شركات تستعين بتكنولوجيا تحليل الصوت البشري لاختيار موظفيها

تحليل الصوت مصدر الصورة Getty Images
Image caption بدأت بعض المؤسسات التي تبحث عن موظفين جدد في االاعتماد على تحليل المحادثات الهاتفية معهم للتعرف على شخصياتهم وقدراتهم

في ظل تراجع أعداد الموظفين في أقسام الموارد البشرية، يستعين أصحاب الأعمال الآن ببرامج لتحليل الصوت البشري لاختيار الموظفين الجدد، ولتقييم مدى أهلية الموظف للترقي، وكذلك لقياس مستويات التوتر والإجهاد لدى الموظفين.

رغم أن أسئلة مثل 'كيف استمتعت بيوم العطلة؟'، أو 'كيف قضيت آخر إجازة لك؟'، قد تبدو بسيطة، إلا أن وظيفتك المقبلة ربما تتوقف على طريقة إجابتك عنها. لكنك لن تتحدث إلى بشر هذه المرة، بل إلى جهاز كمبيوتر.

بدأت بعض المؤسسات التي تبحث عن موظفين جدد في التخلي عن الاستبيانات الطويلة عبر الانترنت، واختبارات التحليل النفسي، والاعتماد بصفة أساسية على المحادثات الهاتفية.

وتطلب تلك المؤسسات من المرشحين للوظائف أن يتصلوا برقم هاتف محدد، ويدخلوا رقما سريا شخصيا، ليجيبوا عن مجموعة من الأسئلة التي يطرحها الكمبيوتر.

وإذا شعرت خلال تلك المحادثة الهاتفية أنك نسيت كل شيء ولا تستطيع الكلام، يمكنك أن تضغط على زر محدد على لوحة المفاتيح ليقودك إلى السؤال التالي.

كانت أقسام الموارد البشرية تستعين بمجموعة من خوارزميات الكمبيوتر لفترة طويلة لفرز السير الذاتية، من أجل اختيار أفضل المرشحين للوظائف. والآن، أصبحت الوسائل التكنولوجية التي تستخدمها أكثر تطورا.

وقد أصبحت بعض الشركات تستخدم اختبارات التحليل الصوتي، ليس لأغراض التوظيف فقط، بل أيضا لتقييم مهارات التواصل لدى الموظفين، والعمل على تحسينها، وتقدير مدى أهلية الموظف للترقي، وقياس مستويات الإجهاد والتوتر لدى الموظفين.

لكن في كل الحالات، ليس هناك شخص لكي يستمع إلى ما تقول، بل جهاز كمبيوتر فقط. لذا، فالسؤال المطروح هو: هل هذا التقييم موضوعي؟ وما هي مخاطره؟

تقوم هذه الاختبارات على تحليل تسجيل صوتي لإجابتك مدته 15 دقيقه عن طريق الكمبيوتر. ويتضمن ذلك تحليل نغمة الصوت، واختيار الألفاظ، وتركيب الجملة، للتعرف على السمات الشخصية، مثل الاستعداد للتغيير، والحماسة، وتفهّم مشاعر الآخرين.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يمكن لذلك البرنامج التكنولوجي أن يلخص سماتك الشخصية من خلال مخططات، ورسوم بيانية، تكشف الكثير عن أخلاقك وطموحاتك

ويلخص برنامج الكمبيوتر المستخدم في ذلك، وفي جزء من الثانية، سماتك الشخصية، من خلال مخططات، ورسوم بيانية، تكشف عن مدى دماثة خلقك، وطموحك الشخصي لتحقيق مكانة أفضل، وقدرتك على التنظيم، مقارنة بالنموذج المثالي الذي وضعته الشركة مسبقا.

ويقول ماريو ريس، أحد مؤسسي شركة "بريساير تيكنولوجيز" التي تنتج برامج تحليل الأصوات، بمدينة آخن الألمانية: "لا يمكن لأي شخص في العالم أن يحلل كل هذه الجوانب من الشخصية والمهارات والسمات اللغوية في 15 دقيقة فقط."

ويضيف ريس أن شركات كبيرةمثل مؤسسة "راندستاد"، إحدى أكبر المؤسسات في مجال الموارد البشرية، ومؤسسة "فرابورت" للنقل، وشركة "كونترول إكسبرت" لتقديم خدمات التأمين على المركبات، بدأت بالفعل في استخدام برنامج تحليل المقاطع الصوتية الذي تنتجه شركة بريساير.

