مرضى الإيدز يواجهون تمييزا داخل أماكن العمل

أشخاص يشعلون الشموع في اليوم العالمي للإيدز مصدر الصورة Getty Images
Image caption يواجه المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية المسبب لمرض الإيدز تمييزا ضدهم في بيئة العمل

لا يزال العاملون المصابون بفيروس نقص المناعة المكتسبة "إتش آي في" يجدون فرص عمل أقل، بالرغم من القوانين، وبرامج التثقيف الشامل الداعمة لهم. فما هي الأسباب وراء هذا التمييز ضدهم؟

عندما أخبر تشانس كوكس رئيسه في العمل بأنه مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة (المسبب لمرض الإيدز) لم يتوقع أبداً أن يفقد وظيفته لهذا السبب.

كان كوكس عاملا مكلفا بتشغيل آلات الانتاج في شركة "غريغوري باكيجينغ" وهي منشأة لتصنيع وتعبئة عصير الفواكه في ولاية جورجيا الأمريكية. وجد كوكس نفسه وسط شائعات كاذبة تقول إنه مصاب بنرض جلدي، له علاقة بمرض متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).

وكانت اصابته بتلك الحالة الجلدية بسيطة، غير أن النميمة بين زملائه في العمل أثارت مخاوف لا أساس لها من الصحة، عن احتمال نقله لفيروس "إتش آي في" لموقع العمل. لذا، قرر كوكس أن أفضل طريقة لوضع حد لتلك النميمة، هي الإقرار لدى المدير بأنه يحمل بالفعل ذلك الفيروس.

لم تكن حالته تؤثر على أدائه الوظيفي مطلقا، لذا أحس كوكس أن وظيفته مضمونة. رغم ذلك طردته الشركة من العمل، مستندة على لوائح حكومية تتعلق بصحة الأغذية، وسلامتها من الأمراض المُعدية.

كان كوكس يدرك أنه لم يكن يشكل خطورة على أي شخص، لذا قدم شكوى لدى "لجنة تكافؤ فرص العمل" الأمريكية. ورفعت اللجنة دعوى قضائية ضد الشركة لانتهاكها "قانون احاية الأمريكيين من ذوي الاحتياجات الخاصة" الذي يحمي المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية من التمييز في المعاملة.

وانتهت الدعوى في نهاية المطاف، بدفع تعويضات قدرها 125 ألف دولار أمريكي لكوكس. إضافة إلى ذلك، وافقت شركة "غريغوري باكيجينغ" على تدريب العاملين لديها على عدم التمييز في المعاملة بسبب الإعاقة، في موقعها في ولاية جورجيا.

وقال كوكس عند الوصول إلى تسوية القضية في عام 2015: "سعدت لثباتي على موقفي، وآمل أننا قد أوصلنا رسالة تمنع الآخرين، من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، من مواجهة الفصل الجائر من العمل الذي واجهته شخصيا".

ومن المؤسف أن التمييز ضد الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية لا يزال مستمراً. ويقدر عدد المصابين بهذا الفيروس، ممن يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، وتزيد أعمارهم عن 13 سنة، بنحو 1.2 مليون شخص.

أما شكاوى التمييز في المعاملة، والمقدمة سنوياً إلى "لجنة تكافؤ فرص العمل" في الولايات المتحدة، فتصل إلى قرابة 200 شكوى في السنة، وأقيمت العام الماضي فقط 220 دعوى قضائية في هذا الشأن.

وتقدّر المنظمات المختصة بفيروس نقص المناعة المكتسبة، ومرض الإيدز الناجم عنه، معدل البطالة لدى المصابين بهذا الفيروس عالمياً، بما يصل إلى ثلاثة أضعاف معدل البطالة في أوطانهم.

وفي دراسة أجرتها "الشبكة العالمية للمصابين بفيروس إتش آي في"' في عام 2012 في تسعة بلدان، ذكر العديد ممن شاركوا في تلك الدراسة من حاملي هذا الفيروس، أنه رُفض توظيفهم بسبب إصابتهم بالفيروس.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تقدم بعض الشركات فحوصات مجانية لموظفيها وبرامج متابعة للرعاية الصحية

وقد واجه المشاركون في الدراسة، ممن كان رؤسارهم في العمل أو رب العمل أو زملائهم يعلمون بأنهم يحملون هذا الفيروس، من ماليزيا، وزامبيا، ونيجيريا، وكينيا، أكثر أنواع التمييز في العمل.

وحتى هذه اللحظة، يواجه العاملون في ماليزيا أكثر حالات التمييز في المعاملة، إذ ذكر أكثر من نصف المشاركين في الدراسة هناك، أن أرباب العمل أو زملاءهم عاملوهم بشكل مختلف.

يقول الخبراء إن ذلك التمييز في المعاملة هو أحد الحواجز التي تحول دون تقليل مستوى الاصابة بفيروس نقص المناعة البشرية.

ويقول أفسار سيد محمد، الاختصاصي التقني الأول في برنامج "فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز" لدى منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة بجنيف: "يتجنب الكثيرون فحوص الدم، بسبب وصمة العار الملازمة لحمل فيروس نقص المناعة البشرية، ومخافة فقدانهم لوظائفهم، أو عدم الحصول على وظيفة تقدّموا إليها".

يتجنب بعض أرباب العمل توظيف حاملي فيروس نقص المناعة المكتسبة، لأنهم يخشون أن تكون نفقات التأمين مكلفة للغاية، وأن هؤلاء العاملين غالباً ما سيتغيبون عن العمل لأسباب صحية، وأنهم قد يتسببون في شعور بعدم ارتياح لدى بقية الموظفين.

وفي استطلاع للرأي في الولايات المتحدة أجرته مؤسسة "كايزر فاميلي فاونديشن" وصحيفة واشنطن بوست عام 2012، قال خُمس الأمريكيين إنهم سيشعرون بعدم ارتياح، إذا ما عملوا مع شخص حامل لفيروس نقص المناعة المكتسبة، أو شخص مصاب بمرض الإيدز.

وقال 26 في المئة من الأمريكيين إنهم سيشعرون بعدم ارتياح إذا كان مدرس أحد أبنائهم حاملا للفيروس، وعبر 44 في المئة عن نفس الشعور إذا كان طعامهم سيعده شخص حامل للفيروس.

ويقول كريستوفر كووجينسكي، مساعد المستشار القانوني لدى لجنة تكافؤ فرص العملا الأمريكية: "أحياناً تقول بعض الشركات إنها ستفقد قسماً من زبائنها، إذا ما اكتشفوا أن أحد العاملين في الشركة، ممن يتعامل مع الزبائن، يحمل فيروس نقص المناعة المكتسبة".

ويضيف كووجينسكي: "وبالطبع لا يشكل هذا أساساً قانونياً للتمييز في المعاملة".

وغالباً ما يعكس التمييز في المعاملة والإساءة إلى السمعة مفاهيم خاطئة، ومخاوف غير مبررة، تجاه حاملي فيروس نقص المناعة البشرية، إضافة إلى النفور غير العقلاني من المثليين من الرجال بالتحديد.

ويقول ياهير زافاليتا، وهو من النشطاء في مجال الدفاع عن حاملي فيروس نقص المناعة المكتسبة في المكسيك: "تكمن وصمة العار الملازمة لحمل فيروس نقص المناعة البشرية في افتراض الناس أن حاملي هذا الفيروس هم مثليو الجنس، ومنحلّون أخلاقياً".

ويضيف: "لا يزال الكثير من التمييز في المعاملة موجوداً في المكسيك بسبب التقاليد الذكورية، ووجهات النظر المعادية للمثليين".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تساعد إحدى عضوات مؤسسة "تحالف الأعمال العالمية لمكافحة فيروس إتش آي في" في توعية العاملين بشركة "آي-إينرجايزر" في الهند

ولا يزال البعض يعتقد خطأً أن فيروس نقص المناعة البشرية ومرض الإيدز، يؤديان حتماً إلى الوفاة، بالرغم من التقدم الطبي وحقيقة أن عدد الوفيات المرتبطة بمرض الإيدز، قد انخفضت بنسبة 45 في المئة، منذ الذروة التي وصلتها في عام 2005، وذلك استناداً إلى برنامج الأمم المتحدة المشترك، لفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز.

وقد سُجِّلت أولى حالات الإصابة بمرض الإيدز قبل أكثر من 35 عاماً، ومع ذلك فإن الكثيرين لا يعرفون كيفية انتقال فيروس نقص المناعة المكتسبة.

ويعتقد 30 في المئة من البالغين في المملكة المتحدة، أن بإمكان الفيروس أن ينتقل عبر استعمال نفس فرشاة الأسنان، بينما يعتقد 20 في المئة أنهم يمكن أن يصابوا بالفيروس عن طريق التقبيل.

جاء ذلك في استطلاع للرأي لأكثر من ألفي شخص في العام المنصرم، أجرته مؤسسة "تيرينس هيغينز ترست" وهي منظمة تُعنى بتقديم الخدمات الصحية الجنسية، وما يتعلق بفيروس نقص المناعة المكتسبة في المملكة المتحدة.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، توصلت الدراسة التي أجرتها مؤسسة "كايزر فاميلي فاونديشن" لعام 2012، إلى أن 27 في المئة من الناس لم يعلموا أن الفيروس لا ينتقل باستعمال كأس الماء نفسه، بينما لم يعلم 17 في المئة إنه لا يمكن انتقال العدوى إليهم بمجرد لمس مقاعد المرافق الصحية التي يستخدمها المصابون بالفيروس.

ويسود التمييز في المعاملة بشكل خاص في شركات الرعاية الصحية، وشركات إعداد الأطعمة. فعلى سبيل المثال، وافقت شركة للرعاية الصحية في تكساس، خلال الشهر الماضي، على تسوية مالية قدرها 70 ألف دولار أمريكي، بعد إقامة دعوى ضدها لطردها مساعد ممرض، يحمل فيروس نقص المناعة المكتسبة.

