لماذا نشعر بالتوتر عند تأخر الرد على رسائلنا الإلكترونية؟

تأخر الرد على رسائل البريد الإلكتروني يسبب قلقا خطيرا مصدر الصورة Getty Images
Image caption رسائلنا النصية وثقافة الارتباط بموقع فيسبوك الاجتماعي تجعلنا نتوقع تلقي ردودا فورية من الآخرين

لماذا يشعر بعض الناس بالقلق والتوتر عندما يتأخر الرد على رسائلهم الإلكترونية، ولا يصل في الوقت الذي يتوقعونه؟ الصحفي العلمي بريان بورزيكوفيسكي يستعرض الأسباب النفسية وراء ذلك الشعور.

أراد داني غارسيا أن يتلقى ردا سريعا على رسالة أرسلها عبر بريده الإلكتروني. لكن ذلك استغرق وقتا طويلا جدا، فبدأ يشعر بالقلق والتوتر لدرجة أنه ظل مستيقظا طوال الليل في انتظار وصول الرد على رسالته.

وبشكل عام، عندما يرسل رسائل بالبريد الإلكتروني، ينتاب غارسيا، الذي يقيم في نيويورك ويعمل مدير عمليات التسويق في موقع "ستاكليست" لتصنيف التطبيقات والأدوات التي يحتاجها المديرون التنفيذيون، شعور بالقلق منذ اللحظة التي يضغط فيها على زر الإرسال.

يبدو أن هذه الحالة مبالغا فيها، لكنها في الحقيقة أمر شائع الحدوث. فانتظار رد على رسالة بريد إلكتروني يمكن أن يثير في النفس قلقا من نوع محدد.

بالطبع، من المستحيل تقريبا الرد على كل رسالة من مئات الرسائل الإلكترونية التي تصل إلى المرء كل يوم. وقد وثق عدد كبير من الأبحاث حالة القلق التي يتسبب فيها العدد الهائل من الرسائل غير المقروءة في صندوق الوارد في بريدنا الإلكتروني.

وقد توصلت إحدى هذه الدراسات إلى أن تلقي إشعارات مستمرة بوصول رسائل بريد إلكتروني جديدة أثناء اليوم، وفحص صندوق البريد صباحا ومساء قد أدى إلى خلق مستويات متفاوتة من التوتر.

لكن لا تتوفر إحصائيات أو أبحاث محددة عن مدى شعور الناس بالقلق عندما لا يكون هناك رد على رسائلهم. وعلى الأقل، لا توجد دراسة متخصصة في هذا الموضوع، وفقا لرأي جمعية علم النفس الأمريكية.

العجز عن السيطرة

تقول جولي مكارثي، أستاذة السلوك التنظيمي وإدارة شؤون الموظفين في جامعة "تورنتو سكاربورو"، إن حالة الانتظار وعدم التحكم في البيئة الخاصة بك هي التي تقود إلى القلق الشديد المرتبط بالبريد الإلكتروني. وتضيف: "ليس لديك السيطرة على الموعد الذي سيرد فيه الشخص على رسالتك، وفي نفس الوقت هناك مستوى معين من عدم التأكد من مضمون إزاء طبيعة هذا الرد".

علاوة على ذلك، فإن رسائلنا النصية وثقافة الارتباط بموقع فيسبوك جعلتنا نتوقع تلقي ردودا فورية.

وإذا لم نتلق ردا فوريا، يبدأ القلق يتسلل إلينا. وحينما تكتب رسالة نصية على برامج المحادثات الفورية، فإنه على الأقل يمكنك أن ترى ما إذا كان الشخص الذي ترسل إليه تلك الرسالة قراها أم لا، أو ما إذا كان يكتب ردا علي تلك الرسالة في الحال، كما في بعض البرامج. أما بالنسبة لرسائل البريد الإلكتروني، فإن كلماتك تتحرك في فضاء غير معلوم، ولا أحد يمكنه أن يعرف ما الذي يجري معها بالضبط.

مصدر الصورة Danny Garcia
Image caption يشعر غارسيا دائما بقلق كبير حينما لا يتلقى ردودا على رسائله الإلكترونية

كم من الوقت ينبغي عليك الانتظار؟ وفقا لبحث أجراه أستاذان جامعيان في إسرائيل، فإن 50 في المئة من الردود على رسائل البريد الإلكتروني تأتي خلال ساعتين من إرسالها، وهناك احتمال بنسبة 80 في المئة أن يصلك الرد في غضون 29 ساعة.

من السبب؟

يمكنك أن تشعر بالارتياح بشكل عام، فربما يكون الشخص المتلقي لرسالتك قد تجاهلك، رغم أنه من الصعب معرفة السبب وراء عدم الرد.

وحسبما تقول مكارثي. هناك احتمال أن يكون الشخص الذي يتلقى رسالتك مشغولا في عمله، أو أنه يحاول الانفصال عن جو العمل لقضاء وقت مع عائلته، ومن ثم نسي أن يرد على رسالتك.

لكن ينبغي عليك أن تفكر كم مرة حدث ذلك معك بشكل شخصي. ورغم القلق الذي يساور غارسيا، يقول إنه ينسى كثيرا الرد على رسائل الآخرين، بسبب انشغاله بأمور أخرى كثيرة.

في مكتب غارسيا، يحاول كل فرد الرد على رسائل البريد الإلكتروني خلال اليوم، لكن وبعد أن شعرت المديرة التنفيذية بالاستياء من عدم رد غارسيا على رسائل البريد الإلكتروني المرسلة إليه، طلبت منه أن يرسل لها رسالة مختصرة تؤكد استلامه لرسائلها، وهو شيء يقول الخبراء إنه يمكن أن يبدد قلق الشخص الذي يرسل الرسالة. ويدرك غارسيا هذه المفارقة ويقول: "بالتأكيد أرتكب نفس الأخطاء التي تجعلني أشعر بالتوتر".

وحتى عندما يحول الناس انتباههم لصندوق الوارد في بريدهم الإلكتروني، يكون لديهم كم كبير من الرسائل لتصفحها. وقد توصل بحث أعدته مجموعة "راديكاتي" الدولية لأبحاث الاتصالات، إلى أن 121 رسالة بريد إلكتروني في المتوسط تتعلق بالعمل قد أرسلها أو استقبلها كل شخص يوميا خلال عام 2014.

ويتوقع أن يرتفع ذلك إلى 140 رسالة بحلول عام 2018. تخيل أنه لو استغرقت قراءة كل رسالة دقيقة واحدة والرد عليها دقيقة أخرى، فهذا يعني قضاء أربع ساعات يوميا لقراءة الرسائل والرد عليها.

يتلقى كريس بيلي، مؤلف كتاب "مشروع الإنتاجية" والمقيم في أوتاوا، نحو 500 رسالة بريد إلكتروني يوميا، والكثير منها يصله من شركات تعمل في مجال العلاقات العامة. بالنسبة له، أي رسائل إلكترونية يصنفها بأنها "أنانية" - وهي الرسائل التي يقول إنها لا تُقدم له أي فائدة على الإطلاق- فإنه يوجهها مباشرة إلى بريد المهملات.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بعض الأشخاص الذين لديهم قلق بسبب البريد الإلكتروني قد يعانون من الأرق

ويقول بيلي إنه إذا كنت ممن يرسلون هذا النوع من الرسائل الإلكترونية فينبغي عليك أن تجعلها ذات طابع شخصي ووضعها في سياق مقنع إن رغبت في زيادة فرص الرد عليها. ويمضي قائلا :"أول قرار أتخذه عندما أتلقى رسالة بالبريد الإلكتروني هو أنني أحول هذه الرسالة للأرشيف".

وقد أنشأ بيلي عنوانين بريديين، واحد للأشخاص الذين يعمل معهم عن قرب أو يرغب في الرد عليهم بسرعة، والعنوان الثاني لأي شخص آخر. يفحص بيلي مرة واحدة يوميا في الساعة الثالثة بعد الظهر صندوق الرسائل الخاص بالعنوان الثاني، الذي يتلقى غالبية الرسائل البريدية. ويستغرق بيلي حوالي ساعة في الرد على أكبر عدد ممكن من الرسائل.

ويقول بيلي إن هذه الطريقة قللت من مستوى القلق الناتج عن متابعة البريد الإلكتروني بشكل ملحوظ، وأتاحت له الفرصة للتركيز على أمور أكثر أهمية.

رتب أفكارك

بالطبع، ليس المتلقي وحده من يتحمل المسؤولية عن الرد السريع، فبإمكانك زيادة فرص الرد والتقليل من التوتر. في بادئ الأمر، ينبغي أن تكون واضحا بشأن الموعد الذي يتوقع المرسل أن ترد عليه، حسبما تقول جوسيلين غيلي، مؤلفة كتاب: "إلغاء الاشتراك في القائمة البريدية: كيف تقضي على توتر البريد الإلكتروني وتتجنب تشتيت الذهن وتنجز كما أكبر من العمل".

تصور مثلا أنك أردت أن تبدأ مشروعا، ولكن تريد الاسترشاد بأفكار عن هذا المشروع، فإنه ينبغي عليك أن تؤكد أنه إذا لم تتلق ردا على رسالتك في وقت محدد، فإنك ستبدأ المشروع بغض النظر عن وصول الرد من عدمه.

بإمكانك أيضا أن تشدد على رغبتك في تلقي رد بحلول نهاية اليوم أو بحلول التاسعة صباح اليوم التالي مثلا. وإذا لم يكن الأمر ملحا أو طارئا، كن واضحا بشأن ذلك أيضا. قل إنك لا تتوقع ردا عاجلا، ولكن سيكون من المفيد والأفضل أن تتلقى ردا بحلول نهاية الأسبوع على سبيل المثال.

تقول غيلي: "أعطهم (من يتلقون الرسالة) فكرة واضحة، وساعدهم على فهم جدولك الزمني".

إذا شعرت بالقلق فعلا، هناك تطبيق إلكتروني لذلك، أو بالأحرى طريقة لمعالجة هذه الأمور. فبرنامج مثل (mixmax) أو (streak)، يمكن أن يساعدك على معرفة متى جرى فتح رسالة البريد الإلكتروني وإذا كانت وصلت لأناس آخرين أم لا.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بسبب تلقي مئات الرسائل بالبريد الإلكتروني يوميا، فإنه يكون من المستحيل تقريبا الرد على كل رسالة منها

وقد استخدم غارسيا كلا البرنامجين في العمل، ويقول إن معرفة ما إن كانت رسالة معينة قد فُتحت ستساهم بشكل كبير في تبديد أو خفض درجة التوتر لديك.

اعتاد أندرو سويندلهيرست، الذي يعمل في شركة تسويق إلكتروني في بريطانيا، أن يقضي الكثير من الوقت في إعادة كتابة الرسائل الإلكترونية ومراجعة الرسائل التي لم تصل عليها ردود مرة تلو أخرى، لدرجة أثرت على مستوى إنتاجيته.

ويشعر سويندلهيرست في أغلب الأحيان بنوع من الفزع، خصوصا عندما يرسل رسالة إلكترونية لرؤسائه في العمل. ويقول: "أشعر بالقلق بأن شيئا ما ليس على ما يرام، حتى لو كنت قد أنجزته بشكل صحيح".

لقد أصبحت هذه مشكلة كبيرة لدرجة جعلته يعمل جاهدا من أجل السيطرة على مستويات التوتر لديه. ويقضي سويندلهيرست وقتا طويلا في تنميق كتابة البريد الإلكتروني، ويغير الطريقة التي يكتب بها رسائله ليرى إن كان هناك شيء يساعد في تلقي رد أسرع.

ورغم أن بعض الأساليب التي اتبعها أثبتت فاعليتها بدرجة معينة، فإن الحل الأمثل لديه كان التفكير فيما يمكن أن يفعله المتلقي عندما تصله رسالة البريد الإلكتروني.

ويقول: "علي أن آخذ بعين الاعتبار أنهم لن يفتحوا الرسالة أبدا. ينبغي أن أضع نفسي مكانهم، وأفكر فيما يمكن أن يفعلوه، ولماذا قد لا يفتحوا رسالة البريد الإلكتروني الخاصة بي، وإذا قرأوها، فلماذا لا يشعرون بالحاجة للرد عليها".

بعد كل هذه المحاولات، إذا لم يصل منهم رد، يأتي دور المتابعة. إذا كان الشخص زميلا لك، فإن الرد على الرسالة بعد يوم أو يومين أمر مناسب ومقبول. أما إذا كانت رسالة لتقديم عرض لأحد العملاء، فما عليك سوى الانتظار لأسبوعين على الأقل، كما تقول غيلي. وفي هذه الحالة، أعد صياغة الرسالة وقدم بعض المزايا الجديدة.

وتضيف أنه إذا أخفقت كل هذه الوسائل، فإن الاتصال الهاتفي لا يزال طريقة جيدة لإيصال رسالتك.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة