نون

حاججت معظم الحقوقيين والحقوقيات السعوديين، مدافعين ومدافعات عن حقوق المرأة طوال ستة عشر عاما اشتغلت فيهم بالصحافة في كل دفوعهم وطروحاتهم، وفي كل - وأعني كل - حجج الطرف الآخر. أرهقتهم بالملاسنات التي لاحقتهم والاتهامات والملاحقات الشعبوية والقضائية التي أنهكت حملاتهم، وحاولت - هي - وأد انتصاراتهم. وياله من تاريخ حافل.

لا أعتبر أني مكررة في نمط مقالي الفائت ق: قانا وليس هناك من مجال للمقارنة، مع الفارق حين أقول إن نون النسوة في السعودية وفي كل مكان هي ذاتها بعينها نون النضال، نون النصر. كبرت الانتصارات أو صغرت، كانت لهم - ولا أقول لهن - لأنني لا أعتدّ، مثلي في ذلك مثل كثير من المؤمنين بالإنسانيات والإنسان أؤمن بالحقوقيين كيانا محترما، لا يفرق بين جنس أو دين أو عرق أو أقلية. إذن كانت لهم كحقوقيين انتصارات، هذه بعضها:

وجهة نظر الدولة والمشرع:

في عرف الدولة هناك من المنصوص عليه وجوبا وعرفا في قوانين المملكة وتشريعاتها ما يُعرف اصطلاحا وقانونا ب” حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية”، لكنه متبوع دائما بأخرى تقننه: “وفقاً لتعاليم الدين الإسلامي”، مشفوعة في عدد من النصوص بالشروح والتفاسير المرتبطة أحيانا بتأويلات فيسيولوجية تُرى من جانب الحقوقيين مدخلا لتفريق جندري بين الجنسين من قبيل: “الذي أعطى لكل من الجنسين حقوقا وواجبات تتناسب مع طبيعته الفسيولوجية والنفسية”.

في منطق الدولة وبشهادة قطاع كبير ممن أجريت عليهم عديد من استطلاعات الرأي على مدار عشر سنوات وفي عينات عشوائية، أدخل الملك الراحل عبد الله عددا من التعديلات كان لها دور في رفع إحداثيات حال المرأة السعودية سياسيا واجتماعيا بدرجة مقبولة منذ توليه مقاليد الحكم في عام ٢٠٠٥، من بينها إصلاحات في المؤسسة الدينية، التعليم ،معقل الإسلام السلفي المتشدد. أما الإصلاح الأبرز فكان منح المرأة السعودية حق الانتخاب والترشح في المجالس البلدية، حق التعيين في مجلس الشورى، الذي فُعّل فيما بعد لتصل السيدة السعودية إلى المجلس بنسبة تصل إلى ٣٠٪ .

معركة قيادة السيارة:

لا يوجد قانون في السعودية يمنع قيادة المرأة للسيارة. المرور السعودي لا يمنح تراخيص السيارات إلا للرجال. الفتاوى الدينية في السعودية بشكل عام تُحرم قيادة السيدات السعوديات للسيارة. هيئة كبار العلماء تفتي بتحريم القيادة للسيدات. عضو هيئة كبار العلماء الشيخ صالح الفوزان أفتى بتحريمها قائلا “إن المحاذير كثيرة وأخطرها أن القيادة تعطي المرأة الحرية لتذهب حيث تشاء.”

حملات الحقوقيين والسيدات لقيادة السيارة:

حملة ١٩٩٠: في نوفمبر إبان حرب الخليج الثانية، وزارة الداخلية السعودية كانت قد أصدرت بيانا تحذيريا ينص على منع قيادة السيدات مجددا. ٦ نوفمبر تشرين الثاني ١٩٩٠ شاركت ١٧سيارة تقل ٤٧ سيدة في الحملة. اعتقلت السيدات جميعهن ومنعهن من السفر وفصلهن من وظائفهن. اعتقل أزواجهن أو أباؤهن بتهمة "عجزهم عن السيطرة على نسائهم”.