صوتك يكشف عن شخصيتك

ويقوم ذلك البرنامج بفك شفرة الملف الصوتي الخاص بك، وتحليل المقطع الصوتي المسجل إلى 500 ألف جزء يحمل السمات الشخصية التي يُعبر عنها صوتك. وبعد ذلك، يُلغى ملفك الصوتي من جهاز الكمبيوتر مباشرة.

ثم تُقارن المعلومات الجديدة بالنتائج المسجلة مسبقا على جهاز الكمبيوتر، والتي جُمعت من عينة كبيرة من الناس قبل تصنيفها.

وأجريت دراسة حديثة، بتكليف من شركة بريساير، على ستة آلاف شخص، سُجلت لهم مقاطع صوتية، وخضعوا أيضا لاختبارات تقييم الشخصية التقليدية. ومن خلال هذه الدراسة، تمكّن الباحثون من تحديد أنماط لغوية محددة يُمكن ربطها بسمات شخصية معينة.

ويقول ريس إنه بينما يعد هذا البرنامج مثاليا لاختيار أفضل المرشحين للوظيفة، إلا أنه لا يُغني عن المقابلات التي تُجرى في النهاية بين الموظف ومسؤول التوظيف. ويعتقد ريس أن برنامج تحليل المقاطع الصوتية أفضل من غيره من الوسائل في تقييم مهارات التواصل لدى المرشحين للوظيفة، أو الموظفين الحاليين.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption تستخدم شركة "أي إف بي" لتقييم أساليب الإدارة بالشركات برامج طورتها شركة بريساير لتقييم وتدريب العاملين في مجال المبيعات والمناصب القيادية

وأضاف ريس: "يقارن برنامج بريساير تسجيلا صوتيا لأحد المرشحين، بسمات أخرى مستمدة من تسجيلات صوتية مسجلة لدينا لأفضل مندوبي المبيعات، وأفضل أصحاب المناصب القيادية، ليقيّم الشخص تقييما موضوعيا. وهذه المقارنة لا يمكن أن تجريها في رأسك، لأن البشر يغلّبون دوما انطباعاتهم الشخصية."

وتستخدم شركة "أي إف بي" لتقييم أساليب الإدارة بالشركات وتقديم الدعم اللازم لها، برامج طورتها شركة بريساير لتقييم وتدريب العاملين في مجال المبيعات، ولشغل المناصب القيادية، ولقياس مستويات التوتر والإجهاد لدى الموظفين.

ويقول رينر بيكر، المدير والشريك في شركة "أي بي إف"، التي تضطلع بأعمال التطوير والبحث التنفيذي في مدينة كولونيا، بألمانيا: "نتلقى تعليقات من المشاركين تنم عن الرضا والإعجاب بدقة تحليل الشخصية باستخدام برامج التحليل الصوتي التي تنتجها بريساير".

ويضيف بيكر: "لا توضح نتائجنا مواطن القوة والضعف في الشخصية فحسب، بل تمكننا أيضا من استنتاج توصيات سلوكية، من بينها كيف يُحسّن المشارك مهارات التواصل لديه؟"

ويتابع بيكر: "ومن بين مزايا هذا البرنامج أن الكمبيوتر يحلل الشخصية بشكل موضوعي، ولن يتأثر بالنوع الاجتماعي، ولا السن، ولا المظهر، أو غير ذلك من جوانب الشخصية".

ويقول ريس إن أداة التحليل الصوتي تجعل عملية البحث عن الوظيفة أسرع وأكثر ملاءمة للمتقدمين للوظيفة، ومن ناحية أخرى توفر الوقت والمال لأصحاب العمل.

وأضاف: "لاحظنا أن نحو 75 في المئة من مستخدمي برنامج 'بريساير' للتحليل الصوتي يجرون مقابلات شخصية مع الشركات بعد 24 ساعة فقط من تلقي رقم الهاتف والكود السري".

مخاطر محتملة

لكن ماتياس مارتنز، وهو خبير مهني، ومستشار في مجال إيجاد وظائف بديلة لمن فقدوا وظائفهم، ويعمل لدى شركة "مارتنز أند فريندز" بمدينة هامبورغ بألمانيا، يقول: "من وجهة نظر الموظف، أرى أن عيوب هذه الأداة تفوق مزاياها".

