أوقات التأمل بعيدا عن الهواتف الذكية تنمي التفكير الإبداعي

لحظات الخمول مهمة للإبداع مصدر الصورة Getty Images

في الشهر الماضي أصدرت كل من وزارة الأمن الداخلي الأمريكية ووزارة النقل البريطانية حظراً جديداً يمنع المسافرين على متن الطائرات القادمة من بعض مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حمل أجهزة الكترونية أكبر حجما من الهواتف الذكية.

وردت شركات الطيران الأردنية بتقديم "12 شيئا يمكن للمسافرين القيام بها خلال 12 ساعة طيران بدون أجهزة لوحية أو أجهزة كمبيوتر شخصية". وكانت النقطة الـ 11 تتعلق بـ "تحليل معنى الحياة".

في الحقيقة، يبدو هذا الاقتراح مثيرا للسخرية، لأن مجرد التفكير في تأمل هاديء خلال رحلة طيران طويلة بدلا من التسلية بالأجهزة الالكترونية الحديثة يعد شيئا سخيفا في عالم اليوم.

لقد استغرق البشر في أحلام اليقظة لآلاف السنين، لكن في الوقت الحالي ترانا نملأ لحظات الفراغ باستعمال هواتفنا الذكية وغيرها من الأجهزة والبحث على مواقع التواصل الاجتماعي والاستماع إلى التسجيلات الرقمية والرد على رسائل البريد الإلكتروني، بينما لا نترك وقتا كافيا لعقولنا كي تستريح.

قد يبدو ذلك تغيراً يسيراً عن الماضي، لكن تأثيره على الطريقة التي تعمل بها عقولنا وعلى قدرتنا على الإبداع يمكن أن يكون كبيراً. في الواقع، يمكن لهذا التغيير أن يعيق قدرتنا على أن نأتي بأفكار جديدة ومبتكرة.

لحظات مضيئة

وجد باحثون عام 2012 أن إطلاق العنان للعقل يمكن أن يؤدي إلى حلول إبداعية أفضل للمشاكل. وقد تبنى المفكرون فوائد منح عقلك قسطا من الراحة، بدءا من أينشتاين وحتى علماء الكيمياء الحاصلين على جائزة نوبل. وربما تلاحظ أنت أيضا أن أفضل الأفكار التي تأتي بها تخطر لك أثناء الاستحمام أو أثناء التنزه.

وعندما تطلق لعقلك العنان في التأمل والتفكير فهو عملياً يصل إلى الذكريات والعواطف ومناطق عشوائية من المعرفة المخزنة، كما تقول أمي فرايز، كاتبة ومحررة بمجلة "علم النفس اليوم" ومؤلفة كتاب "التفكر في العمل: أيقظ قواك الإبداعية".

وتضيف: "التفكر هو كيفية الدخول إلى الصورة الكبيرة لحالتنا العقلية. عندما تكون في حالة تفكر فبإمكانك تصور أو محاكاة روايتك الخاصة للأحداث".

ويمكن لهذا التصور أن يساعدنا على امتلاك رؤية جديدة لمشكلة ما أو يربط بين فكرتين كانتا متباعدتين، ومن ثم الخروج بفكرة أصلية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption حسب شركة نيلسين للأبحاث، يقضي الأمريكيون 10.5 ساعة يومياً في الاطلاع على وسائل الإعلام

تقول ميغان كينغ، مصممة غرافيك في شركة "إكسب غلوبال" للهندسة والإعمار: "أكثر اللحظات الإبداعية تأتيني عندما يتاح لعقلي أن يستريح". ويتوقع من كينغ كمصممة غرافيك أن تأتي دائماً بأفكار مقنعة وقوية.

وتقول: "في بعض الأحيان أمضي اليوم بكامله في العمل على مشروع ما، وأشعر بأنني لم أنجر شيئاً يرضيني. ومن ثم أنام وقتا كافيا في الليل، وفي اليوم التالي أتمكن من إنجاز شيء ما أكثر إبداعاً في غضون ربع ساعة. لكنني استغرق وقتا كبيرا للغاية في استخدام هاتفي الذكي".

ووفقا لشركة نيلسين للأبحاث، يقضي الأمريكيون 10.5 ساعة يومياً في الاطلاع على وسائل الإعلام. ويأتي البريطانيون في المركز الثاني بنحو 10 ساعات في اليوم، حسب مؤسسة "إيماركتر". إن هذا الوقت الطويل الذي نقضيه في متابعة وسائل الإعلام المختلفة ترك لنا القليل من الوقت للتفكير والتأمل.

وقد أجرى العلماء دراسة خيروا خلالها من شملتهم الدراسة بين أن يجلسوا وحيدين بدون أن يشتت تركيزهم أي شيء لمدة تتراوح بين 6 و15 دقيقة، وبين أن يتلقوا صدمة كهربائية خفيفة. فاختار الكثير من الناس الصدمة الكهربائية.

حالات مختلفة

عندما تنظر إلى شاشة هاتفك، يكون عقلك في حالة ذهنية مختلفة تماما عن الحالة التي يكون عليها عند التأمل.

وعلى مدى سنوات من الدراسات والأبحاث، توصل باحثون إلى أن لأدمغتنا نظامي تركيز منفصلين: نظام خارجي وآخر داخلي، كما يقول دانيال ويلينغهام، أستاذ علم النفس في جامعة فرجينيا.

أما نظام التركيز الداخلي والذي يتم تفعيله خلال التفكر والتأمل فيطلق عليه اسم "الشبكة الافتراضية".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption عندما تكون عيناك على هاتفك يكون عقلك في حالة ذهنية مختلفة عن الإبداع والتأمل

يقول ويلينغهام: "تنشط الشبكة الافتراضية بشكل خاص عندما تفكر في نفسك وفي الماضي وفي المستقبل. ولا يمكن أن يعمل نظاما التركيز هذين في نفس الوقت، ولكنهما مرتبطان بطريقة ما".

إذا كان النظامان لا يمكنهما العمل في الوقت ذاته ونحن نقضي 10 ساعات يومياً في نظام تركيز واحد، فهذا يستدعي طرح السؤال التالي: ما الذي يسببه ذلك لأدمغتنا ولقدرتنا على أن نأتي بأفكار بها قدر من الإبداع؟

التخلص من السموم الرقمية

ولعل الشيء الإيجابي في الأمر هو أن بعض الأشخاص قد بدأوا ينظمون عملية استعمالهم المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي. تقول كينغ إنها لم تعد تستخدم موقع فيسبوك في الآونة الأخيرة بعدما أدركت أنها تقضي كثيراً من الوقت على الموقع في لحظات فراغها.

وتقول: "بات لدي وعي ذاتي بمخاطر استعمالي المفرط لموقع فيسبوك، وأعمل الآن على الحد من ذلك رغم صعوبته".

وقد بدأ ويلينغهام، الذي اعتاد أن يستمع إلى تسجيلات رقمية وكتب مسجلة على أشرطة أثناء ممارسته رياضة المشي، في ترك أجهزته الالكترونية في المنزل، وبات يشعر بسعادة أكبر بحالة الصمت. وقررت فرايز الحد من الوقت الذي تقضيه في استعمال هاتفها أو مشاهدة التلفاز، وتقول: "إذا كنت تشعر بالحاجة إلى الابتكار فاذهب لممارسة رياضة المشي أو التنزه، أو قم بنشاط لا يتطلب منك التركيز".

ويمكن للشركات أيضا الاستفادة من منح موظفيها وقتا كافيا لإراحة عقولهم، وذلك يتيح لهم الفرصة لتقديم أفكار إبداعية أكثر.

وبالإضافة إلى التوقف عن استخدام موقع فيسبوك، توقفت كينغ عن اصطحاب الهاتف أو الحاسوب المحمول إلى الإجتماعات كلما أمكن ذلك، وقد مكنها هذا من الوصول إلى أفكار أفضل وأكثر تميزاً، على حد قولها.

وبالإضافة إلى ذلك، فهي تمنح نفسها الوقت لممارسة الرياضة والنوم الكافي والراحة أثناء العمل اليومي، والذهاب إلى حديقة محلية، ولا تصطحب معها سوى قلماً وبعض الأوراق.

وتقول كينغ: "هذا هو النموذج الأفضل لضمان تدفق الأفكار الإبداعية. أشعر بأن الزمن يتوقف عندما أجلس هناك".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة