أمريكيون وبريطانيون ينتقلون إلى بلدان تناسب ميولهم السياسية

عائلة في المطار مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يفضل بعض الأشخاص الانتقال إلى بلدان أخرى للعيش فيها بسبب تغير السياسات في بلدانهم الأصلية

ينتقل العديد من الأشخاص للعيش في بلدان أخرى بسبب تغير السياسات في بلدانهم، لأنهم يريدون العيش في مكان يشعرون فيه بالراحة. وينطبق ذلك بشكل ملحوظ على مواطني بريطانيا والولايات المتحدة في الفترة الأخيرة.

في أوقات عدة، كان الأمريكي نك هيلمان يفتش في أرجاء البلدة التي يعيش فيها عن شخصٍ واحدٍ يشاركه نفس طريقة تفكيره.

وفي أغسطس/آب الماضي، بعدما أسفرت تصفيات انتخابات الرئاسة الأمريكية عن تحديد المرشحين النهائيين، دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، لم يكن هيلمان يؤيد أيا منهما، وقرر بعد ذلك هو وعائلته الرحيل عن ولاية إنديانا في الولايات المتحدة إلى مدينة فيكتوريا، عاصمة مقاطعة "كولومبيا البريطانية" في كندا.

وعندما أخبر عائلته وأصدقاءه عن نيته الرحيل، تساءل الكثيرون عما إذا كان ستيخلى عن وطنه.

يقول هيلمان عن وجهة نظرة في الانتقال إلى بلد آخر: "أنا ضد القومية إلى حد بعيد. كنا محظوظين أننا ولدنا على الجانب الأفضل من الخط المتخيَل الذي يرسمه بعض السياسيين على الخريطة (بين الشمال والجنوب). لكن كيف يجعلك ذلك مميزا؟"

لم يكن الانتقال صعبا بالنسبة لهيلمان من الناحية العاطفية، أو من حيث ترتيبات السفر والرحيل، فهو يعمل من البيت كمهندس مسؤول عن تصميم ألعاب الكمبيوتر لدى شركة "كيكساي" في سان فرانسيسكو.

ويقول هيلمان إن ما سيصبح وطنه الجديد في مقاطعة "كولومبيا البريطانية" في كندا يتوافق بشكل كبير مع ميوله السياسية اليسارية.

والانتقال إلى مكان آخر، تشعر فيه بالتوافق مع ميولك السياسية والطريقة التي ترغب أن تعيش بها، ليس فكرة جديدة. لكنها أصبحت أسهل بكثير في هذا العصر الذي يشهد سهولة في وسائل المواصلات، والتواصل، وتنتشر فيه شركات السفر في جميع أنحاء العالم.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بات من السهل حاليا الانتقال للعيش في مكان يوافق ميولك الفكرية والطريقة التي ترغب أن تعيش بها حياتك

وبعد تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأ بعض سكان البلدين، وبشكل غير معتاد، التفكير في الانتقال إلى بلدان أخرى، طبقا لما يقوله غرايس غارلاند، رئيس العلاقات العامة في موقع "موفهاب" الإلكتروني، وهو موقع متخصص في تقديم المشورة والمساعدة للأشخاص الذين يفكرون في الانتقال خارج بلدانهم.

وفي أعقاب هذه التطورات السياسية، شهد موقع "موفهاب" زيادة فورية في أعداد زائريه ممن يفكرون في الخروج من بريطانيا والولايات المتحدة.

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن ذلك الموقع وحده شهد زيادة قدرها ألف في المئة في أعداد الزائرين، الذين يطالعون صفحات تضم معلومات عن كيفية الحصول على الإقامة في دول الاتحاد الأوروبي، وزيادة قدرها خمسة آلاف في المئة في أعداد الباحثين عن الانتقال إلى كندا من عدة ولايات أمريكية، تشمل فرجينيا، وفلوريدا، ونيوجيرسي.

كما شهد الموقع زيادة ملحوظة في أعداد الأشخاص الذين يرغبون في أن تتواصل معهم شركات متخصصة في ترتيب إجراءات الانتقال للعيش في أماكن أخرى، مما يشير إلى أنهم يفكرون بشكل متزايد في الانتقال، أو يسعون بجدية لتغيير أماكن سكناهم.