ويضيف مارتنز أن هناك احتمالات أن تساهم هذه الأداة في إضاعة الفرص على من لا يتقنون اللغة، أو أن يُغير البعض أسلوبهم في الحديث بهدف التلاعب في النتائج.

كما أنه يخشى أن يُستبعد الباحثون عن العمل الذين يرفضون أن يقدموا عينة صوتية لتحليل الجوانب الشخصية الخاصة بهم.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption هذه الوسائل التكنولوجية ليس من المفترض أن تحل محل الأشخاص بشكل كامل

ويستطرد مارتنز: "لن تجد أحدا في أي شركة يُقر بصحة هذه المخاوف، بل سيقولون دوما إن الشركة لن تفرض على المرشحين تقديم تسجيل صوتي".

ويضيف: "في الحقيقة، تبحث الشركات التي تستخدم هذه الوسائل عن أشخاص لديهم ميول وأفكار ابتكارية، وحب استطلاع، وانفتاح على التغيير التكنولوجي".

ويتابع مارتنز: "وإذا رفض أي شخص أثناء عملية التوظيف أن يخضع لاختبار التحليل الصوتي، إما بداعي الخوف أو التشكك، فسوف تقرر الشركة أنها لن تضيع المزيد من الوقت معه، وستجد من الأسباب ما يبرر رفضها لهذا الموظف".

ويضيف مارتنز: "أعتقد أنه من المهم أيضا تقييم نتائج تحليل العينة الصوتية لمن يقررون أن يخضعوا للاختبار، وأن يقوم متخصصون مدربون في مجال الموارد البشرية، أو مختصون نفسيون، بتفسيرها، وتعريف طالب الوظيفة بنتائج الاختبار مع تقديم ملاحظاتهم عليها بكل صراحة".

ويتابع مارتنز: "أخشى أن يتراخى فريق الموارد البشرية الذي لم يتلق التدريب الكافي في عمله ويعتمد على تلك الوسائل التكنولوجية، ومن ثم تنعدم ثقته في مهاراته التحليلية، إلى أن تتولى الآلة اتخاذ القرارات بدلا منهم تدريجيا".

يقول دكتور أليساندرو فينسياريلي، الخبير بعلوم الحاسب الآلي والعلوم العصبية وعلم النفس بجامعة غلاسغو بالمملكة المتحدة، إن التحليل الصوتي لم يستخدم إلا في السنوات الخمس الأخيرة فقط.

وعلق فينسياريلي على دقة هذه الوسائل التقنية قائلا: "في الوقت الذي يمكن فيه أن نُعول على نصف النتائج التي يصدرها الكمبيوتر، فإن النصف الآخر سيحتاج إلى خبير لتحليلها. ولكن إجمالا، من الأفضل وجود خبير يقوم بهذا الأمر. فهذه الوسائل لا يُفترض أن تحل محل الأشخاص، بل الهدف منها أن تساعد أصحاب المهن وتدعمهم".

ويشير فينسياريلي إلى أن هذه الطريقة مناسبة لاختيار الموظفين في المهن التي تتضمن تفاعلا مع الآخرين.

ويضيف: "يمكنك أن تكشف عن مدى تجاوب الشخص وتفهّمه للآخرين، وتقيّم مدى طلاقة لسانة، وهدوئه عند التعامل مع الآخرين، ويمكن أيضا اختبار قدرة الفرد على التواصل في الوظائف البسيطة، مثل العمل في مراكز الاتصال، بالاستعانة بهذه الوسائل".

ويتابع فينسياريلي: "حتى الآن تستند عمليات التوظيف على السير الذاتية، وبالتالي لا تخلو من الانحياز للجامعات المرموقة والخبرات السابقة المناسبة".

ويضيف فينسياريلي: "ربما يتغاضى التحليل الصوتي باستخدام الكمبيوتر عن هذه المؤثرات، وربما يزيد من فرص الناس الذين لم يتمكنوا، لسبب أو لآخر، من اتخاذ الخطوة المثلى في مرحلة ما من حياتهم المهنية".

ويختتم فينسياريلي بأنه يخشى أن يعتمد المسؤولون عن التوظيف على النتائج المستقاة من هذه الوسائل فحسب، وأن يستغنوا عن غيرها من الطرق.

وأضاف: "لا مانع من استخدام هذه الوسائل، لكن شريطة ألا تعتمد عليها اعتمادا كليا. بل عليك أن تستخدمها بحرص وبلا إفراط".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

المزيد حول هذه القصة