شركة بريطانية تختار موظفيها الجدد وفقا لصفاتهم الشخصية

إحدى شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة للأطفال "مستر من" مصدر الصورة THOIP
Image caption شركة "تيمبسون" البريطانية توظف العاملين لديها وفقا لقرب طبيعة شخصية كلٍ منهم أو بعدها عن شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة للأطفال "مستر من"

إذا ما تعين عليك أن تختار شخصيةً من شخصيات سلسلة الأطفال الشهيرة "مستر مِن" ترى أنها تشبهك أكثر من غيرها؛ فأيٌ الشخصيات ستختار؟

لا يزال الكثيرون يتذكرون منذ كانوا أطفالاً شخصيات سلسلة "مستر مِن" (Mr Men) الشهيرة للأطفال، التي أبدعها الكاتب روجر هارغريفز، وحظيت بإعجاب واسع النطاق وبلغ حجم مبيعاتها على مستوى العالم أكثر من 120 مليون نسخة.

فمن أنت من بين شخصيات هذه السلسلة؛ هل أنت "السيد سعيد"؟ أم "السيد غاضب" أم "السيد ماهر" أو ربما "السيد بارع في كل شيء مهما كان صعباً"؟

ولكن بقدر ما تتسم به قصص هذه السلسلة من إمتاع، يندر أن يكون أحدٌ منّا قد تصور أنه من الممكن أن يصبح لها استخدامٌ عمليٌ في عالم المال والأعمال.

حسناً، يحدث هذا بالفعل في شركة "تيمبسون" لإصلاح الأحذية وصنع المفاتيح في المملكة المتحدة، التي توظف العاملين الجدد فيها وفقاً لقرب طبيعة شخصية كلٍ منهم أو بعدها عن شخصيات تلك السلسلة الشهيرة.

فقد تتوجه للمقابلة الشخصية الخاصة بالتوظيف في هذه الشركة، وفي جعبتك السيرة الذاتية الأقوى في العالم؛ لكنك ستُباغت بأن كل ما يهم القائمون على المقابلة هو تحديد طبيعة شخصيتك، فإذا كنت مثلاً "السيد كسول" ستبدد كل آمالك في الحصول على الوظيفة بالطبع، أما إذا خلصوا إلى أنك "السيد مبتهج" فستكون لديك فرصةٌ جيدة للغاية للفوز بالوظيفة.

ويقول جون تيمبسون البالغ من العمر 74 عاما، والذي تولى منذ 42 عاما قيادة هذه الشركة التي تمتلكها أسرته، إن الهدف الأساسي والوحيد للمقابلة هو التعرف على شخصية المتقدم.

مصدر الصورة AJ LEVY
Image caption ابتكر جون تيمبسون طريقة التوظيف الجديدة القائمة على تحديد شخصيات المتقدمين ومقارنتها بشخصيات سلسلة "مستر مِن"

ويضيف تيمبسون إن شركته لا تكترث كثيراً بمؤهلات المتقدم أو سيرته الذاتية. ويشير إلى أنها تركز على شخصية المتقدم في حد ذاته، وتحدد طبيعتها، "فهل هو 'السيد غاضب' أم' السيد بطيء' أم 'السيد سعيد'؟"

ويمضي تيمبسون قائلاً: "إذا ما استوفى (المتقدمون) جميع الشروط، يتم منحهم الفرصة للعمل في أحد الفروع لنصف يوم".

وفي سياق شرحه لطريقة التفكير التي قادته لاتباع هذا النهج غير المألوف إلى حدٍ ما، يقول تيمبسون إنه بينما يمكن للمرء أن يدرب العامل الجديد على كيفية القيام بوظيفته، فليس بوسع أي شركة مهما كانت أن تدرب وتهذب شخصية العامل نفسها.

وإذا نظرت إلى مستوى أداء شركة "تيمبسون" في السوق وقدرتها على الحفاظ على هذا المستوى مرتفعاً، فستدرك أن هذه الطريقة في التوظيف تؤتي ثمارها - على ما يبدو - بشكلٍ جيد.

ففي العام الذي انتهى في سبتمبر/أيلول 2015، شهدت "تيمبسون" - وهي شركة معروفة في المملكة المتحدة وجمهورية إيرلندا - زيادةً في مبيعاتها بنسبة ثمانية في المئة بقيمة تصل إلى 130 مليون جنيه إسترليني (نحو 167 مليون دولار أمريكي).

كما زادت أرباحها قبل خصم الضرائب بنسبة 65 في المئة لتبلغ 10.3 مليون جنيه إسترليني (أكثر من 13 مليون دولار أمريكي).

وإذا نظرنا إلى جون تيمبسون، من منظور رجال الأعمال التقليديين، فستشعر بأن هذا الرجل لا يدير في واقع الأمر شركته التي أسسها جده الأكبر عام 1865.

فمن بين العوامل الأخرى التي يعتبرها هذا الرجل جزءاً لا يتجزأ من نجاحه، نهجه في الإدارة الذي يُطلق عليه اسم "الإدارة بطريقة الهرم المقلوب". ويقوم هذا النهج على إعطاء فروع الشركة البالغ عددها 1.325 فرعاً قدراً هائلاً من الاستقلالية.

مصدر الصورة TIMPSON
Image caption لدى الشركة 1,325 فرعاً في مختلف أنحاء المملكة المتحدة وجمهورية إيرلندا

يقول "تيمبسون" الذي يضطلع بمهام رئيس الشركة إنه ليس بوسع المرء تدريب العاملين لديه "على تقديم الخدمة على نحوٍ جيد للغاية. هذا الهدف لا يتحقق بإصدار الأوامر أو وضع ملاحظات (على الجدران) في الجزء الخلفي من غرفة العاملين".

ويمضي بالقول إن مستوى أداء العاملين يصل إلى ذروته "عندما تعطيهم الحرية، لذا فنحن نسمح لهم (العاملين) بتقاضي المقابل الذي يريدونه مقابل الخدمة التي يقدمونها. هنا ليس بمقدورك أن تقول للناس (العمال) ما يتعين عليهم فعله".

ويستطرد تيمبسون قائلاً: "لذا، يحدث في كثيرٍ جداً من الأحيان، عندما لا يكون لدى العميل نقودٌ، أن يكون بوسعهم (العاملين) القول 'لا تقلق، أعطنا المال في المرة المقبلة'".

كما يمكن للعاملين لدى الشركة دفع أموالٍ تصل إلى 500 جنيه إسترليني (نحو 640 دولاراً) لتسوية شكوى تقدم بها عميل، وذلك دون أن يكونوا بحاجة إلى العودة إلى المكتب الرئيسي أو مسؤول أعلى درجة، لأخذ الموافقة على ذلك.

ولكن كيف يضمن تيمبسون في ظل هذا كله أن عماله يديرون شركة هادفةً للربح وليس جمعية خيرية؟ في إجابته عن هذا السؤال يعود الرجل إلى عملية التوظيف ذاتها قائلاً :"عندما يختار مديرو الفروع أشخاصاً (للعمل معهم) فإنهم ينتقون الأكفاء".

ويضيف بالقول: "كما يحصل العاملون على علاواتٍ أسبوعية وفقاً لما يحققه الفرع" من أرباح. ويشير إلى أن هؤلاء لا يهملون العمل أو فكرة تحقيق الربح، فـ"نحن نثق فيهم وفي قدرتهم على العمل بشكل يلائم مقتضيات النشاط التجاري" الهادف للربح.

ومن بين السياسات الرئيسية التي تتبعها شركة "تيمبسون" في توظيف العاملين لديها، اختيار أشخاصٍ ذوي سجلات جنائية. فقد قضى 10 في المئة من أصل نحو 4,700 شخص يعملون في هذه الشركة، فترةً ما خلف القضبان.

وتعد فكرة منح المجرمين السابقين فرصةً ثانية للاندماج في المجتمع من بنات أفكار جيمس، نجل جون تيمبسون، وهو الرجل الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة منذ عام 2011.

مصدر الصورة TIMPSON
Image caption افتُتِح أول متاجر تيمبسون عام 1865 في مدينة أولدهام، التي باتت الآن جزءاً من مانشستر الكبرى

ويقر تيمبسون الأب بأنه شعر بالقلق قليلاً في البداية حيال الكيفية التي سينظر بها الناس إلى هذا الأمر "ولكن ثبت أنني على خطأ .. زملاؤنا يشعرون بفخر شديد إزاء ذلك الأمر، كما يحبه عملاؤنا أيضا".

معركة الإدارة

وإذا عدنا إلى الماضي، فسنجد أن جون تيمبسون التحق بالعمل في هذه الشركة العائلية التي تتخذ من مدينة مانشستر البريطانية مقراً لها، وهو في سن المراهقة وعمل آنذاك في عددٍ من متاجرها. في ذلك الوقت لم تكن "تيمبسون" تكتفي بإصلاح الأحذية، وإنما كانت تتولى تصنيعها وبيعها أيضاً.