وذكر المحامون في دفاعهم أن مهام عمله الرئيسية، بما فيها إطعام المرضى أو مساعدتهم في الاستحمام، لا تشكل أية مخاوف تتعلق بانتقال الفيروس.

وتحدث أمثال هذه المعاملة السلبية في أنواع أخرى من الشركات والمؤسسات أيضاً. ففي الصين نجح أحد المتقدمين لشغل وظيفة مدرس في أداء امتحان التأهيل المطلوب، ولكنه مُنع من شغل تلك الوظيفة عندما كشف فحص صحي، يُجرى للمقبولين قبل التعيين، أنه حامل لفيروس نقص المناعة المكتسبة.

وأقام ذلك الشخص دعوى ضد دائرة التعليم المحلية، وانتهت القضية بحصوله على مبلغ 45 ألف يوان (6,538 دولار أمريكي) كتعويض.

وفي اليونان، أقيمت دعوى ضد شركة لتصنيع المجوهرات بعد فصلها أحد العاملين بسبب حمله لفيروس نقص المناعة المكتسبة. وقد أخطأ ذلك الرجل بإخبار أحد زملائه العاملين معه بحالته تلك، مما جعلهم يطلبون على الفور فصله من الوظيفة.

مصدر الصورة STR
Image caption تنصح عدة مؤسسات مهنية العاملين باستشارة محامٍ قبل الكشف عن حملهم للفيروس في أماكن العمل

واستقدمت الشركة طبيباً مختصاً بالصحة المهنية ليحاول تهدئة روع العاملين من خلال توعيتهم بطرق انتقال فيروس نقص المناعة المكتسبة في أماكن العمل، ولكن ذلك لم يهديء من مخاوفهم.

وفي نهاية المطاف، استسلم المديرون لضغوط العاملين المتزايدة وفصلوا الموظف من الشركة.

وأقام الموظف دعوى قضائية ضد الشركة، انتهت بكسب القضية في عام 2013، عندما قررت المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان، أن فصله من الوظيفة جاء مخالفاً لمادتين من مواد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان وهما: حق احترام الحياة الخاصة والعائلية، وحظر التمييز في المعاملة.

ويقرر بعض العاملين، من أمثال تشانس كوكس، الكشف عن حالتهم فيما يخص حملهم لفيروس نقص المناعة المكتسبة، وذكرها لأرباب العمل، ولكن يتضح أن ذلك محفوف بالمخاطر.

"لا نشجع العاملين، ممن يحملون فيروس نقص المناعة البشرية، على الكشف عن حالتهم لأرباب العمل"، حسبما يقول سكوت تشوّيتس، وهو محامٍ ومدير لمشروع فيروس نقص المناعة المكتسبة لدى منظمة "لامبدا ليغال" الأمريكية، والتي تركز عملها على حماية الحقوق المدنية للأشخاص المثليين.

وتنصح المنظمة العاملين باستشارة محامٍ قبل الكشف عن حملهم للفيروس في أماكن العمل، آخذين في الاعتبار استمرار التمييز في المعاملة، والنقص الكبير في المعلومات الصحيحة حول ذلك الفيروس.

"أعتقد أن القلة القليلة من الناس كشفت عن حالتها في أماكن العمل، فيما يخص حملهم لفيروس نقص المناعة المكتسبة"، حسب قول رايتشيل روبين، مساعدة مدير مؤسسة "آوت آند إيكول ووركبليس أدفوكيتس".

وتضيف روبين: "نسمع منذ 15 عاماً عن أناس قولهم علانية إنهم مثليّون، ولكنهم لن يذكروا مطلقاً في أماكن عملهم أنهم يحملون فيروس نقص المناعة المكتسبة."

يمكن، عموماً، للعاملين أو المتقدمين لشغل وظيفة ألا يكشفوا عن حالتهم فيما يخص حملهم لفيروس نقص المناعة المكتسبة ما لم تشكل في الواقع خطورة على السلامة، أو عند طلبهم الحصول على "ترتيبات معقولة"، مثل تغيير منهاج العمل لغرض حضور موعد فحص طبي، أو فترات راحة أكثر، أو للحصول على الأدوية.

ويقول تشوّيتس: "توجد فئات محدودة جداً من المهن والوظائف، مثل جراحة الصدر، التي يمكن أن تشكل مخاطر على السلامة".

ويضيف: "لا يجب أن تكون المعايير الحقيقية متعلقة بوجود الدم فقط، بل أيضاً وسيلة انتقاله إلى جسم الشخص غير المصاب بالفيروس. فتلك الظروف نادرة للغاية".

في أيامنا هذه، لا يرى تشوّيتس أمثلة صارخة عديدة على التمييز في المعاملة تجاه من يحملون فيروس نقص المناعة المكتسبة. أما عندما يتعلق الأمر بمعرفة كيفية انتقال عدوى هذا الفيروس، حسب قوله: "لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

المزيد حول هذه القصة