وبعد تنصيب ترامب رئيسا للولايات المتحدة، على سبيل المثال، شهد موقع "موفهاب" زيادة قدرها 36 في المئة في أعداد الأمريكيين الذين يرغبون في الاتصال بشركات ترتيب إجراءات السفر والانتقال إلى الخارج.

ويقول غارلاند: "هؤلاء ليسوا مجرد باحثين عن العيش في الخارج أو حالمين به، بل يسعون عمليا لاتخاذ خطواتهم الأولى في ذلك".

وفي العادة، تبلغ نسبة من يشرعون في مفاوضات مع شركات ترتيب السفر والانتقال نحو 70 في المئة ممن يتواصلون مع هذه الشركات، لكن في الشهور الستة الأخيرة، بلغت تلك النسبة 85 في المئة، بحسب موقع "موفهاب".

وقد كشف الموقع أن غالبية هؤلاء كانوا يتطلعون للانتقال إلى بلدان تسود فيها أجواء سياسية أكثر تقدمية وليبرالية. واستجابة لذلك، أعد الموقع خريطة للعالم تُظهر بالتفصيل أكثر الدول انفتاحا وتحررا. ويأتي على رأس القائمة: آيسلندا، وفنلندا، والسويد، والنرويج، ونيوزيلندا.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption لم يعد الصراع بين العولمة والوطنية مجرد نقاش يدور بين الناس في مناسبات مختلفة

وقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان العديد من الناس يفكرون في مغادرة بريطانيا للعيش في أماكن أخرى في أوروبا للمحافظة على الشعور بأنهم أوروبيون، وليسوا فقط بريطانيين.

كانت البريطانية كلير فينويك، على سبيل المثال، تعتبر نفسها مواطنة أوروبية على الدوام، لذا، فقد غادرت لندن الخريف الماضي في إطار خطة أكبر للتأكد من أنه يمكنها الاستمرار في التحرك والسفر بحرية عبر القارة الأوروبية. وهي الآن تدرس الدكتوراة في جامعة ليدن في هولندا، ويدور موضوع بحثها حول "الهجرة في أوروبا".

وقد كتبت فينويك في رسالة بالبريد الالكتروني لـ "بي بي سي": "لا يتعلق الأمر كثيرا بالانتقال للعيش في مكان يُفكر فيه الناس كما أفكر، ولكن العيش في بلد يهتم فيه الناس بمفهوم التضامن مع الآخر. إذا كان الناس غير راضين حقا عن المسار السياسي في بلدانهم، فعليهم التفكير في الانتقال للخارج".

ليست السياسة وحدها

من السهل الاعتقاد أن أجواء الاستقطاب السياسي في كثير من البلدان في عالمنا اليوم هي السبب الرئيسي في رغبة الناس في الهجرة إلى أجل غير مسمى. لكن التوجه الذي نشهده في الآونة الأخيرة له علاقة أكبر بالتكنولوجيا، كما يقول جو بيبارد، الأستاذ في الكلية الأوروبية للإدارة والتكنولوجيا في برلين.

وقبل عقد من الزمان، كان الانتقال إلى بلد يتوافق مع قناعاتك السياسية والشخصية ونمط حياتك يعني أن تجد هناك وظيفة مكتبية أولا.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption في عصر التواصل عن بعد، وفي وقت تنتشر فيه الشركات على نطاق واسع حول العالم، بات من الأسهل الانتقال لبلد تشعر فيه بالراحة

لكن منذ 2005، تضاعفت أعداد الأشخاص الذين يعملون من البيت، طبقا لموقع "غلوبال وركبليس أناليتكس"، المعني بتحليل بيانات أماكن العمل على مستوى العالم.

فموظفو الشركات التي تندرج في قائمة "الألف شركة الأوفر حظا" حول العالم يقضون الآن نصف وقتهم في المتوسط بعيدا عن مكاتبهم. وتتسابق الشركات حول العالم من أجل توظيف قوى عاملة تعمل عن بعد، ولا تلتزم بالضرورة بدوام مكتبي كامل.

وتتراجع الحواجز التي تحول بين الموظفين وبين رغبتهم في الانتقال إلى بلدان لا يؤثر الانتقال إليها على أعمالهم أو وظائفهم. فلو أنك رغبت في مغادرة ألمانيا رفضا لقوانين الهجرة فيها، أو في الخروج من اليونان بسبب إجراءات التقشف، ولديك الوسائل التي تمكنك من فعل ذلك، ربما يكون ذلك الآن أسهل من أي وقت مضى.

ويقول بيبارد: "من الممكن أحيانا أن تفرض شروطك". ويضيف أنه لا تتوافر معلومات كافية، خاصة في الغرب، عن عدد الشركات أو الموظفين الذين يرغبون في الانتقال لأسباب سياسية أو أخلاقية على مدى السنوات القليلة القادمة.

وتابع بيبارد أن السجال الدائر حول العولمة يجعل بعض البلدان أكثر انغلاقا، وبعضها الآخر أكثر انفتاحا. وربما كان ذلك مجرد كلام أكثر منه وقائع، أو ربما يكون ذلك بداية لتوجه عالمي جديد.

ويضيف بيبارد: "باتت التكنولوجيا تعني أن الناس أصبحوا غير ملتصقين بمكاتبهم بالصورة التي كان عليها الحال في السابق".

ويقسّم بيبارد، وهو أيرلندي الأصل، وقته للتعلم حاليا في كل من ألمانيا وأستراليا، ويقول: "إن ما أحدثته التكنولوجيا أدى إلى تغير كامل في مفهوم الحدود الفاصلة".

وبينما ينتقل البعض إلى بلدان أخرى سعيا وراء انسجام شخصي أفضل، فإن آخرين يرفضون عقود عمل في الخارج للأسباب ذاتها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption كثر الحديث عن مغادرة مواطنين أمركيين لبلادهم خلال أكثر انتخابات أمريكية مشحونة بالتوتر في تاريخ البلاد، بين ترامب وكلينتون

وترى ميشيل ريلي ذلك الأمر بصورة متزايدة، بحكم عملها كمديرة لشركة "6CATS" لإدارة وتوثيق العقود في لندن، والتي تعمل بشكل مكثف حاليا في الشرق الأوسط.

وتقول ريلي إن طريقة التفكير هذه تبرز بشكل أكبر لدى الموظفين الأمريكيين الذين يفكرون في الانتقال إلى بلدان الشرق الأوسط، بما فيها الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية.

فقد عبر بعض المتعاقدين المحتملين مع الشركة عن قلقلهم من أن محاولات الولايات المتحدة الحالية لمنع المهاجرين من سبعة بلدان ذات غالبية مسلمة ستجعلهم غير مرغوب فيهم عندما يسافرون لبلدان عربية.

وفي الآونة الأخيرة، صادفت ريلي حالات رفض فيها موظفون عقودا للعمل لهذه الأسباب. والكثير من هؤلاء الموظفين وافدون موسميون قضوا وقتا طويلا في الخارج، كما تقول.

وتضيف: "كان من المقبول على نطاق واسع ومنذ فترة طويلة، أن يسافر الناس حول العالم طلبا للرزق، لكن يبدو أن ذلك يتلاشى. نحن نشهد تغيرات كبيرة في طريقة تفكير الناس تجاه الانتقال إلى بلدان جديدة".

في الواقع، سيكون أغلب المهاجرين مرحبا بهم على مستوى العالم، فغالبية الشعوب في بلدان العالم لا تمانع قبول وافدين جدد كمواطنين، طبقا لدراسة جديدة صادرة عن مركز "بيو" للأبحاث.

ويعتقد الناس في غالبية البلدان أن المهاجرين إليها يمكن أن يصبحوا مواطنين في تلك البلاد بمرور الوقت، شأنهم شأن من ولدوا فيها.

وتفكر ريلي في الانتقال من المملكة المتحدة قبل أن تدخل قوانين انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، خشية أن تصبح الأمور معقدة بالنسبة لشركتها فيما يتعلق بالعمل في بلدان الاتحاد الأوروبي، إلا إذا انتقلت هي إلى إحدى هذه البلدان.

وبالنسبة إلى ريلي، تتصدر كل من أيرلندا و أسبانيا قائمة البلدان التي تتفوق فيها معايير العولمة على معايير القومية. وتقول ريلي: "خيارنا الأول هو أيرلندا، بسبب عدم وجود حاجز اللغة، لكن أسبانيا بالتأكيد تتميز بجوها المشمس أكثر".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

المزيد حول هذه القصة