نجم فرانكفورت يزداد سطوعاً مع قرب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

مصدر الصورة Getty Images
Image caption فرانكفورت تضم مقر البنك المركزي الأوروبي

غالباً ما تُلقي شهرة مصارف فرانكفورت بظلالها على مفاتنها العديدة. غير أن في هذه المدينة الألمانية أشياء كثيرة تتجاوز ما يبدو للعيان.

لعقود خلت، وربما بشكل غير منصف، رُسمت لفرانكفورت صورة سيئة دون مبرر لدى الزوار الأجانب الذين يصدقون انطباعات الآخرين بأنها مدينة مملة.

الصيت الراسخ الذي تُعرف به المدينة، باعتبارها أهم المراكز المالية لقارة أوروبا، يعني أنها نادراً ما تكون الخيار الأول للزوار والمغتربين والطلاب. وبدلاً من ذلك، يفضل هؤلاء عادةً مدناً ألمانية أخرى، مثل برلين العاصمة السياسية ذات الطابع الدولي... وميونيخ الجميلة الواقعة في جبال الألب... أو مدينة الحفلات والسهرات، كولونيا.

لكن لفرانكفورت مفاتن أكثر مما تبدو للعيان. إنها مدينة تتمتع بتنوع ثقافي سكاني وأنشطة ثقافية مزدهرة. وفي الحقيقة إن ثلث سكان فرانكفورت هم من الأجانب، ويزور أكثر من مليوني شخص 60 معرضاً تقريباً كل عام، بحسب بلدية المدينة.

والآن، وبينما يلوح انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في الأفق، أخذ نجم فرانكفورت يزداد سطوعاً. ويُتوقع أن تستفيد المدينة من تدفق عدد يصل إلى 20 ألفاً إضافياً من العاملين في القطاع المصرفي ممن سيُنقلون للإقامة هناك من جانب أصحاب العمل الساعين إلى ضمان وجودهم ضمن الاتحاد الأوروبي إذا فقدت لندن حريتها في الوصول إلى السوق الموحّدة.

وعلى الأرجح سيزداد الطلب على الخدمات مع وصول هؤلاء أصحاب الأجور المرتفعة إلى فرانكفورت. وفور التصويت بـ"نعم" على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بدأت مدنٌ مثل فرانكفورت وأمستردام وباريس بمغازلة المصارف والبنوك التي كانت لها مكاتب رئيسية في لندن.

لكن فرانكفورت، باعتبارها العاصمة المالية لاقتصاد أوروبا، تتقدم على منافساتها، إذ أنها تضم مقر البنك المركزي الأوروبي وبعضا من أكبر المصارف والبنوك الألمانية من بينها بنك دويتشه الألماني، وكوميرتزبانك، وبنك التنمية الألماني (كيه اف دبليو) ومصرف هيبوفآنزبانك.

وبالإضافة إلى ما ذُكر، يقع في المدينة ثالث أكبر مطارات أوروبا، بعد لندن وباريس.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption متحف شتيدل الرائع يؤرخ بشكل كامل تقريبا لسبعة عقود زمنية من الفنون الأوروبية

ومن بين المزايا الأخرى التي تتمتع بها فرانكفورت انخفاض مستوى المعيشة نسبياً، إذا ما قورنت بلندن، وهي تضم أيضا مجموعة ناشئة من المتاحف وتتمتع بمناخ معتدل، كما يمكن الاستمتاع بمتنزهاتها وركوب الدراجات الهوائية في الطرق الجبلية ومزارع الكروم القريبة. ويتوفر في فرانكفورت كل ما هو موجود في المدن الكبرى ولكن المسافات بين مناطقها متقاربة مثل المدن الصغيرة، بالإضافة إلى أنها تمنح شعورا بالراحة للمغتربين.

وإذا أتيحت الفرصة، فسيزداد تعلقك واستمتاعك بفرانكفورت، حسبما يقول جَيسن بيترسن، وهو أمريكي أقام في ألمانيا منذ أكثر من ربع قرن. يقول بيترسن، الذي يعمل لدى وكالة "ريماكس" لبيع العقارات بالقرب من فرانكفورت: "ستأسرك الحياة العملية" في هذه المدينة.

الأسلوب الألماني

سيُخبرك معظم أبناء المدينة أن الألمان بحاجة ماسة إلى الهدوء والسكينة، مما يوضح كثرة القوانين واللوائح التي تحظر الضوضاء وقلة نشاط التسوق أيام الأحد، وهو أمر شائع في العديد من الدول الأوروبية. لكن الجانب الإيجابي من هذه القواعد هو أنها توفر لك فرصة الاستمتاع بوقتك خارج ساعات العمل.

وبدلاً من ذلك، يتردد سكان فرانكفورت بكثرة على المقاهي أيام الأحد، أو يمارسون التنزه أو رياضة التزلج على ضفاف نهر الراين، أو تراهم يتوجهون إلى جبال تاونوس لركوب دراجاتهم الهوائية ليتبعها شرب قدح جعة باردة في المتنزهات.

