العمل من المنزل قد يؤثر سلباً على مستقبلك الوظيفي

العمل من المنزل قد يؤثر سلباً على مستقبلك الوظيفي مصدر الصورة Getty Images

عندما بدأ إيان رايت يعمل من منزله في العاصمة البريطانية لندن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بدا له أنه يعيش وضعاً مثالياً، إذ بات يقضي وقتا أطول مع طفله ذي الشهرين من العمر في نفس الوقت الذي يعمل فيه لشركته الجديدة "بريتيش بزنس إنرجي"، التي تساعد الشركات على مقارنة أسعار المزودين بالغاز والكهرباء.

وفي منزله المكون من غرفتين في بلدة غرينيتش، جلس رايت في غرفة الطعام وفي ذهنه أنه سينفذ خطة كبيرة تتمثل في أن يقضي وقتا مع طفله ويعمل في الشركة في نفس الوقت.

لكن أياً من الأمرين لم يحدث كما كان يأمل. يقول رايت: "منذ البداية تبخرت الأحلام والأمال وظهرت الحقيقة ووصلت بسرعة إلى نتيجة مفادها أن ذلك لن ينجح".

وبعد شهرين من ذلك حاول أن يعهد بالطفل إلى روضة لرعاية الأطفال أثناء النهار، ثم عاد إلى طاولة غرفة الطعام واثقاً من أن فكرته ستنجح هذه المرة، لكن أموراً كثيرة وقفت عائقاً بينه وبين التركيز في العمل مثل ما يتطلبه المنزل من إصلاح بعض الأمور، وساعي البريد الذي يطرق الباب، والأعمال المنزلية المختلفة.

يقول رايت: "هذه الأمور البسيطة تقطع حبل انسجامي وتركيزي في العمل. ونهاية اليوم، تتساءل: كيف مر كل هذا الوقت؟"

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أحد أسباب إخفاق العمل من المنزل هو وجود أمور كثيرة تشتت التركيز

وبعد مرور شهر، أدرك رايت أنه لا يمكن أن ينتج إذا عمل من المنزل. وهكذا، قام باستئجار طاولة في مكان مشترك مع موظفين آخرين قرب جسر لندن وسط العاصمة، ومن ثم بدأ في التحرك والانطلاق قدماً.

وتشير الأبحاث إلى زيادة الإنتاجية والسعادة نتيجة للعمل من المنزل، لكن دراسة جديدة أظهرت أيضاً أنه يتعين على الشخص توخي الحذر قبل أن يقرر العمل من المنزل بدلاً من المكتب.

التدريب أولاً

من المتوقع خلال السنوات القادمة أن تصبح جداول العمل المرنة أكثر شيوعاً وانتشاراً. وقد تبنت بعض الشركات حتى الآن مبدأ توفير عدد من المكاتب أقل من عدد الموظفين في إطار جهودها لتوفير المال وتشجيع الموظفين على إنجاز متطلبات العمل من خارج المكتب، فيما يعرف بأيام الدوام عن بعد. وتتيح القوانين في بريطانيا لكثير من الموظفين أن يطلبوا أوقات دوام أكثر مرونة، وتتبع الشركات في كافة أنحاء العالم سياسة توظيف قائمة على العمل من المنزل.

لكن هناك مشاكل تواجه العمل من المنزل منذ البداية، ويعود السبب في ذلك إلى أننا نعتقد أن كل شخص قادر على القيام بكافة جوانب العمل المطلوب منه بعيداً عن المكتب.

هذا ما توصلت إليه إيسثر كانونيكو في دراسة نشرت حديثاً عن 514 من الموظفين. وتقول كانونيكو، أستاذة بكلية الإدارة بكلية لندن للاقتصاد، إن الموظفين الذين يعملون من المنزل في دراستها لم يتلقوا أي تدريب أو توجيه عن كيفية الانتقال من أجواء وظروف العمل في المكتب إلى العمل من المنزل.

وتعتبر هذه الدراسة إضافة يجب أن تؤخذ في الحسبان نظراً لأن نحو نصف الموظفين البالغ عددهم 514 الذين شملتهم الدراسة إما أنهم عملوا من المنزل بدوام كامل أو كانت جداول عملهم تحظى ببعض المرونة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption من أجل إنجاح العمل من المنزل تجنب العمل من مكان متعدد الاستخدام وحدد لك مكتباً خاصاً

ولو خضت هذه التجربة بنفسك فستدرك أن العمل من المنزل ليس ببساطة أن تفتح جهاز الكمبيوتر الشخصي وتبدأ بالعمل. لكن التدريب - الذي يتجنبه بعضنا ولا يتلقى منه البعض الآخر ما يكفي- يمكنه أن يصنع الفارق بين الفشل والنجاح في العمل بعيداً عن المكتب.

ومن الأرجح أن يقول المبتدئون إنهم بحاجة إلى مكتب أو مكان عمل خاص بهم، يحول دون أن تكون العائلة أو غيرها من العوامل سبباً في تعطيل العمل. وفي الحقيقة، من السهل قول ذلك، لكن من الصعب تطبيقه (ولكي تعرف ذلك انظر إلى ما حدث للبروفسور روبرت كيلي، الذي أصبح مشهوراً للغاية على شبكة الإنترنت بعد أن اندفع أطفاله الصغار إلى الغرفة أثناء مقابلة تلفزيونية على قناة بي بي سي على الهواء).

ثم إن هناك المطبات اليومية التي يمكن أن تؤدي إلى مشاكل كبيرة في مستقبلك المهني، كما تقول كانونيكو، فعلى سبيل المثال، إذا لم تكن في المكتب ولم يشعر أحد بوجودك فمن المرجح أن تفوتك المشروعات والفرص الجديدة التي يعهد بها المسؤول إلى شخص يراه كل يوم.

ويشير بحث أجرته جامعة أريزونا أن 40 في المئة من الموظفين الذين يعملون من المنزل يشعرون بالانفصال عن الاتجاه الإستراتيجي للشركة. ويشعر ثلث هؤلاء الموظفين بأنهم لا يتلقون دعم رؤسائهم، حسب جوي كاريلا، مساعد عميد التعليم التنفيذي في كلية الإدارة بجامعة أريزونا.

تقول كانونيكو: "يصبح الذين يعملون من المنزل معزولين مهنياً واجتماعياً. وكما يقول المثل: البعيد عن العين بعيد عن العقل".

خطوات صغيرة نحو المرونة

ربما كنت تعتقد أن العمل من المنزل يخلصك من أعباء الالتزام بالحضور والانصراف في مواعيد محددة ويجنبك عبء السفر لساعتين يومياً وأن أداؤك يحكم عليه بالإنجاز والنتائج وليس بالحضور إلى المكتب.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption العمل كثيراً من المنزل قد يجعل الموظف يشعر بأنه معزول مهنياً

ومن المهم للغاية أن نعمل على التخفيف من الجوانب السلبية التي تصاحب العمل من المنزل أو من خارج المكتب. وهذا هو ما تعلمه تيم كامبل من عمله بدوام جزئي من المنزل أثناء عمله في شركة "ألكساندر مان سوليوشنز" العالمية.

ساعد كامبل، الذي فاز بجائزة بي بي سي للمبتدئين لعام 2005 في المملكة المتحدة، في تقديم الاستشارة لشركات أخرى خلال الانتقال إلى جداول عمل مرنة وكان ذلك جزءاً من الخطوة التي قامت بها شركته قبل عامين بإتاحة الفرصة للموظفين للعمل من المنزل. ويعمل الآن 10 في المئة من موظفي الشركة البالغ عددهم 3500 موظف من المنزل. لكن الأمور لا تسير دائماً بهذه السلاسة.

يقول كامبل: "نحن نتحدث عن حجم الزيادة في إنتاجية الموظفين، لكننا نهمل الخطوات التي لا بد منها لبلوغ تلك الغاية".

ويتمثل البديل في أنه يتعين علينا التفكير بهذا الأمر كما نفكر بأي خطوة جديدة لم يسبق تطبيقها من قبل، عبر عملية تضمين عوامل عدة. فلابد من العمل ليومين أو ثلاثة في الأسبوع كبداية قبل الإنتقال إلى العمل بدوام كامل من المنزل. ومن ثم لا بد أن تجري عملية تقييم مستمرة لمعرفة ما إذا كانت الإنتاجية كما كانت في السابق أم تراجعت، وذلك قبل أن يقرر المسؤولون أن يعمل موظفوهم من المنزل أم من المكتب.

ويجب على الشخص أن يبحث عن وسائل تجعله على تواصل مع مكان العمل. ففي شركة "ألكساندر مان"، يقول كامبل إن ذلك يحدث من خلال لقاءات غبر الفيديو كونفرنس للتأكد من أن المسؤولين يشاهدون باستمرار وجوه موظفيهم الذين يعملون من المنزل. ويجب أن يشارك الشخص في اجتماعات الموظفين الكبيرة. يقول كامبل: "يفترض كثير من الناس أنهم عندما يبدأون في العمل من المنزل فإنهم يبقون هم أنفسهم الأشخاص الذين يعملون في المكتب وأن التغيير الوحيد هو بيئة العمل. يمكن لذلك أن يحدث ولكن لا بد من بذل كثير من الجهد للتوصل إلى هذه النتيجة".

عندما لا تنجح استراتيجية العمل من المنزل

يرى لبيدرو كاسيرو، الذي حاول العمل من شقته بلندن بعد أن شارك في تأسيس شركة اطلق عليها اسم "أوبي" العام الماضي، أن الجمع بين العمل من المنزل والمكتب أمر غير ناجح. وبدافع توفير المال، قرر كاسيرو وشركاؤه العمل من المنزل، لكنه سرعان ما أدرك حجم التشويش الذي يتعرض له أثناء العمل من المنزل مثل زيارة السباك أو طهي طعام الغداء.

يقول كاسيرو: "تلك الأشياء الصغيرة التي تحدث خلال اليوم تأخذ من وقتك الكثير بطريقة لا تحدث فيما لو كنت تعمل من المكتب وليس من البيت". وفي يونيو/حزيران وفرت الشركة مكاناً لمكاتبها.

ومع ذلك، لا يعارض كاسيرو العمل من المنزل ويقول إن العديد من مصممي ومطوري المواقع الإلكترونية الموهوبون بحاجة إلى جدول مرن للعمل من المنزل.

ويضيف: "أدقق في حجم إنتاجيتي وأعرف أنني أكثر إنتاجاً عندما أعمل من مكتب تقليدي. لكنني أعرف أنني أيضاً ينبغي أن أتحلى بالمرونة عند ضم موظفين جدد للشركة. ما يهمني هو ما إذا كان الناس قادرون على إنجاز الأعمال التي نريدهم أن ينجزوها وليس المكان الذي سينجزون منه أعمالهم".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة