منه تتعب الأمم

كالنار في الهشيم انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مزحة تقول: "عزيزي الشعب الأمريكي، لا ترى هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب يصلح رئيساً؟ لا عليك... أنت لا تحتاج لرئيس، جربناها لعامين ونصف ولم يحدث شيء، إمضاء: الشعب اللبناني".

الآن كل هذا في سبيله على ما يبدو لأن يتغير. فقد فعلها زعيم كتلة المستقبل سعد الحريري وأعلن أنه - ويا للمفاجأة - يدعم غريمه (كما يُفترض)، وحليف غريمه (كما هو مؤكَّد)، العماد ميشال عون للرئاسة، وأنه يرحب بتسليم الرجل مفاتيح قصر بعبدا الرئاسي.

في لبنان مكمن العقدة وربما موطن الحل أيضا. فالفرقاء اللبنانيون يعبرون عن تجاذبات القوى الإقليمية والدولية. طهران (ومن ورائها دمشق) لا يَخفى دعمُها لحزب الله وحركة أمل، أما عند الحديث عن الرياض (ومن ورائها الخليج) ودعمها لسعد الحريري فيجب هنا اللوذ بصيغة الفعل الماضي، إذ "ظلت" الرياض تغدق على الحريري بالمزايا، بما فيها الجنسية السعودية، و"كانت" تطلق يد شركاته في المملكة حتى تلبدت الأجواء بالغيوم بينه وبين ولي العهد محمد بن نايف.

دعم الحريري الآن لميشال عون رئيساً لا بد وأن يندرج تحت عنوان من اثنين:

"تفاهمات إقليمية”

يحتمل أن تكون هذه القوى الآن اتفقت على إزاحة صخرة الرئاسة من الطريق وإنقاذ لبنان مما وصفه الحريري "انهياراً في مؤسسات الدولة"، وهو ما حيك بمهارة سياسية تثير الإعجاب: فها هو الحريري يهدي الرياض هدية لا ترفض: يرسّخ لها ثلاثية اتفاق الطائف بعد أن علت أصوات تنادي بتجاوزها، ويعفيها من حرج أي تواصل أو حتى شبهة تقارب مع حزب الله الذي ضمن موطئ نفوذ لا بأس به مطلقاً بدخول عون للقصر، كما أن الحريري يقدم نفسه لقاعدته الشعبية كصاحب قرار مستقل عن المملكة وينقل الخلاف إلى معسكر الخصوم: فنبيه بري زعيم حركة أمل الشيعية ليس راضياً عن دعم حليفه حزب الله - الشيعي أيضا - لميشال عون.

أما العنوان الثاني، والذي يجب أن اعترف هنا أنه الأكثر إثارة من منظوري الصحفي الأناني البحت، فسيكون شيئاً من قبيل:

هل يعقل عزيزي القارئ أن نكون بصدد تاريخ يصنع؟ محظوظون نحن إذن أننا شهود على اللحظة المحددة التي يُنسف فيها اصطفاف تاريخي دام طويلاً (هناك أجيال من الصحفيين عاشوا وماتوا ولم يشهدوا لحظة مماثلة!) والذي وضع معسكر ٨ آذار في مواجهة غريمه ١٤ آذار. الانتظار لعامين ونصف مبررٌ إذن إن كان تمخض عن إعادة ترتيب الأوراق بحيث بات غرماء الأمس حلفاء اليوم.

قد يكون، عزيزي القارئ، ثمة تفسير ثالث - بل تفاسير كثيرة - لما يَجري في لبنان، ففي نهاية المطاف… "ولبنان منه تتعب الأمم" على حد شِعر سعيد عقل لا أقل. على كلٍ نحن وأنت على موعد لبحث كل ما سبق في حديث ساعتنا لهذا الأسبوع. انتظرونا بعد موجز السابعة مساءً بتوقيت غرينتش الأربعاء ٢٦ أكتوبر تشرين أول على بي بي سي عربي.