صدمة الصينيين من ثقافة العمل في الغرب

صدمة الصينيين من ثقافة العمل في الغرب مصدر الصورة iStock

عندما انتقلت شانشان تشو من مدينة كونمينغ الصينية إلى هولندا قبل خمس سنوات، كانت تسعى إلى أن تعيش تجربة الثقافة الغربية.

توقعت تشو أن يكون العمل في أوروبا مختلفا عنه في الصين، لكن ما لفت نظرها بشكل خاص هو أن الناس في الصين يأخذون قسطا من الراحة خلال ساعات العمل قد يمتد إلى ساعتين، يذهبون خلاله معا إلى المطاعم، ويتسلل بعضهم إلى البيت ليأخذ إغفاءة سريعة، بينما هنا في الغرب، من الطبيعي أن تكون فترة الراحة نصف ساعة، تكفي بالكاد لالتهام شطيرة وقت الغداء.

تأقلمت تشو مع فترة الغداء القصيرة وهي سعيدة بذلك في عملها كمترجمة في شركة بيانات عالمية، لكنها تقول: "لدي أصدقاء في بلدي لا يستطيعون مواصلة حياتهم دون أخذ قيلولة. لا أظن أنهم يستطيعون التعايش مع ثقافة العمل هنا".

وفي الوقت الذي تحذر فيه وسائل الإعلام الغربية من الصدمة الثقافية التي تنتظر الغربيين في الصين، فإنه لا يوجد مثل هذا التحذير من الجانب المقابل. لكن مع تزايد أعداد الصينيين الذين يتوجهون للعمل أو الدراسة في الغرب، هناك الكثير من الأمور التي يجدونها صادمة لهم.

ومع انتقال المزيد من الشركات الصينية للخارج، جالبة معها مسؤولين في مواقع مهمة، ربما يتعين على الغربيين بذل جهد أكبر لكي يستوعبوا التعامل مع هؤلاء القادمين. ففي الولايات المتحدة وحدها، بلغ عدد تأشيرات الدخول التي مُنحت لموظفين صينيين وعائلاتهم في عام 2015 أربعة أضعاف ما مُنح من تأشيرات للصينيين عام 2005.

يقول إريك ثون، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة أكسفورد: "تتطلع الشركات الصينية إلى الخارج، وتقوم بعمليات شراء واستحواذ بخطى متسارعة وحثيثة. لهذا السبب، من المفيد فهم ثقافة العمل عند الصينيين وممارساتهم الإدارية".

مصدر الصورة Shanshan Zhu
Image caption شانشان جو في مدينة لشبونة بالبرتغال

تغيير السرعة

بمجرد وصولهم إلى الغرب، يتعين على الصينيين أولا تهدئة السرعة. ويتفق مع هذا الرأي يفينغ لي، الذي ترعرع في شمال الصين ويقيم الآن في برمنغهام بانجلترا، إذ يقول: "أول شيء يصدم الصينيين لدى وصولهم للمملكة المتحدة هو البطء في الإنجاز. فعلى سبيل المثال، إن أردت أن تفتح حسابا بنكيا في الصين فليس عليك الانتظار، إذ تتمكن من فتح الحساب بمجرد الحديث للموظف المختص".

وبعد أن عمل مع وكيل عقارات، أسس لي، البالغ من العمر 32 عاما، شركته الخاصة، وأطلق عليها اسم "إيسنس لإدارة واستثمار العقارات"، ويعود إلى الصين بانتظام في رحلات عمل. ويقول لي: "في الصين، إذا رأيت عقارا وذهبت إلى مكتب عقارات وقلت إنك تريد الحصول على المفاتيح غدا، فبإمكانك أن تحصل عليها، فالعمل هنا يجري بسرعة".

كما يقول إن الكثير من رجال الأعمال الصينيين مندهشون من بطء المعاملات في أوروبا، "ففي الصين، يُفترض بك أن تعمل طوال الوقت حتى تنجز ما أنت بصدده من أعمال".

ومن الطبيعي أن يعمل الصينيون خلال عطلة نهاية الأسبوع أو بعد انتهاء الدوام، كما يقول جاك تشين، محامي غادر موطنه قبل 12 عاما، ويرأس الآن القسم الصيني في شركة "دي بي بي" للقانون في بروكسل.

ويضيف "إذا طلبت من زميل لي هنا أن يعمل معي في عطلة نهاية الأسبوع لزيارة عميل صيني أو لحضور اجتماع، فمن الممكن أن يستجيب، لكن يظل ذلك أمرا استثنائيا وغير معتاد. في بلجيكا، نهاية الأسبوع مخصصة للعائلة والأصدقاء".

مصدر الصورة Jack Chen
Image caption غادر جاك تشين موطنه قبل 12 عاما، ويرأس الآن القسم الصيني في شركة "دي بي بي" للقانون في بروكسل

طرح الأفكار

يقول تشين إن طريقة إدارة المكاتب والأعمال في أوروبا أبسط منها في الصين، ويعود ذلك جزئيا إلى أن التسلسل الهرمي للمناصب الإدارية أقل صرامة منه في الصين، "إذ أن المسؤول هو المسؤول، والطبقة الاجتماعية في بيئة العمل واضحة ومهمة. عليك حقا أن تبدي احتراما عندما تتحدث إلى المسؤول".

ونتيجة لذلك، كما يقول تشين، فإن الموظفين في الصين يفكرون جيدا قبل أن يتقدموا بأفكارهم أو يطرحوا وجهات نظرهم. في حين أن الموظفين في الغرب يمكن أن يتبادلوا أراءهم مع المسؤولين بحرية أكبر.

ويضيف: "إذا اختلفت مع رئيسي في العمل، فإنني أكتفي بقول رأيي، حتى في حضور زملائي، فهم لن يروا في ذلك مشكلة. وهنا يمكنك حتى أن تتبادل النكات مع رئيسك في العمل. في الصين، ينبغي عليك أن تتحلى بالحكمة في قول أي شيء بطريقة مناسبة، لكن في أوروبا بإمكانك أن تقول ما تشاء."

وقد عمل تشين قبل انتقاله إلى بروكسل في كل من فرنسا وانجلترا وهولندا وألمانيا. ويقول عن ذلك: "عندما أدخل مكتبا يُعقد فيه اجتماع، أرى الزملاء وشركاءهم يطرحون آراءهم. إنك ترى الاختلاف بين ما تعودت عليه وبين ما تراه، ومن ثم تعتاد على الأسلوب الجديد".

لكن إبداء الرأي في العمل لا يأتي في الصين بشكل طبيعي، كما يقول ديسموند سو، مؤسس معهد إيست ويست لقواعد السلوك التطبيقية في هونغ كونغ، والمتخصص في تعليم مهارات التواصل للمدراء والمسئولين في الصين.

ويضيف: "في كثير من الأحيان، أرى صينيين يتمتعون بالذكاء لكنهم يخفقون في التعبير عن آرائهم وطرحها أمام الملأ. والأسوأ من ذلك، أنهم يشتكون فيما بعد من أنهم أهملوا أو لم ينتبه إليهم أحد. لكن في ثقافة الأعمال في الغرب، لا تسير الأمور بهذه الطريقة. نحن ندرب الناس على أن يشعروا بالراحة أثناء طرح أفكارهم والتعبير عن آرائهم، وأن يكرموا وينسب لهم الفضل في نجاحاتهم، لأنه في بيئة العمل الغربية ينبغي أن تتوفر لديك الرغبية في أن تتقدم في عملك".

هذا ما اكتشفته سيندي ين بعد أن تركت عملها كمعلمة في مدينة غوانزو الصينية، لكي تنتقل إلى أمريكا الشمالية. واليوم، تدير ين البالغة من العمر 47 عاما موقعها الخاص لتجارة العقارات على شبكة الانترنت، والذي يحمل اسم "روسيباد" في مدينة نيويورك.

لكن سيندي عندما بدأت عملها في مجال العقارات منذ 20 عاما، تتذكر أنها كانت تجد التشجيع على أن تطرح رأيها وأن تعبر بصراحة عما يجول في خاطرها. وتقول عن ذلك: "لقد أحببت ذلك حقا، وحاولت أن يكون لي دور وحضور. لقد كانت عملية ينبغي أن أتعود عليها. الناس في الصين كانوا مطيعين جدا في ذلك الوقت، لذا لم تكن لدينا عادة التعبير عن أفكارنا وآرائنا".

مصدر الصورة Sharon Jin
Image caption ولدت شارون جين في الصين، وانتقلت للولايات المتحدة قبل 20 عاما لتصبح مواطنة أمريكية

الحنين للوطن

تقول شارون جين، التي ولدت في الصين وانتقلت للولايات المتحدة قبل 20 عاما لتصبح مواطنة أمريكية وتعمل كمطورة للبرمجيات قرب شيكاغو، إن القادمين الجدد من الصين لديهم نظرة مختلفة عن الجيل الذي سبقهم. وكمندوبة تعمل مع شبكة "انترنيشنز" للوافدين، تنظم جين، البالغة من العمر 47 عاما، فعاليات للوافدين من جنسيات مختلفة، بمن فيهم القادمون الجدد من الصين في العشرينات والثلاثينات من العمر.

وتقول: "أحيانا يقولون لي إنهم يشعرون بالحنين إلى رفاهية وراحة الصين. إحدى الفتيات قالت إنها تشتاق إلى شنغهاي لأن فيها أماكن لا تعد ولا تحصى لتناول الطعام، وهي أنظف من شيكاغو. ومن ناحية الراحة المادية، فهم يقارنون الولايات المتحدة مع الصين، ولا يشعرون بالضرورة أن الولايات المتحدة أفضل. قبل عشرين عاما، كان الوضع عكس ذلك تماما."

وتضيف: "مئة في المئة من أبناء جيلي الذي جاءوا إلى الولايات المتحدة، بمن فيهم أنا، كنا نفكر بالحصول على الإقامة الدائمة. لكن هذه الأيام، يخطط الصينيون من الأجيال الأصغر سنا للعمل عشر سنوات في الولايات المتحدة، ثم العودة إلى الصين لشراء منزل أو العناية بآبائهم وأمهاتهم."

وبينما غادر عدد غير مسبوق، وصل إلى 523,700، من الطلاب الصينيين للدراسة في الخارج عام 2015، فإن ما يتراوح بين 70 و80 في المئة من الطلاب الدارسين في الخارج عادوا إلى الصين في السنوات الأخيرة، بسبب سوق العمل الجذاب في الوطن، طبقا لوزارة التعليم الصينية.

وتمضي جين قائلة: "العودة إلى الصين تشهد إقبالا متزايدا".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

المزيد حول هذه القصة