حملة ٢٠١١ الربيع العربي: على غرار المطالبات بالحرية في دول الربيع العربي، طالبت السيدات بالقيادة في السعودية، تحدد يوم ١٧يونيو حزيران٢٠١١، الحملة سميت “سأقود سيارتي بنفسي”. شاركت في إطلاق الحملة الناشطة منال الشريف باستباقها الحملة في مايو أيار، صورتها الناشطة وجيهة الحويدر وهي تقود سيارتها في مدينة الخبر ونشر المقطع على يوتيوب يوم ٢٠ مايو وشوهد أكثر من٦٠٠،٠٠٠ مرة. أوقف المرور منال وهي تقود مع أخيها وزوجته وأطفاله واستدعيت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الموقع وتم الإفراج عنها بعد ساعات. أعيد اعتقالها في فجر اليوم التالي واتهمت ب"الإخلال بالنظام”. دعت منظمات حقوقية دولية كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى إطلاق سراحها. استمر احتجازها ١٠ أيام، أطلق سراحها بكفالة وتعهد خطي بعدم التكرار. تكررت الاعتقالات لاحقا وتكررت المحاولات وجميعها سجل نجاحا جزئيا وانتهى بالاعتقال.

حملة ٢٠١٣: ظهرت دعوات جديدة من ناشطات لحمله القيادة مجددا. التاريخ الجديد كان ٢٦ أكتوبر تشرين الأول ٢٠١٣. أحبطت وزارة الداخلية الحملة بإطلاق حملة تحذيرية موازية، فقرر “بعض نشطاء تويتر إطلاق حملة سخرية أن تقود المرأة في يوم غير موجود حتى لايشكك بها حيث أطلق على الحملة اسم قيادة 31 نوفمبر.”

حملة ٢٠١٤: “في٣٠ نوفمبراستغلت لجين الهذلول اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي بسريان رخص القيادة في جميع دول المجلس ، فقامت بإستخراج رخصة قيادة من دولة الإمارات وهي سارية المفعول في المملكة العربية السعودية حسب الإتفاقية. وبعد قيادتها لسيارتها الخاصة من الإمارات إلى السعودية تم إيقافها عبر الجمارك السعودية عند المنفذ الحدودي وبقيت 24 ساعة محتجزة في المنفذ الحدودي حيث رفضوا السماح بدخولها وهي تقود سيارتها. حضرت بعد ذلك المذيعة السعودية ميساء العمودي إلى مكان إيقاف لجين في المنفذ الحدودي وحضرت قوات الأمن إلى الموقع وتم اعتقال الفتاتين في ظل تكتم إعلامي محلي ودون وجود تفاصيل حول التهم الموجهة إليهما أو عن مكان اعتقالهما.”

المصادر: ويكيبيديا بتصرف ومصادر صحفية وحقوقية سعودية.

معركة المجالس البلدية:

ربما العبرة في ذلك بالنتيجة، وقد حاورت في هذا المضمار د. هتون أجواد الفاسي باستفاضة سابقا، فضلا عن كثير مما أطرح في هذا المقال، بل وكتبت عنه أيضا في مقال سابق: “المرأة السعودية، خط أخضر” وقد تعرضت لمرحلة أخذت السيدات السعوديات زمام الحديث عن أنفسهن فيها بدلا من الجميع: وفي الحلقة حدثتني د.هتون عن انتصار المرأة السعودية لنفسها في معركة المجالس المحلية.

لكنها هنا في مقال لاحق تركز ما يُبنى على ذلك الانتصار في مجال العمل العام فيما بعد، كي لا تتجمد عنده اللحظة، ويتحول عن غير قصد من وسيلة لغاية قد لا تنفع: “لا شك أن الانتخابات البلدية تشكل علامة فارقة هذا العام وقد كتبت كثيراً ومطولاً حول هذا الموضوع طوال العام مما لا يحتاج التكرار إلا لوضع بعض النقاط على الحروف، بأن النساء قد أثبتن أنهن قادرات على تغيير كثير من الموازين، حتى وإن كان هناك من يرغب في أن تكون مشاركتهن صورية، أو أن يجعل من العقبات ديدن التجربة، أو أن يتفنن في اختراع معوقات إضافية في كل مرحلة من مراحل الرحلة الانتخابية على أمل أن تمل النساء و"يطفشن"، ولكن النتيجة المخيبة لآمال هؤلاء كانت صمود 976 امرأة مرشحة في كل مناطق المملكة إلى آخر لحظة، وما خيب آمال فريق آخر كان نجاح 21 امرأة في دخول 16 مجلسٍ بلديٍّ، (ثم انضمت إليهن 17 امرأة معينة ليصبح مجموع عدد المجالس التي بها نساء 19 مجلساً). ومع تواضع هذا الرقم ومع التعيين الأكثر تواضعاً والذي يتنافى مع مبدأ المساواة الذي نادت به وزارة الشؤون البلدية والقروية في بداية الانتخابات، وعلى الرغم من استدراك الوزارة المثير لكثير من التساؤلات على لائحة المجالس البلدية بإضافة تعليمات حول أين تجلس العضوات المنتخبات والمعينات والتي تتنافى أيضاً وكلياً مع المساواة في حرية الاختيار واتخاذ القرارات لما نعرفه من تأثير آلية الشبكات التلفزيونية على المشاركة الفعلية للنساء، إلا أن النساء انخرطن في اجتماعات المجلس وفي لجانه وفي قراراته. ولكن قائمة ما تحتاج النساء اتخاذ قرار بشأنها ما زالت طويلة، ومواطنة المرأة وإن اكتمل جزءٌ منها على مستوى المجالس الشعبية ما زالت غير مكتملة بإغلاق مجالس المناطق والمحافظات والوزراء والخبراء أمامها. وما زال قانون الأسرة لم يبت فيه وأمر الوصاية مدى الحياة عليها ما زال مؤرقاً، وحرية حركتها ما زال علامة استفهام كبيرة. وبالرغم من كل هذا، نأمل أن يكون القادم أجمل. وكل عام والنساء أفضل.”

معركة الوصاية في آخر حلقاتها ٢٠١٦:

برقية للملك سلمان أرسلها بحسب منسقات الحملة ١٤,٧٠٠ سيدة ورجل من السعودية، يطالبون فيها برفع نظام الوصاية عن المرأة السعودية. الوصاية في السعودية ليست نظاما شرعيا، وإنما قوانين وأعراف وضعية، بعضها في صيغة تشريعات مفصلة في أوجه عدة بحسب مصادر عدة. هيومان رايتس ووتش أصدرت مؤخرا تقريرا مفصلا استند في مجمله إلى شهادات من مواطنات سعوديات بعنوان “كمن يعيش في صندوق” . يمكنكم الاطلاع عليه بالضغط هنا.

أما عن مناقشة حملة “أنا وصية نفسي”، فقد حاورت كل أوجهها باستفاضة، مستعرضة كل وجهات نظر منتقديها ودفوعهم، مع إحدى مُطْلِقاتها الرئيسيات د.هالة الدوسري، الكاتبة والحقوقية البارزة في برنامج بلا قيود هذا الأسبوع: عن مراحل نضج المبادرة ومن أين أتت. لماذا تتجنب مبادرات كهذه تحميل المسؤولية لرأس الحكم؟ ولماذا توجه خطابها للعائلة المالكة دوما؟ ماحدود التماس بين النسوية والحقوقية؟ ما حجم التعارض بين الحركات الحقوقية وتلك الأخرى المناهضة لها التي تطالب بالتمسك بالوصاية وولاية الأمر وهي الأخرى تسمي نفسها حقوقية؟ أين مبادرة “أنا وصية نفسي” من تصريحات ولي ولي العهد للصحافة الغربية عن المرأة في سوق العمل، وخطة ٢٠٣٠؟ أين هي من سعودة سوق العمل السعودي بالخطة؟ المؤسسة الدينية ترفض مبادرات كهذه وتهددها فما العمل؟ وهل تعادي الدولة وساستها المؤسسة الدينية لإرضاء الحقوقيين وتسقط الولاية وتسمح بقيادة المرأة والمطالب الأخرى؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية

المزيد حول هذه القصة