وبعد تخرجه في الجامعة، عمل في شركة "كلاركس" للأحذية - المنافسة لشركة أسرته - وذلك في إطار مشروعٍ كان مُخصصاً للخريجين، قبل أن يعود أدراجه إلى شركة "تيمبسون"، ليشق طريقه في صفوفها حتى وصل إلى منصب مدير المشتريات، وهو في السابعة والعشرين من العمر.

غير أن تيمبسون الأب ووالده أُرْغِما على الخروج من الشركة عام 1973 بعد خلاف اندلع داخل مجلس إدارتها، ليتولى عمه بعد ذلك زمام الأمور.

لكن الشركة لم تبل في غيابهما بلاءً حسناً بما يكفي. ليعود تيمبسون الأب في عام 1975 ويصبح مديراً عاماً للشركة، في حين جاء دور العم للرحيل هذه المرة عنها.

وبعد ثماني سنوات، قاد الرجل عمليةً اشترى بمقتضاها مديرو الشركة أصولها، والحق في إدارة أنشطتها من المجموعة الأم التي كانت تمتلكها حينذاك، وذلك مقابل 42 مليون جنيه إسترليني (53.8 مليون دولار). لتعود "تيمبسون" بذلك إلى ملكية أسرته.

وفي ذلك الوقت تقريباً، اتخذ تيمبسون الأب قراره بأن تركز الشركة على إصلاح الأحذية، والتخلي عن محال بيعها التي رأى أنها لا تحقق أي أرباح أو نجاح.

ومنذ ذلك الحين، بدأت "تيمبسون" تنويع أنشطتها لتشمل صنع المفاتيح، وإصلاح الساعات، وبيع لوحات التعريف التي تُوضع على أبواب المنازل. كما اشترت شركتيّ "ماكس سبيلمان" و"سنابي سنابس" للتصوير الفوتوغرافي، بجانب وحدة التنظيف الجاف التابعة لمجموعة "جونسون للخدمات".

مصدر الصورة CLAIRE WOOD
Image caption يتولى جيمس تيمبسون الابن الآن منصب الرئيس التنفيذي للشركة

ويقول محلل شؤون شركات التجزئة ريتشارد هايمن إن بوسع الشركات الأخرى التي تمتلك سلاسل من المتاجر تعلم الكثير من تجربة شركة "تيمبسون". فبرأي هايمن كانت هذه الشركة تبدو في عين أي شخصٍ راغب في العمل، من بين أكثر الشركات التي تفتقر إلى البريق وإلى القدرة على بعث الحماسة في النفوس.

ويضيف هايمن بالقول إن "تيمبسون" كمجموعة؛ موجودة الآن في السوق بكفاءة وفي وضع اقتصادي جيد، وهو ما يجعلها أفضل حالاً من الكثير من شركات التجزئة الأكبر حجماً منها والعاملة حالياً على حد تعبيره.

وبينما لا يخطط تيمبسون الأب للتقاعد، يتولى نجله جيمس في الوقت الحاضر إدارة الأنشطة والأعمال اليومية للشركة. وقد أتاح ذلك الفرصة للأب لكي يكتب عموداً أسبوعياً في إحدى الصحف، وأن ينشر العديد من الكتب التي تتناول موضوعاتٍ اقتصادية، ومن بينها أحدث كتبه "مفاتيح النجاح".

وبالإضافة إلى نشاطه المهني، فلدى هذا الرجل حياةٌ عائلية حافلة بالصخب والنشاط والأعمال الأخرى. فبجانب أبنائه الخمسة، تبنى هو وزوجته أليكس - التي توفيت العام الماضي عن 69 عاماً - أو كفلا ما لا يقل عن 90 طفلاً خلال حياتهما الزوجية.

ويقول تيمبسون الأب إن ذلك علمه "الكثير بشأن الناس". ويضيف تيمبسون في هذا الشأن: "لا أزال أسعى لمساعدة الأطفال في المدارس، وتعليم المعلمين الأسباب التي تجعل الأطفال الذين (يعيشون) في دورٍ للرعاية يتصرفون على الشاكلة التي هم عليها".

من جهة أخرى، يجوب تيمبسون الأب أنحاء المملكة المتحدة - في الكثير من الأحيان - لزيارة فروع شركته. ويقول في هذا الشأنٍ: "من الجميل حقاً أن تذهب إلى متجرٍ يُدار بكفاءة، ومن الرائع أن تجد عميلاً يُطري أداء أحد العاملين فيه. كما أنه من اللطيف أن تكون لديك شركة تتبنى قيماً تعتمد على التسامح والرأفة والكرم".

ويختتم حديثه بالقول: "بوسعك فعل الخير وكسب المال في الوقت ذاته".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Entrepreneurship.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة