رئيس الوزراء الإسرائيلي قال: ”إن الجيش الاسرائيلي لم يكن على علم بوجود مدنيين في مقر الامم المتحدة.

الجنرال موشيه يعلون رئيس الاستخبارات العسكرية قال "إن ضباط الجيش الاسرائيلي علموا بوجود لاجئين مدنيين في مركز الامم المتحدة “.

المستشار العسكري الهولندي في الامم المتحدة فتح تحقيقا رسميا في موقع قانا، ورفع تقريره بتاريخ 1 مايو- أيار 1996 إلى الأمين العام للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي وجاء فيه "استحالة أن يكون قصف القاعدة التابعة لليونيفيل في قانا نتيجة خطأ تقني أو إجرائي فادح كما ادعى ذلك مسؤولون في الجيش الإسرائيلي " و "كانت هناك أدلة مهمة على انفجار قذائف مدفعية، مزودة بصواعق تفجير عند الاقتراب من الهدف، فوق المجمع مباشرة، وتغطيتها لجزء كبير من مساحته. وعلى الرغم من أن عدد القذائف لا يمكن أن يحدد بالضبط، فإن الأدلة المتوفرة تشير إلى أن ثماني قذائف من هذا النوع انفجرت فوق المجمع ولم تنفجر سوى قذيفة واحدة خارجه”

بيل كلينتون - الرئيس الأمريكي الأسبق دعم إسرائيل آنذاك قائلا:" إن للإسرائيليين الحق في الدفاع عن أنفسهم " .

الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أبريل- نيسان 1996 قررت أن إسرائيل انتهكت القوانين الدولية المتعلقة ب”حماية المدنيين” خلال الحرب.

اعترف بيريس بمسؤولية جيشه وضباطه عن المجزرة وتحمل علنا المسؤولية عنها، لكنه شن هجوما على الأمم المتحدة لنشرها التقرير الذي اتهم إسرائيل باستهدافها المدنيين بشكل متعمد.

وانتهى الأمر بإجهاض الولايات المتحدة قرار مجلس الأمن بالفيتو كما سبق وأسلفنا.

عديدة هي أوجه التاريخ، ومتفاوتة هي تقييمات البشر للراحلين. الأجيال القادمة تبقى رغم ذلك تروي ما تعلمت، وتسطر ما تقرأ. ح: حرب. س: سلام.

في بلا قيود هذا الأسبوع نعيد بث لقاء أجراه زميلي العزيز محمد سيف النصر مع الرئيس الأسبق شيمون بيريس قبل عدة سنوات ، حاوره في عام 2012 عن تاريخه الحافل، وإرثه العسكري والسياسي قبل حتى أن يصبح إرثا.

بلا قيود - يقدمه محمد سيف النصر هذا الأسبوع الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.

المزيد حول هذه القصة