اندثار أنشطة صيد الفقمة في النرويج

صيد حيوانات الفقمة في النرويج يواجه خطر الاندثار مصدر الصورة KOKO FILM
Image caption اصطياد حيوانات الفقمة أصبح مهنة مهددة بالاندثار

كان القبطان بيورنيه كفارنمو أول من بدأ باصطياد الفقمات قبل أكثر من أربعة عقود من الزمن. يوجه كفارنمو السفينة "إم.إس. هافسيل" الى مرفأ ترومسو، المدينة النرويجية التي يعود فضل وجودها إلى هذه التجارة التي أسسها كفارنمو.

لكن مركبه لم يصل الى المرفأ محملا بحيوانات الفقمة الميتة، بل جاء هو وطاقمه إلى مدينة ترومسو لحضور العرض الأول لفيلم وثائقي حول آخر رحلة صيد نرويجية لحيوانات الفقمة إلى الحافة الجليدية الخطرة قبالة سواحل غرينلاند.

"صيادو الفقمة-رحلة صيد أخيرة" هو فيلم يحتفي بشكل واضح بمهنة مثيرة للجدل، كان يعمل فيها قبل قرن من الزمن أكثر من 200 مركب. ساهم أصحاب تلك المراكب وقباطنتها وأطقمها كثيرا في بناء اقتصاد المناطق الساحلية في النرويج، والتي تمتد شمال القطب المتجمد باتجاه روسيا وبحر بارنتس.

يَرثي منتجو هذا الفيلم الوثائقي، وكذلك العديد من السكان المحليين، اندثار صناعة صيد الفقمة.

مصدر الصورة KOKO FILM
Image caption بيورنيه كفارنمو، قبطان السفينة "إم.إس. هافسيل"

وتقول تروود بيرغ أوتّرسن، التي شاركت في إنتاج الفيلم: "يشتري الناس لحوم الفقمة المعبأة في أكياس بلاستيكية من المتاجر، ولا يريدون أن يشاهدوا كيف تُذبح هذه الحيوانات. اصطياد حيوان الفقمة هو من التقاليد القديمة، والتي شكّلت جزءا كبيرا من التقاليد المتّبعة ضمن ثقافة شمال النرويج. لذا، من الأفضل بالنسبة لي أن آكل لحم الفقمة بدلا من أكل لحم الدجاج أو سمك السلمون المنتج من أحواض تربيته."

"جِراء بريئة"

يتهم نشطاء مناهضون لصيد حيوانات الفقمة في القطب الشمالي المتجمد صائدي الفقمة بالقسوة ضد الحيوانات منذ فترة طويلة.

ويصف الصندوق الدولي للرفق بالحيوان الصيد التجاري للفقمة باعتباره "أمرا وحشيا وإهدارا". أما جمعية الرفق بالحيوان، فإنها تتحدث عن "الجِراء البريئة (التي تُقتل) بطريقة بشعة". وتعارض منظمة السلام الأخضر ما تسميه "الصيد الوحشي وغير الإنساني"، بينما تدافع عن الصيد التقليدي الذي يمارسه السكان الأصليون في منطقة القطب الشمالي.

وكانت صور الفقمات وهي تنزف دما، والتي قيل أنها ضُربت بالهراوات حتى الموت من قِبل مجموعة من الصيادين الوحشيين، مشاهد مقنعة استعان بها النشطاء المناهضون لصيد الفقمات، وأدت في نهاية المطاف إلى إضعاف قطاع صيد الفقمات النرويجية بشدة.

ورغم أن الفيلم الوثائقي يعرض أيضا كميات هائلة من الدم الأحمر القاني للفقمات، وهي تمتزج ببياض الثلج الناصع وزرقة الجليد، فإنه يرسم لنا لوحة أكثر دقة بتقديمه نظرة ثاقبة للظروف والأحوال القاسية التي يعاني منها صيادو منطقة القطب الشمالي.

مصدر الصورة KOKO FILM
Image caption اصطياد حيوانات الفقمة شكّل جزءا كبيرا من تقاليد شمال النرويج

"لحوم متوافقة مع الأخلاق"

يعتقد السيد كفارنمو أن المعارضين الذين شكلوا الرأي العام في هذه القضية قد أساءوا فهم الموقف. ويقول: "أعلم أن كثيرا من معلوماتهم خاطئة، إنها ليست الصورة الحقيقية لما يجري".

تتفق غري إليزابيث مورتينسن، والتي شاركت في إنتاج الفيلم مع أوتّرسن، مع ما ذهب إليه كفارنمو.

وتقول مورتينسن إن ضرب حيوانات الفقمة بالهراوات حتى الموت لم يعد متّبعا. لكن الصيادين يستخدمون في المقابل بنادق بقدرات عالية، ذات طلقات متفجرة، لتقتل الحيوانات بسرعة.

وتضيف مورتينسن: "أعتقد أنها تُشكل، على الأغلب، أكثر اللحوم التي يمكنك الحصول عليها بما يتفق مع المباديء والأخلاق. تكون حيوانات الفقمة مستلقية على الجليد، وربما نائمة، وعندما تُطلق عليها رصاصة في الرأس ينتهي الأمر."

وبعد قتل حيوان الفقمة، تأتي مهمة خاصة "لرجال قفز" يستخدمون هراوات الصيد المسماة "هاكابيك"، وهي عبارة عن قضيب خشبي ثقيل ذي مطرقة وكُلاّب. يقفز هؤلاء الرجال ويوجهون ضربة على رؤوس الحيوانات ليتأكدوا من موتها قبل غرز الكُلاّب بها وجرّها إلى المركب.

ويقول كفارنمو: "ننجز ذلك بأكثر الطرق الإنسانية التي يمكن القيام بها."

مصدر الصورة KOKO FILM
Image caption وقف الدعم الحكومي جعل صيد حيوان الفقمة غير مجدٍ اقتصاديا

مهنة تحتضر

وبالرغم مما سبق، أصبح النقاش الدائر حول ما إذا كان اصطياد الفقمات في النرويج هو عمل وحشي بلا جدوى تقريبا، بعد صدور قرار للاتحاد الأوروبي في عام 2009 يحظُر فيه الإتجار بلحوم حيوانات الفقمة ومنتجاتها.

وشمل قرار الاتحاد الأوروبي الجلود التي تستعمل لصناعة الأحذية الطويلة، والمعاطف، ودهون أوميغا-3 المستعملة في المكملات الغذائية، واللحوم المقدمة في المطاعم أو التي تُطهى في المنازل في عموم مناطق القطب الشمالي المتجمد.

لكن لا يزال بالإمكان شراء الأحذية الطويلة المصنوعة من جلود حيوانات الفقمة في متاجر أحذية ترومسو، ربما لفترة لن تدوم طويلا.

وقال كفارنمو وهو يتوجه صوب قاعة السينما لمشاهدة الفيلم الوثائقي: "لقد انتهى الأمر. في النرويج، لم يعد أحد يصطاد بعد الآن. جمهور المعارضون هم الفائزون."

مصدر الصورة KOKO FILM
Image caption "رجال قفز" ينقضون على حيوانات الفقمة بعد إطلاق النار عليها ليوجِّهوا لها الضربة النهائية بالمطرقة

وجاء قرار الحكومة في عام 2015 بوقف الدعم الذي تقدمه لصيد الفقمات، والذي يُقدر بـ12 مليون كرونا (قرابة مليون جنيه استرليني)، ليؤكد أن عملية صيد الفقمة لم تعد مجدية من الناحية الاقتصادية، إذ كان الدعم الحكومي يُشكل نحو 80% من دخل صيادي الفقمات.

هناك الآن فرص تنتظر كفارنمو لتحقيق ربح أكبر، ولا يزال مركبه يطفو على البحر بفضل المقابل المادي الذي حصل عليه من أطقم تصوير الفيلم، والذي يؤكد أن صيادي الفقمة المخضرمين لا يزال لديهم المعرفة الجيدة بمنطقة القطب الشمالي.

وتقول أوتيرسن: "على مدى كل هذه السنوات التي قضاها على الجليد وفي البحار، يمتلك بيورنيه (كفارنمو) الكثير من المعرفة، ويُكن الكثير من التقدير للطبيعة والحيوانات التي تعيش هناك".

الاتجاه نحو صناعة النفط

يعمل كفارنمو أيضا في قطاع النفط والغاز، مما يضعه أيضا في موقف مناهض للمدافعين عن البيئة.

وقالت جينيفر مورغان، المديرة التنفيذية لمنظمة السلام الأخضر، في أحدث مؤتمر لمؤسسة "تخوم منطقة القطب الشمالي"، عُقد في ترومسو: "لا نعتقد بوجود أي مجال للنفط في منطقة القطب الشمالي".

Image caption لا يزال بالامكان شراء الأحذية الطويلة المصنوعة من جلود حيوانات الفقمة في ترومسو

وتنفذ شركة الطاقة النرويجية الضخمة "ستات أويل" عمليات استكشاف النفط والغاز في منطقة القطب الشمالي. ويدافع رئيس قسم الاستدامة في الشركة، بيورن أوتّو سفيردروب، عن سياستها قائلا إن الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة يجب أن يكون تدريجيا، و"لا نستطيع تغيير هذا النهج بين ليلة وضحاها."

وتؤكد الحكومة النرويجية أنه من الممكن إجراء عمليات التنقيب عن النفط والغاز في منطقة القطب الشمالي دون أي أضرار.

وقالت رئيسة الوزراء النرويجية، إرنا سولبيرغ، في مؤتمر 'تخوم منطقة القطب الشمالي: "لقد أوضحنا أنه يمكن تماما الجمع بين قطاعات الصناعة المعتمدة على البحار والمحيطات، مثل صيد الأسماك وتنمية الأحياء المائية والشحن البحري والطاقة، والمحافظة على بيئة بحرية سليمة. لكن الأمر الحاسم هو وضع ضوابط بيئية عالية وضمان الالتزام بها."

مصدر الصورة KOKO FILM
Image caption صيادو الفقمة ينبغي عليهم الآن البحث عن فرص أخرى للكسب

وتستعد النرويج أيضا للإعلان عن سياسة بحرية وطنية. وأضافت سولبيرغ أن "الاستخدام المستدام للموارد البحرية يمثل صُلب ازدهار النرويج ورفاهيتها."

وبالرغم من أن صيد حيوانات الفقمة المربح أصبح شيئا من الماضي، فإن سعي النرويج للبحث عن الثروات في منطقة القطب الشمالي لم يصل إلى نهايته بعد.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع Entrepreneurship

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة