أشجار المانغروف "تحمي سواحل فيتنام من الغرق"

جسر خشبي بين أشجار المانغروف مصدر الصورة Harald Franzen/©GIZ

يهدد ارتفاع منسوب مياه البحر بإغراق منطقة دلتا "الميكونغ" التي تمد فيتنام بالجانب الأكبر من إنتاجها من الأرز. المفارقة أن ما يفصل بين فيتنام والمحيط الذي تطل عليه، ليس إلا نوعا واحدا من الأشجار.

كانت السماء ملبدة بالغيوم في مدينة "هوي أن" الفيتنامية، وبدا المشهد وكأنه لوحة رُسمت بألوان مائية. في هذه اللحظة، توقفت لألتقط صورة لأبرز معالم المدينة، "الجسر الياباني الأحمر"، وهي صورة لا غنى عنها لكل زائر لهذه المنطقة.

ويشكل الجسر - المعلق بأناقة بين الغيوم الرمادية والقناة المتلألئة - ذكرى من القرن الثامن عشر، حينما كانت المدينة الفيتنامية ميناء تجاريا دوليا.

رغم ذلك، فعندما رفعت كاميرتي لالتقاط الصورة، لم يكن ما يدور في مخيلتي هو الماضي الرائع لهذه المدينة، وإنما مستقبلها المشكوك فيه.

فيتنام في خطر، فمستوى مياه البحر الآخذ في الارتفاع يشكل تهديدا جسيما لهذا البلد الساحلي. وفي غضون أقل من مئة عام، قد تمضي غالبية مناطق دلتا الميكونغ الواقعة جنوبي فيتنام، والتي تشكل معقل زراعة الأرز فيها، على نفس الدرب الذي يُقال إن قارة أطلانتس قد سارت عليه.

وتتوقع وزارة البيئة والموارد الطبيعية أن يبتلع المحيط أكثر من ثلث هذه المنطقة بحلول عام 2100، ما يشمل جزءا من مدينة "هو تشي منه".

ورغم أن "هوي أن"، الواقعة في منتصف الطريق الساحلي القادم من دلتا الميكونغ، في وضع أفضل من ذلك، فإنها غير محصنة تماما.

وتقبع هذه المدينة في نقطة التقاء نهر "ثو بون" ببحر الصين الجنوبي. وقد اعتاد سكانها بالفعل نقل أثاث منازلهم إلى الطوابق العلوية خلال فترة الفيضانات الموسمية.

وليس لدى فيتنام الكثير من الخيارات، في ظل مواردها المحدودة، والتوقعات الرهيبة المتعلقة باجتياح المياه لرقعة لا بأس بها من أراضيها.

مصدر الصورة ©GIZ
Image caption تحمي غابات المانغروف السواحل من خلال عملها كمصدات طبيعية للرياح والعواصف

وفي عام 2015، قال وزير البيئة نغوين مينه كوانغ في تصريحات للصحافة إن الرهان الأفضل بالنسبة لبلاده هو أن تزرع مزيدا من أشجار المانغروف التي تعرف بـ"الأيكة الساحلية".

وفي عالم الأشجار؛ يعد هذا النوع من النباتات بمثابة البطل الخارق على صعيد المناخ. وينمو في المستنقعات على طول السواحل. وتغوص جذوعها النحيلة، وجذورها المتشابكة الشبيهة بالعنكبوت في مياه مالحة داكنة اللون.

وتُرَشِّح جذورها المياه المالحة، ويمكن أن توسع من نطاق السواحل التي تعاني من التآكل. كما أن هذه الأشجار تشكل مصدات طبيعية للعواصف، وتحمي الأراضي الزراعية من أن تصل إليها المياه المالحة. وبجانب كل فوائد أشجار المانغروف، فهي أشبه بالمكانس الكهربائية، لكن في الغلاف الجوي، إذ تسحب من الهواء كميات لا مثيل لها من ثاني أكسيد الكربون.

وقد أكد سيغيت سازميتو - الباحث في مركز الأبحاث الدولية المعني بدراسة الغابات، والذي يعمل كذلك في جامعة تشارلز داروين الاسترالية - أن مخزون الكربون العضوي الذي يختزنه المانغروف يزيد عما تختزنه أية منظومة غابات أخرى، بما يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف.

رغم ذلك، فقدت فيتنام أكثر من نصف مساحة غابات المانغروف الموجودة على أراضيها منذ أربعينيات القرن الماضي، وذلك غالبا لصالح إقامة مشروعات للزراعة المائية، وللإنشاءات العقارية المرتبطة بجهود التنمية الحضرية.

ويشكل هذا الأمر معضلة أبدية تتعلق بالبيئة، وتواجه العديد من اقتصادات الدول النامية، وتتمثل في: هل ننجز مشروعات تستهدف توفير الطعام لمواطنينا الآن، أم نمضي على طريق تنفيذ خطط تجعل بوسعهم استنشاق هواء نقي بعد ذلك؟

فربما تكون إزالة أشجار المانغروف لإقامة مزارع للجمبري أمرا مفيدا على المدى القصير، لكن إبقاء غابات المانغروف على حالها يُدِرُ أرباحا هائلة لصناعة الصيد بشكل عام.

وتساعد هذه الغابات، من خلال إبقائها مستوى ملوحة المياه تحت السيطرة، على إيجاد تنوعٍ حيوي هائل، وهو ما يعني توافر أنواع أكثر من الأسماك التي يمكن اصطيادها.

مصدر الصورة Harald Franzen/©GIZ
Image caption تُرَشِّح أشجار المانغروف المياه المالحة، وتعزز التنوع الحيوي على صعيد الثروة السمكية

ويقول كريستيان هينكيس، مدير برامج ترميم وإحياء السواحل في فيتنام، وهي مشروعات تابعة للجمعية الألمانية للتعاون الدولي، إن التقديرات تشير إلى أن قيمة المستنقعات التي تُزرع فيها أشجار المانغروف بالنسبة لعمليات الصيد التي تجري قرب الشاطئ في فيتنام، تصل إلى نحو 440 مليون دولار سنويا.

لكن مثل هذه الأرقام الضخمة التي لا تتعلق بشخص بعينه، ليست مقنعة بالضرورة للتجمعات السكانية الصغيرة الموجودة في هذه المنطقة. لذا، تسعى المنظمات الدولية، مثل الجمعية الألمانية للتعاون الدولي، إلى جعل مسألة الحفاظ على البيئة أمرا مربحا على المستوى المحلي.

ففي "هوي أن" قطعت مجموعة تُطلق على نفسها اسم "المانغروف من أجل المستقبل" أشواطا واسعة على هذا الطريق، عبر تقديم تمويل للمشروعات المحلية الرامية للحفاظ على البيئة. وتعمل المجموعة في هذه المنطقة منذ عام 2013، وذلك من أجل تحويلها إلى مقصد بيئي، بهدف المساعدة على حماية غابة نخيل المانغروف التي تفصلها عن البحر.

ويشكل هذا النوع من النخيل، الذي يُطلق عليه أيضا اسم "نخيل نيبا"، جزءا فريدا من المجال الحيوي لأشجار "المانغروف"، فهو النوع الوحيد من النخيل الذي يتكيف مع المياه المالحة الموجودة على طول السواحل.

ورغم أن فاعليته أقل من أشجار المانغروف العادية فيما يتعلق بتخليص الهواء من ثاني أكسيد الكربون؛ فإنه يبقى ذا كفاءة في ذلك الشأن، وفي حماية الشواطئ من التآكل، وأيضا من الأضرار التي تُلحقها العواصف بتلك الشواطئ.

فذلك النخيل الذي يعلوه سعف أشبه بالريش، يرتفع فوق سطح الماء، ما يوفر غابة كثيفة يستخدمها سكان المنطقة في عمليات صيد الحبار، والأسماك الصغيرة.

وتمثل هذه الغابة مقرا لمجموعة تمثل سكان "كام ثانه"، تلك المنطقة التي ينتقل صيادوها بين الأشجار التي تغمرها المياه، على متن قوارب تقليدية مجدولة تحمل اسم "ثيين تونغ".

وتقل هذه القوارب الآن السائحين كذلك. وقد ساعدت مجموعة "المانغروف من أجل المستقبل" سكان المنطقة على إطلاق برنامج لتنظيم جولات صديقة للبيئة، بهدف إتاحة الفرصة للسائحين لزيارة الغابة بصحبة الصيادين على متن قواربهم.

مصدر الصورة Cam Thanh's Women Union
Image caption يشكل "نخيل نيبا" النوع الوحيد من النخيل القادر على التكيف مع المياه المالحة الموجودة على طول السواحل

ويرفع المشروع مستوى الوعي البيئي من ناحية، ويزيد دخول سكان المنطقة من ناحية أخرى، ما يجعل لهذه الغابة قيمة لا تقدر بثمن للمستقبل الاقتصادي لمنطقة "كام ثانه".

لكن هذا البرنامج لا يشمل سوى رجال القرية، وذلك برغم أن تأثير مثل هذه المشروعات يزيد بشكل كبير عندما يشارك فيها المجتمع المحلي بأسره. لذا، تمول المجموعة نفسها منحا لمساعدة نساء المنطقة على تحويل بيوتهم إلى منازل صديقة للبيئة لاستضافة الزوار.

لكن المنازل ليست مؤهلة كلها لأن تندرج في هذه الفئة، بسبب وجود قواعد صارمة لاختيار البيوت المُدرجة فيها. فالأمر لا يقتصر على أن تكون متوافقة مع البيئة فقط، بل وأن تتسم بمعايير اجتماعية وثقافية معينة كذلك.

فلابد مثلا أن يكون من بين سكان المنزل أفراد من جيلين مختلفين، بهدف مساعدة الضيوف على تعلم ثقافة وتاريخ هذه المنطقة عبر تجربة العيش مع هؤلاء السكان جنبا إلى جنب.

ويعمل أولئك الزوار مع أفراد الأسرة في الحقول، ويقصدون غابة نخيل المانغروف على متن القوارب، ويشاركون في صفوف دراسية لتعلم الطهي، كما ينخرطون في الأنشطة الأسرية.

ويتسم هذا البرنامج - مثل العديد من المشروعات المحلية الأخرى - بأنه يجري على نطاق ضيق. وقد افتتح أول منزلين في مارس/آذار 2017، بينما يجري حاليا استكمال الإجراءات الخاصة بضم منزلين آخرين إليه.

مصدر الصورة Martha de Jong-Lantink/Flickr
Image caption يمارس السكان عمليات الصيد من على متن قوارب تقليدية مجدولة يُطلق عليها اسم "ثيين تونغ"

ومن بين التحديات التي تواجهها مجموعة "المانغروف من أجل المستقبل" فيما يتعلق بتكثيف الجهود الرامية للحفاظ على البيئة المحلية، افتقار العديد من سكان "كام ثانه" للإحساس بمدى أهمية الأمر وبطابعه الملح.

والسكان مهتمون أكثر بتوفير القوت لأسرهم وبالحفاظ على أسلوب وطريقة معيشتهم. لهذا، يعد تعاملهم الجاد مع التهديد المتعلق بالتغير البيئي أمرا أكثر صعوبة.

ويقول هوين جان نو، مدير المشروع المخصص للتعاون مع الاتحاد النسائي لمنطقة كام ثانه: "يتحدث الناس كثيرا عن التغير المناخي، لكن التهديد ليس واضحا للغاية".

وقد سألت سازميتو وهينكيس عما إذا كانت أشجار المانغروف تشكل حلا لأزمة ارتفاع منسوب مياه البحر على سواحل فيتنام، أم أنها خطوة مؤقتة على هذا الطريق تحتاج لبديل بأسرع وقت ممكن. ولم يشأ كلاهما تقديم أي إجابة قاطعة، لكنهما اتفقا على أن زراعة هذه الأشجار تشكل جزءا من الحل.

تأملت في كل ذلك، وأنا فوق "الجسر الياباني" في "هوي أن"، أرمق قطرات المطر تنهمر على سطح الماء تحت الجسر. وبداخل الجسر المُغطى، وجدت ضريحا لـ"إله الطقس" في فيتنام، به أعواد بخور محترقة تركها مصلون سابقون.

فكرت في هذا المجتمع الصغير المعرض للخطر، وكيف يمكن أن يتلاشى تاريخه وثقافته بفعل موجات المد التي يرتفع مستواها. على أي حال، ستمضي عقود طويلة قبل أن يعلم أحد منّا ما إذا كان لدى فيتنام فرص في النجاة من ارتفاع منسوب المياه، أم لا.

لذا، كرست صلواتي لـ"إله الطقس"، متضرعا أن يبقى هذا المكان الجميل، ليظل مركزا لجذب المسافرين والسائحين، وكاميراتهم، لمئة عام.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

المزيد حول هذه القصة