آمال العاملين الأجانب في بريطانيا تتحطم بعد الـ "بريكست"

آمال العمال الأجانب في بريطانيا تتحطم على صخرة بريكسيت مصدر الصورة Empics
Image caption مخاوف كبيرة لدى العمال الأجانب في بريطانيا بعد تصويت الخروج من الاتحاد الأوروبي

في ظل المخاوف مما قد يحدُث بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكسيت"، يقتلع العديد من العاملين الأجانب في بريطانيا جذورهم مرة أخرى بعد استقرارهم فيها لمدة طويلة.

جاءت كاترينا كارمازينوفا إلى لندن وهي في سن الرابعة والعشرين لدراسة التجارة والأعمال الأوروبية. وتقول إنها تعلقت بتعدد الثقافات والانفتاح في بريطانيا. واختارت كارمازينوفا، وهي مواطنة من سلوفاكيا، جامعة "رويال هولواي" للحصول على درجة الماجستير.

وبعد تخرجها، قررت البقاء والعمل، حتى أنها اشترت شقة للإقامة فيها. ولكن عندما صوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران من العام الماضي، باعت كارمازينوفا شقتها وتركت عملها وغادرت البلاد.

ومنذ ذلك الحين تقضي الفتاة السلوفاكية وقتها في السفر والكتابة.

مصدر الصورة Katarina Karmazinova
Image caption كارمازينوفا باعت شقتها وتركت عملها وغادرت بريطانيا بعد التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران من العام الماضي

تقول كارمازينوفا، التي أمضت ثماني سنوات في بريطانيا :"شعرت بالحزن لأن المملكة المتحدة، الدولة التي تتمتع بنمط الحياة المتقدم الذي طالما أشدت به في سلوفاكيا كنموذج يحتذى من الناحية السياسية والثقافية قد حدث فيها شرخ. فجأة، نصف سكان البلد أظهر لي وجها مختلفا".

كارمازينوفا ليست المهاجرة الوحيدة التي انتابها نفس هذا الشعور منذ التصويت في الاستفتاء، الذي بدء العمل على تنفيذه عمليا يوم الأربعاء في 29 مارس/آذار الماضي بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، وتعني بدء إجراءات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عملية تستغرق عامين.

يجد البعض ممن غيروا حياتهم تماما وانتقلوا للعيش في بريطانيا أنفسهم الآن في مواجهة قرار كبير للانتقال من بريطانيا والعيش في بلد آخر مرة أخرى.

بالنسبة لكارمازينوفا، فإن جوهر مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هي التي تجعلها راغبة في الرحيل. بالنسبة لآخرين، فإن القلق إزاء المستقبل الاقتصادي لبريطانيا ومستقبلهم والقلق الأكبر إزاء وضعهم القانوني مستقبلا حال إتمام تنفيذ خروج بريطانيا بالكامل من الاتحاد الأوروبي.

يفكر البعض فقط في الرحيل وينتظر الآن لرؤية ما سيكون عليه الوضع بعد إتمام إجراءات الخروج. وهناك آخرون غادروا بالفعل وعادوا إلى بلادهم أو توجهوا إلى بلاد أخرى في الاتحاد الأوروبي أو انتقلوا فجأة إلى قارة أخرى مختلفة تماما.

من السابق لأوانه معرفة ما إن كانت حالة الاضطراب المصاحبة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هي المسؤولة جزئيا عن تراجع أعداد الأجانب الراغبين في السفر إلى بريطانيا للإقامة فيها، ولكن صافي أعداد المهاجرين إلى المملكة المتحدة انخفض بواقع 49 ألف شخص إلى 273 ألف مهاجر حتى سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وذلك وفقا لمكتب الإحصاءات الوطنية في بريطانيا.

تقول جين باتالوفا، وهي من كبار محللي السياسات في معهد سياسات الهجرة في واشنطن، إنه إذا وضعت قيود على الأشخاص الذين بإمكانهم العمل في بريطانيا سيبدأ الناس في حزم أمتعتهم ومغادرتها. وتضيف: "الهجرة حساسة جدا للتغيرات في وضع الاقتصاد البريطاني".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بريطانيا ولندن على وجه الخصوص جذبت العمال من جميع أنحاء العالم منذ فترة طويلة

قلق متزايد

بعد التخلص من آثار "الصدمة" التي أحدثها قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، خطرت لمارتسين تشيزا، البالغة من العمر 33 عاما، فكرة إنشاء شركة توظيف عبر الإنترنت لمساعدة المواطنين الأجانب الذين أصبحوا فجأة يفكرون بفرص للعمل خارج المملكة المتحدة.

يقول تشيزا، وهو مواطن بولندي يعيش في هولندا وكان يعمل في مجال التمويل في ذلك الوقت: "اعتقدت أنها فرصة فريدة للاستفادة من هذه الاضطرابات السياسية".

لذا أطلق تشيزا موقع إكسبات إغزيت" (ExpatExit) في نوفمبر/ تشرين الثاني. ويمكن للمسجلين في ذلك الموقع ملء استمارة عن حياتهم والإجابة عن أسئلة حول البلد الذي يرغبون في الانتقال إليه.

وفي غضون بضعة أشهر، زاد الاهتمام بالموقع كثيرا. وهناك الآن أكثر من 1200 مرشح مسجل، منهم حوالي 90 في المئة من الأجانب الذي يعيشون في المملكة المتحدة، ومعظمهم من ألمانيا، وفرنسا، وبولندا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال.

ويقول تشيزا: "خدمت أول مجموعة من المرشحين من خلال مساعدتهم على الاتصال بدوائر للتوظيف والموارد البشرية".

ويضيف أنه أصبح من الصعب الآن مواكبة الاهتمام الهائل بالموقع وأنه بدأ في العمل مع عدد من الشركات في مجالات من بينها التمويل وتكنولوجيا المعلومات التي تبحث عن أناس لتوظيفهم خارج بريطانيا.

بريطانيا ليست وحدها في هذا التغيير، إذ أنه زاد الاهتمام بمغادرة الولايات المتحدة عقب فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية.

وتقول باتالوفا، كبيرة محللي السياسات في معهد سياسات الهجرة في واشنطن، إن سياسات مكافحة الهجرة في البلدين (بريطانيا والولايات المتحدة) يمكن لها أن تردع المهاجرين وقد يكون لانخفاض الهجرة تأثير كبير على بعض الصناعات مثل الزراعة، والبيع بالتجزئة، والأدوية.

وتضيف: "نعم، هذه الصناعات سوف تتكيف مع هذا الوضع بمرور الوقت. ولكنها ستواجه صدمة على المدى القصير. فلا يمكنك أن تدرب طبيبا أو عالم فيزياء أو ممرضا أو مهندسا بين ليلة وضحاها".

مصدر الصورة Marcin Czyza
Image caption مارسين تشيزا أطلق موقع إكسبات إغزيت" (ExpatExit) لجذب العمال الأجانب الراغبين في مغادرة بريطانيا والعمل في دول أخرى

خيارات أخرى

هاجر داريوش تروتشيل من بولندا إلى بريطانيا عام 2005 متحمسا لفكرة إيجاد "وظيفة أفضل" محتملة. وعندما استقر خارج لندن، عمل تروتشيل كمدير مشروع، وتلقى عددا من الدورات في الصحة والسلامة، وفي نهاية المطاف أنشأ شركته الخاصة للاستشارات المتعلقة بالصحة والسلامة. كما اشترى منزلا خاصا للإقامة فيه.

ولكن بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبح تروتشيل، 34 عاما، يشعر بالتشاؤم بشأن المستقبل. وبدأ يلاحظ موقفا جديدا في أوساط الناس الذين صوتوا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

يقول تروتشيل: "من الصعب وصف هذه الأجواء لأنه لا أحد يجرؤ على التعبير عن ذلك أمامك، ولكن هناك شعورا بأنك ضيف غير مرغوب فيه".

وسجل تروتشيل نفسه بموقع "إكسبات إغزيت" وهو الآن يفكر جديا في مغادرة المملكة المتحدة. ويرغب تروتشيل في العودة إلى بولندا والاستقرار فيها أو في جنوب أوروبا ولكنه أيضا يفكر في الانتقال إلى ألمانيا وسويسرا والنمسا لأن الدول الناطقة بالألمانية "تجتذب المزيد من الأعمال التجارية" على حد قوله.

ويضيف:" أتوقع أن يعاني الاقتصاد البريطاني من الخروج من الاتحاد الأوروبي ولا أريد انتظار حدوث ذلك".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بعض المحللين يقولون إنه إذا وضعت قيود على حقوق العاملين الأجانب في بريطانيا فإنهم سيغادرونها

هل أدركت أسوأ المخاوف؟

أما أليكس، وهو روماني يبلغ من العمر 32 عاما وطلب أن يُعرّف باسمه الأول فقط لمخاوف تتعلق بسلامته، فيقول إن لندن كانت "الاختيار الأمثل" له عام 2014.

كان أليكس قد أتم دراسة الماجستير في إدارة الأعمال في فرنسا وكان يبحث عن فرص للعمل في لندن وبرلين ودبي وسنغافورة.

ويقول: "عندما تحقق هدفي في الانتقال إلى لندن، لم أتردد في ذلك. أحببت المدينة وثقافة العمل بعد أن عملت تحت إشراف إدارة إنجليزية في الماضي".

وبدا أن كل شيء يسير على ما يرام إلى أن حان موعد التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويقول أليكس: "قبل التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي، رأيت أنني سأقيم في لندن على المدى الطويل".

لكن أليكس يدرس الآن بدائل أخرى للانتقال إليها، من بينها دبي وسنغافورة وهونغ كونغ.

وأكثر ما يُثير قلق أليكس هو مستقبل الاقتصاد البريطاني، وبالأحرى ما سيحدث لأسرته، وتحديدا طفله الصغير الذي سيبدأ مرحلة ما قبل المدرسة قريبا.

ويقول: "لا أريد لطفلي أن يُعامل معاملة سيئة، أو أن يضايقه زملاؤه في المدرسة، أو أن يُميز ضده لأنه ليس بريطانيا. وفي ظل الموجة الأخيرة من الكراهية إزاء المهاجرين، فإن هذا الأمر يعد احتمالا حقيقيا. وجزء من سبب قدومي إلى بريطانيا هو منح طفلي الصغير بداية جيدة في الحياة والتعليم والثقافة".

لم تكن هناك أي مشاكل كبيرة حتى الآن في المنطقة ذات التنوع العرقي التي يعيش فيها أليكس وعائلته، سوى بعض الملاحظات الساخرة وشعور بالشماتة، حسبما يقول أليكس الذي يضيف أن الوضع أصبح "مزعجا".

ويحرص أليكس حاليا على عدم الكشف عن جنسيته الرومانية.

مصدر الصورة Katarina Karmazinova
Image caption منذ مغادرتها بريطانيا تقضي الفتاة السلوفاكية كارمازينوفا وقتها في السفر والكتابة حتى تستقر في بلد آخر

قف جانبا وراقب

أما كارمازينوفا السلوفاكية التي غادرت المملكة المتحدة، فلم تقرر بعد أين ستستقر، لكنها تعلم أنها لن تعود إلى بريطانيا طالما بقيت منفصلة عن الاتحاد الأوروبي.

ترى كارمازينوفا أن الجزء الأكثر إحباطا في عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان عجزها عن فعل أي شيء غير الانتظار ومعرفة الاتجاه الذي سيسير إليه التصويت لأنها، كالعديد من الأجانب، لم تكن مؤهلة للتصويت في الاستفتاء.

وتقول كارمازينوفا: "لقد قضيت ثماني سنوات (في بريطانيا) في الدراسة، والعمل، ودفع الضرائب والتأمين، وإنفاق المال على أكواب القهوة اللاتيه (القهوة بالحليب)، وتذاكر المسرح، وبطاقات أويستر (التي تستخدم للتنقل بالمواصلات العامة)."

وتضيف: "واشتريت شقة وبعتها، ودفعت الرسوم الضريبية، ثم اشتريت شقة أخرى وتعلمت العامية البريطانية وأكلت كعكات الفاكهة، وذهبت إلى اجتماعات المجلس المحلي، وقرأت مجلة تايم أوت في مترو الأنفاق، وضحكت على النكات المحلية وتابعت الأخبار... إلى أن شعرت بالانتماء. أصبحت لندنية. ومع ذلك، كل ما في وسعي فعله هو الوقوف جانبا والمراقبة".

أما الآن فإنها تراقب الوضع من الخارج بعد مغادرتها البلاد.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

المزيد حول هذه القصة