جولة في عالم عروض الزواج المُتْرَفة

زهور يحملها محبوبان مصدر الصورة Thinkstock
Image caption لا يمانع البعض في إنفاق عشرات الآلاف من الدولارات من أجل تهيئة أجواء ساحرة تحيطه خلال تقدمه بعرض للزواج من محبوبته

بوسع من لا يمانع في إنفاق عشرات الآلاف من الدولارات أو أكثر من أجل تهيئة أجواء ساحرة ومختلفة تحيطه خلال تقدمه بعرض للزواج من محبوبته الاستفادة من خدمات قطاعٍ تجاري ناشيء يحقق نموا متسارعا حالياً.

بين جدران مسرحٍ تاريخي في لندن ووسط المنحوتات الحجرية والنوافذ الزجاجية التي تزينها الألوان وبريق المصابيح الكهربائية الصغيرة الملونة، عكف الممثلون على التدرب على أدوارهم في مشهدٍ غراميٍ من مسرحية "روميو وجولييت".

ولم يكن الجمهور الحاضر سوى أماندا لينش، تلك الفتاة العاشقة لأعمال شكسبير والتي قَدِمتْ من جزيرة "لونغ آيلاند" التابعة لولاية نيويورك الأمريكية لقضاء عطلة في العاصمة البريطانية.

فقد غادر حبيبها أندرو سميث المكان قبل وقت قصير، تاركاً إياها تجلس وهي معتقدة أنها تمضي الوقت قبل الالتقاء بأصدقائها على العشاء. لكنها لم تكن تعلم بأنها البطلة الحقيقية لعرض يوشك أن يبدأ في ذلك المكان، بخلاف ذلك الذي يتدرب عليه الممثلون أمامها.

وبغتةً، ظهرت جوقة موسيقية مصغرة تضم أربعة عازفين على آلاتٍ وترية، وطفقت جوقة منشدين في الغناء، وعاد أندرو ليأخذ يدها في يده قائلاً: "بكل صراحة؛ لم أحسب قط أنني سأجد شخصاً مثلك.. لا استطيع تصور أن أحيا دون حبك الذي تمنحينني إياه دون شروط". ثم جثا على إحدى ركبتيّه ليسأل: "هل تقبلين الزواج مني؟".

بعد ثوانٍ قليلة، كان خاتم ماسي يتألق مُطوقاً أصبع أماندا، بينما أخذت هي في قراءة مُعلقاتٍ مفعمة بالحب والهيام نَظَمَها لها أندرو، قبل أن تقول وهي ترتجف من فرط المشاعر والانفعالات: "لا توجد طريقةٌ أروع من ذلك للتقدم بعرض للزواج".

مجال تجاري جديد

استغرق إعداد هذه الأجواء شهريّن من التخطيط، وكذلك الاستعانة بفريق عمل مؤلف من 25 شخصاً، بمن فيهم شخصان مسؤولان عن الرقصات والموسيقى.

مصدر الصورة Andrew Smith
Image caption اللحظات الأولى لارتباط أندرو وأماندا في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 في لندن، وذلك بعدما تقدم لها الشاب بعرضه للزواج في "أجواء روميو وجولييت"

وقد وُضِع هذا السيناريو ومُثِلَ في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015، على يد شركة "ذا وان رومانس" في لندن، والتي تتخصص في تنظيم مثل هذه العروض التمثيلية التي تصاحب تقديم عروض الزواج. وبلغت تكاليف ذلك العرض نحو 4 آلاف دولار أمريكي.

لكن هذه الأموال لم تذهب هباء في نظر أندرو (32 عاماً)، الذي يعمل نائبا لرئيس أحد أقسام شركة متخصصة في تجديد المنازل وإعادة تصميم ديكوراتها الداخلية. فقد قال الشاب إنه لن يتردد في أن يكرر ما حدث ثانيةً، نظراً لأنه يستحق كل ما أُنفق عليه "مئة في المئة".

وأقر أندرو، وهو الأصغر بين خمسة أشقاء، بأن إقدامه على هذه التجربة لم يخل من رغبة في التفوق على أشقائه، الذين تقدم أحدهم بعرضه للزواج من محبوبته في برج إيفل بباريس، بينما أقدم آخر على هذه الخطوة في مركز "روكفللر" بمدينة نيويورك، الذي يشكل منذ عام 1987 معلماً وطنياً في الولايات المتحدة.

وقال الشاب: "أنا آخر من تقدم بعرض خطبة (بين أشقائي).. اتسم بأنني طموحٌ ومشاكسٌ ومتحمسٌ قليلاً من جهة، وكذلك أميلُ للتخطيط بشكلٍ ما من جهة أخرى. لا أحب أن أقوم بالأمور عشوائياً".

ويُعد أندرو سميث واحداً من بين مجموعة كبيرة ومتزايدة من طالبي الزواج الذين يستعينون بخدمات شركات متخصصة في تهيئة أجواء مختلفة ومتنوعة تحيط بأهم عرض في حياتهم، وهو عرض الزواج.

ويشكل توفير هذه الخدمات نشاطا تجاريا جديدا نسبياً في إطار قطاع تقديم الخدمات الخاصة بالأعراس، الذي بلغت قيمته السوقية العام الماضي في الولايات المتحدة وحدها نحو 72 مليار دولار.

ووفقا لشركة "آي بي آي إس وورلد" لأبحاث السوق، يشكل نصيب الشركات المتخصصة في إعداد الترتيبات المتعلقة بالتقدم بعروض الزواج قرابة 1.2 مليار دولار من هذا المبلغ.

سوقٌ آخذةٌ في النمو

ومن العاملين في هذا المجال، ميشال فلاسكز التي أسست مع زوجها مارفين عام 2010 في مدينة لوس أنجليس الأمريكية شركة "ذا هارت بانديتس" المتخصصة في ترتيب أجواء التقدم بعروض الزواج.

مصدر الصورة ApoteoSurprise.com
Image caption تشكل مركبة "سندريلا" التي تجرها الجياد أحد أكثر الخيارات التي تلقى إقبالاً من قبل عملاء شركة "أبوتيو سوربريز" في باريس

وتقول هذه السيدة إن هذا النشاط بدأ كخدمة إضافية توفرها الشركات المتخصصة من الأساس في التحضير للأعراس وتنفيذها. وبعد تعامل شركتها وزوجها مع أكثر من ألفي عميل، تقول فلاسكز إن هذا النشاط متنامٍ "بلا ريب .. وتصلنا رسائل بريد إلكتروني من أُناسٍ من مختلف أنحاء المعمورة، طلباً لنصيحتنا" حول كيفية البدء في إنشاء شركة تقوم بالنشاط نفسه في مناطقهم.

وغالبية العملاء من الرجال، فمن النادر أن تبادر امرأة بالتقدم بعرض للزواج من الرجل الذي تحبه؛ حتى في السنوات الكبيسة التي تشكل في نظر بعض الثقافات الوقت الملائم للنساء للإقدام على هذه الخطوة. أما المثليون فيمثلون نحو 10 في المئة من العملاء، حسبما تقول فلاسكز.

وشهدت نيويورك يوماً ما تنفيذ التصور الأكثر تعقيداً الذي ابتكرته شركة "ذا هارت بانديتس" لعميلٍ يرغب في التقدم بعرض للزواج. ففي حديقة على سطح أحد المباني، كانت هناك العديد من المفاجآت بانتظار العروس، التي لم تكن تعلم شيئاً عما يُحضّر لها.

من بين هذه المفاجآت؛ تصميمٌ زخرفيٌ متماسك مؤلفٌ من حروف أبجدية متداخلة مع بعضها البعض يقبع في قاع حوض للسباحة، وأغصان وأفرع من نبات السحلبية يصل طولها إلى تسعة أقدام (2.74 متر) لتشكل ديكوراً لمشهد التقدم بعرض الزواج، بجانب هدية عبارة عن حذاء يحمل علامة "مانولو بلاهنيك" التجارية الشهيرة.

وبلغت تكاليف هذه الترتيبات، التي شملت كذلك أمورا أخرى من بينها فرقة موسيقية رباعية، ووجبة احتفالية للأصدقاء، قرابة 52 ألف دولار.

وتقول ميشال فلاسكز: "أحب فكرة أنني أُبعد الضغوط والتوترات عن كاهل العميل، وأنني أتيقن من أنه بكامل تألقه، في اللحظة التي يكون فيها أضعف من أي وقت مضى؛ جاثياً على إحدى ركبتيّه ومُتقدماً بعرضه" للزواج.

وإذا انتقلنا إلى شركة "ذا وان رومانس"، التي تأسست في لندن أواخر عام 2014، فسنجد أن مؤسستيّها الأختين تيفاني وأماندا تعاملتا منذ ذلك الحين مع نحو ألفي عميل.

مصدر الصورة Brian Leahy Photography
Image caption أنشأ الزوجان مارفين وميشال فلاسكز شركة "ذا هارت بانديتس" عام 2010 للعمل حصرياً في مجال إعداد الترتيبات الخاصة بالتقدم بعروض الزواج

وتقول تيفاني إن غالبية هؤلاء العملاء يعملون في وظائف مرموقة وذات نفوذ ويعانون من محدودية وقت الفراغ المتاح لهم. وتضيف بالقول إنهم مستعدون "للأفكار الرومانسية الرائعة والمجنونة، ولكن ليس لديهم وقتٌ للعمل الشاق" اللازم لتنفيذ هذه الأفكار.

ورغم أن تكاليف الخدمات التي توفرها الشركة تبدأ عادةً من نحو 1248 دولاراً؛ فإن عميلاً دفع في إحدى المرات أكثر من 624 ألف دولار لإعداد ترتيباتٍ للتقدم بعرضه للزواج، تضمنت حضور شخصية شهيرة، ومشاركة 700 مغنٍ.

الرغبة في التباهي أمام الآخرين

وتشكل الرغبة في نشر اللحظات المُصاحبة للتقدم بعرض الزواج عبر شبكة الإنترنت سبباً إضافياً للإقبال على هذه الخدمات المستحدثة، بجانب الحب الجارف بطبيعة الحال.

وهنا تقول تيفاني إن مواقع التواصل الاجتماعي أذكت بالقطع المنافسة بين طالبي الزواج، وذلك في ما يتعلق بالطريقة التي سيتبعونها في هذا الشأن.

ولكن ألا تشكل الاستعانة بشركةٍ للتخطيط لكيفية التقدم بعرض الزواج أمراً بلا طابعٍ رومانسي ولو قليلاً؟ هكذا طرحنا السؤال على تيفاني التي أجابت بالقول إن متطلبات شركتها وشقيقتها من العميل تجعله يبذل جهداً كبيراً بحق.

وأوضحت بالقول: "هناك استمارة طويلة يتعين عليه ملؤها، تتضمن أسئلةً مثل `أين ذهب ومحبوبته في أول موعدٍ اتفقا على الالتقاء فيه؟`، ومتى كانت المرة الأولى التي قال فيها (كلٌ منهما) `أحبك` للآخر. يتعين على العملاء الإجابة بكل شفافية وصدق".

وتضيف قائلة إن عملاء الشركة يشعرون بحماسة شديدة "بمجرد أن يروا الفكرة وهي في طور التبلور، ويبدؤون هم أنفسهم في اقتراح بعض الأمور".

ربما حان الوقت الآن لاستعراض تجربة أنتوني ويليامز - الذي يعمل في مجال تصميم مواقع الإنترنت والتسويق عبر الشبكة العنكبوتية - في هذا الصدد.

ففي مارس/آذار من العام الماضي، قرر ويليامز - ابن مقاطعة كنت بإنجلترا - مفاجأة محبوبته وقتذاك وزوجته حالياً دَمبي، بأن يتقدم للزواج منها على نحوٍ غير تقليدي وأمام حشدٍ من الناس.

وبدلاً من أن يجري الأمر في مكانٍ مفتوحٍ وعام، اقترحت تيفاني أن يتم خلال عرضٍ سينمائيٍ خاص بكل ما يشيعه ذلك من أجواء حميمية وعاطفية. فبعد تناول الغداء في فندقٍ على أحدث صيحة في منطقة كوفنت غاردِن بلندن، دُعيّ ويليامز ودَمبي من قبل العاملين في الفندق، لإلقاء نظرةٍ على فيلمٍ جديد. وفي دار السينما الفاخرة المُلحقة بالمكان، خفتت الأضواء، وبدأ الفيلم الذي كان بطله ويليامز البالغ من العمر 48 عاماً.

مصدر الصورة Sandra Reddin photography
Image caption أنتوني ويليامز وزوجته حالياً دَمبي خلال حضورهما العرض السينمائي الخاص، الذي شهد تقدمه بعرضه للزواج، ونظمته شركة "ذا وان رومانس" في لندن

وعلى الشاشة؛ قال الرجل بصوت جهوري: "هذه هي اللحظة التي صليت من أجلها طيلة عمري .. أن التقى بشريكة حياتي بأسرها، وأن تكون إنسانةً استثنائيةً بحق مثلك". وتواصل الفيلم، مُظهراً ويليامز وهو يمسك ببطاقاتٍ تسرد أسباب حبه لـ"دَمبي".

بعد ذلك، وبينما كانت القاعة تغص بالموسيقيين والمطربين؛ ممن أخذوا في عزف وغناء بعض الأغاني التي يؤديها المحبون تحت نوافذ محبوباتهم، نهض ويليامز من مقعده وتقدم بعرضه للزواج. وفي التسجيل المصور الذي أُخِذَ لهذه اللحظات، بدا وجه دمبي (33 عاماً) وقد اكتسى خجلا، في حين تألقت دمعة على وجنة ويليامز.

وعلّق ويليامز على ما جرى بالقول: "إنه لأمرٌ مثيرٌ للعواطف بشدة، أن تقوم بأمر كنت تنتظره، وأن يتجسد أمام ناظريّك بشكل حقيقي وملموس". وقد دفع الرجل نحو 6231 دولاراً من أجل تجسيد هذا الحلم على هذا النحو.

خيالٌ مُكلِف

وبرأي نيكولا غارو من شركة "أبوتيو سوربريز"، التي يوجد مقرها في باريس وتعمل في مجال ترتيب أجواء متنوعة للراغبين في التقدم بعروض زواج، يرتبط الأمر كله بخلق "تصورٍ خياليٍ رومانسي"، يمكن في إطاره مراكمة مشاعر؛ تبدأ بالترقب وتتطور حتى تصل إلى لحظة "ذروة عاطفية".

ومنذ عام 2006، وفر غارو خدماته لنحو 1600 عميل. ويقدم الرجل لعملائه 30 سيناريو مختلفاً لتصوراتٍ يمكن أن يُقدموا في إطارها عروض زواجهم. وتبدأ تكاليف تنفيذ هذه السيناريوهات من 290 يورو (308 دولارات)، وذلك بجانب استعداده لتنفيذ أي سيناريوهات أخرى يتم إعدادها بناء على رغبات العملاء أنفسهم.

ومقابل 19 ألفاً و900 يورو (أكثر من 21 ألف دولار)، يمكن للعميل ومحبوبته التجول في باريس داخل سيارة فارهة من طراز "رولز رويس كورنيش" يقودها سائق، قبل تناول وجبة غداء فاخرة في شرفة قصر مهيب يُطل على نهر السين.

عندئذ يتعالى هدير أربع طائرات تحلق فوق رأسيهما في تشكيلٍ جماليٍ، لتؤدي عرضاً جوياً أخاذاً يصل إلى ذروته مع ظهور قلب هائل الحجم على صفحة السماء، ترسمه تلك الطائرات بما تنفثه من دخانٍ أبيض اللون.

ويقول غارو إن من بين الخيارات الأكثر طلباً ذاك الذي يتكلف 1990 يورو (2118 دولاراً) ويتمثل في توفير مركبة تسمى "سندريلا" يجرها حصانٌ، ومعها حذاءٌ معدٌ من الشوكولاتة على مقاس قدم المرأة التي يرغب العميل في التقدم للزواج منها.

وتجوب المركبة بعد ذلك باريس، قبل تناول الحبيبين العشاء في الهواء الطلق، على متن قارب يجوب نهر السين. ويعتبر غارو أن عمله يستهدف جعل "النساء تبكين" من فرط التأثر. ولذا يقول: "أشعر بأنني فشلت بشكل أو بآخر إذا لم تنهمر الدموع".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Entrepreneurship.

المزيد حول هذه القصة