تتيح أجواء أيام الأحد فرصة لإلقاء نظرة على مجموعة المتاحف، كمتحف شتيدل الرائع والذي يؤرخ بشكل كامل تقريبا لسبعة عقود زمنية من الفنون الأوروبية، من بدايات القرن الرابع عشر وإلى وقتنا الحاضر من خلال معروضاته التي تضم ثلاثة آلاف لوحة و600 تمثال وأكثر من أربعة آلاف صورة فوتوغرافية وأكثر من 100 ألف من الرسومات والمطبوعات، وهي من أعمال فنانين من أمثال آلبرخت دورر وكلود مونيه، ورامبرانت وساندرو بوتيتشيلي وبابلو بيكاسو وغيرهم الكثير. وفي فصل الصيف، يمكنك أن تحضر عرض فيلم في الهواء الطلق في حديقة أحد المتاحف.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption توفر فرانكفورت أجواء رائعة للاستمتاع خارج ساعات العمل

السبيل إلى الاستقرار

للقادمين الجدد إلى المدينة، تشكل مواقع بالانترنت، مثل موقع مجموعات المغتربين على فيسبوك والدليل الاسترشادي على الانترنت للوافدين الجدد، مصادر مهمة للمعلومات باللغة الانجليزية. أما إذا كنت تفضّل أسلوب التعامل المباشر وجهاً لوجه، فمن المهم أن تعلم أن المدينة تستضيف مهرجان القادمين الجدد في شهر سبتمبر/أيلول من كل عام. يمكنك خلال هذا المهرجان أن تطّلع على الشركات والهيئات غير الربحية والمؤسسات الحكومية التي تقدم خدمات موجهة لأبناء الجاليات من مختلف بلدان العالم. وقد تشمل هذه معلومات عن مراكز لتعليم اللغات وقيادة السيارات ومستشاري الضرائب بالإضافة إلى معلومات عن الأندية العالمية والمسارح والمدارس والمتاحف.

الاستقرار في فرانكفورت يشبه معضلة الدجاجة والبيضة، حسبما يرى جاستن كرين، وهو أمريكي انتقل للعيش في هذه المدينة من أطراف ديترويت بولاية مشيغان الأمريكية ليعمل بوظيفة لدى شركة أوبل لصناعة السيارات. إذا أردت استئجار شقة، فستحتاج في العادة إلى حساب مصرفي. وإذا أردت فتح حساب مصرفي، فستحتاج إلى عنوان لإقامتك. وعلاوة على ذلك فإن الحصول على خدمة الانترنت في محل إقامتك الجديد سيستغرق بعض الوقت. ويضيف كرين: "إذا أردت الترتيب لحل هذه المشكلة، ينبغي عليك الاستعانة بخدمات أحد وكلاء التنقلات". حصل كرين على مساعدة من وكيله للتنقلات عن طريق توفير عنوان مؤقت، وكانت خدمة الانترنت في طريقها إلى مسكنه قبل وقت طويل من وصوله هو زوجته، ميغان. إذا لم تستعمل خدمات وكيل، فعليك الصبر وشق طريقك بوسائل أخرى لفترة من الوقت، لكن آخرين غيرك من المغتربين الموجودين في تجمعات ومنتديات التواصل الاجتماعي قد يساعدونك في إيجاد الطريق الملائم لك.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption العديد من الناس يفضل المساكن القريبة من أماكن عملهم

ايجاد السكن المناسب

عندما يحين وقت البحث عن شقة، لا تتوقع أن تقوم بجولة مع أحد وكلاء تأجير العقارات ليعرض عليك عدة شقق، حسبما يقول بيترسن. ذلك هو جزء من وظيفة وكيل الانتقال للعيش في المدينة أو شيء يمكنك أن تقوم به بنفسك. والسبب وراء ذلك هو أن الوكلاء لا يتعاونون مع بعضهم البعض، وعادة ما يأخذونك لرؤية الشقق المكلفين بتأجيرها. يعمل العديد منهم لصالح وكالات صغيرة ولعله لا يتوفر لديهم سوى سكن واحد فقط..

وما يزيد الأمور تعقيدا هو وجود قانون جديد يطلب من أصحاب العقارات أن يدفعوا للوكيل رسوماً لقاء تأجير عقاراتهم، وهذا دفع عددا متزايدا من أصحاب العقارات إلى تأجيرها بأنفسهم، ولعل بعضهم لا يتكلم الانجليزية بطلاقة أو ربما لن تجد منه مرونة في تحديد أوقات تفقّد الشقة. يرى بيترسن أنه ينبغي على القادمين الجديد محاولة الاستعانة بمواقع مثل "أيموبيلينسكاوت24"، و"إيمّونيت"، و"إي.بَي. كلاينانزيغين"، و"كريغز ليست فرانكفورت".

يختار الكثيرون شققهم لتكون قريبة من مكاتب عملهم، وهو أمر ممكن في فرانكفورت. أحياء المدينة، مثل بورنهايم (المفعمة بالنشاط) وبوكنهايم (حيث يتواجد عدد كبير من الطلاب) وويست إيند (لأصحاب الشخصيات العملية الجادة) وأوستيند (الحي الذي يتمتع بفرص ازدهار قوية نظرا لوجود المقر الرئيسي الجديد للبنك المركزي الأوروبي) هي أحياء شهيرة وتتمتع بوسائل مواصلات جيدة.

والعائلات التي تبحث عن مساكن تصلح لعائلة واحدة فقط تميل إلى استئجار شقق في قرى سلسلة جبال تاونوس، مثل كرونبيرغ أو أوبيرورسل أو باد سودن.

تتراوح أسعار الايجارات في المدينة ما بين 13-18 يورو (14.40-20 دولارا) لكل متر مربع. أي أن ايجار شقة بثلاث غرف نوم يتراوح ما بين 1,700 إلى 2,000 يورو (1,887 إلى 2,220 دولارا) شهرياً، بما في ذلك معظم الخدمات (الماء، الكهرباء، الغاز...).

لكن من المتوقع أن ترتفع الايجارات عند انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتقول كونيسا كاربونيل مستشارة إعادة التوطن والمقيمة في فرانكفورت إن "سوق الايجارات محاطة بقواعد صارمة وذات وتيرة متسارعة".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption العديد من الناس في فرانكفورت يتوجهون إلى العمل باستخدام الدراجات الهوائية أو سيرا على الأقدام

التعليم

يمكن لعائلات المغتربين أن تختار من بين مدارس متنوعة صغيرة تدرّس بلغتين أو ثلاث، أو واحدة من أكبر المدارس العالمية وهي "مدرسة فرانكفورت الدولية". واستناداً إلى وكالة التسويق في فرانكفورت، فإن الرسوم الدراسية في المدارس الألمانية الخاصة تتراوح ما بين 100-300 يورو (111-133 دولارا) لكل طفل شهرياً. وقد تصل قيمة الرسوم في المدارس التي تطبق برامج تعليم متميزة بلغتين إلى 900 يورو (1000 دولار) شهرياً. وتكلف الأنشطة اللا مدرسية والخدمات الاخرى، مثل نقل الطلبة بالحافلات، مبالغ إضافية.

وتقول كاربونيل إن "مدرسة فرانكفورت الدولية ستكون أول خياراتي. إنها أقدم مدرسة دولية في ألمانيا وتقدم دروساً متنوعة في كافة المجالات، وتلبي متطلبات العائلات." وتضيف كاربونيل إنه من الممكن أن تسجل أطفالك في المدارس الألمانية بالطبع. وتوضح أن على الأطفال الأكبر عمراً، ممن يتوجب عليهم الدخول في مدارس ابتدائية، قضاء سنة فيما يسمى بصفوف الاندماج، والتي يزيد عليها الطلب. وعدد طلبة هذه الصفوف كبير وينتمون لأعمار وقوميات مختلطة.

سهولة العيش

يتوجه الكثير من الناس إلى أعمالهم سيرا على الأقدام أو باستخدام دراجاتهم الهوائية. وإذا استخدمت قطارات المواصلات بشكل يومي، فمن الأفضل شراء تذكرة شهرية تمكنك من ركوب جميع أنواع وسائط النقل العامة وسيكلفك ذلك أقل من 100 يورو (110 دولارات) للتنقل داخل المدينة. وإذا أردت التنقل عبر مناطق أخرى أبعد، فإن السعر يرتفع لما يقرب من 130 يورو (144 دولارا) شهرياً، وتشمل هذه التذكرة الوصول إلى قرى سلسلة جبال تاونوس.

ويقول بيترسن إن الأمور العملية لفرانكفورت ستأسرك نظرا لما تتمتع به من طابع الحياة العالمية، ووجود شقق ذات ايجارات مفضلة والمطاعم والمتاجر، كما تحيط بها قلاع وقرى أصيلة ومزارع كروم جميلة. إنها عبارة عن حزمة أمور رائعة تنتظر استكشافها، حسبما يضيف بيترسن.

وتقول كاربونيل، التي تنحدر من مدينة برشلونة: "أعتقد أن فرانكفورت رائعة، إنها مدينة عالمية، تجد فيها ثقافات متعددة وفيها وفرة من أنماط الحياة المختلفة. لدينا زبائن من لندن وباريس ومدريد، وهم يعشقونها لأن الانتقال من مكان إلى آخر في لندن قد يستغرق ثلاثة أو خمسة أضعاف الوقت المستغرق هنا."

ولكن إن لم يقنعك كل ما ذُكر وهناك حاجة لمزيد من الوقت لكي تثير هذه المدينة إعجابك، فلا تقلق: لا تبعد باريس وأمستردام سوى أربع ساعات تقريباً بالقطار.

كما يمكنك السفر منها جوا لقضاء عطلة طويلة في نهاية الأسبوع. ما عليك إلا أن تحجز إحدى الخيارات العديدة، برحلة جوية مباشرة من مطار ضخم، بخلاف لندن، لا يبعد سوى 20 دقيقة عن مركز المدينة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة