المهن التقليدية "ستختفي" من وظائف المستقبل

وظائف المستقبل لن تكون من المهنيين مصدر الصورة Getty Images
Image caption يرى المدرب المهني جان-فيليب ميشيل أنه بدلاً من تشجيع كل شخص على اختيار مهنة معينة، فإنه يجب التركيز على المهارات التي يريد كل طالب اكتسابها مبكرا في حياته.

يقيم جان-فيليب ميشيل، الذي يعمل مدربا مهنيا، بمدينة أوتاوا الكندية، ويركز عمله على طلاب المرحلة الثانوية. وخلال أدائه لمهام عمله، لا يستخدم فيليب كلمة مهنة. كما أنه لا يركز على مساعدة عملائه من الشباب في تحديد مسار مستقبلهم المهني عندما يكبرون، على الأقل بشكل غير مباشر.

بالنسبة له، لا يوجد شيء يُسمى "مهنة" يريد الشخص أن يعمل بها عندما يكبر.

وبدلا من تشجيع كل شخص على اختيار مهنة معينة، مثل وظيفة مهندس معماري، يركز ميشيل على المهارات التي يريد كل طالب اكتسابها مبكرا في حياته. وبدلا من أن يقول الشخص: "أريد أن أصبح طبيبا"، فإن ميشيل يسعى لتشجيع الطلاب على التحدث عن هدف معين، مثل اكتساب مهارات "التعاطف مع الآخرين في بيئة طبية".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يقول ميشيل إنه ينبغي على الطلاب التحول من التفكير في الوظائف والمهن إلى التفكير في التحديات والمصاعب

قد يبدو الأمر وكأنه مقصور على فئة معينة من الناس، لكن الغرض من الأسلوب الذي يتبعه ميشيل هو تحديد الأهداف الحقيقية التي يسعى إليها الشخص. أحيانا لا تنسجم هذه الأهداف مع مهنة محددة، أو حتى اختيار الوظيفة التي ربما اعتقد الشخص أنه يريد العمل بها في بادئ الأمر.

وعوضا عن ذلك، يقول ميشيل إن تحديد المهارات التي تريد أن تستخدمها يقودك إلى التركيز على مهنة أكثر تحديدا. لذلك، فإن ذلك على الأرجح سيجلب لك القناعة والرضى. وقد يكون الأمر عبارة عن مجموعة من المشاريع ومواقف العمل التي تنقلك من حالة الى أخرى، أكثر من مجرد وظيفة أو مهنة.

يقول ميشيل: "إنهم (الطلاب) بحاجة للتحول من التفكير في الوظائف والمهن الى التفكير في التحديات والمصاعب". يسهُل قول ذلك عن تنفيذه بالنسبة لأبناء الجيل إكس (مصطلح يشير إلى من ولدوا بين أوائل الستينيات إلى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي) أو حتى من هم أكبر سنا من أبناء جيل الألفية الثانية. لكن ذلك ليس أمرا مستبعدا لجيل الشباب الأصغر سنا، الذين يركزون على مجالات محددة في دراساتهم الجامعية.

ويشير ميشيل إلى أن الهدف الأساسي من ذلك هو تهيئة الجيل التالي لوظيفة في المستقبل، تتألف بالنسبة للكثيرين من مهام صغيرة متعددة لأشخاص أصحاب مهارات، يتقاضون رواتب مرتفعة، وليس شركة أو مدير واحد.

وفي نهاية المطاف، فإن تحديد أهداف بعينها سيساعد المراهقين في التخطيط لما يطلق عليه الكثيرون مصطلح "محفظة الوظائف". ويتألف هذا النوع من المهن من مشاريع أو أدوار متباينة إلى حد ما، لكنها ستكون أكثر انتشارا خلال العقد القادم، حسبما يقول ميشيل.

ويرى ميشيل أنه: "سيجب عليهم (أبناء العقد القادم) التخطيط لمسار وظيفي أكثر تحديدا مما كان في السابق".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption "محفظة الوظائف" ليست فكرة جديدة، لكن التكنولوجيا الحديثة جعلتها تدخل ضمن مهام العمل

اختفاء الرؤية التقليدية

يقول باحثون في دراسات المستقبل ومديرون تنفيذيون في الموارد البشرية إن حياتنا العملية ستشمل إنجاز مهام عديدة أو مشاريع طويلة الأمد في ذات الوقت.

كما تقول جين مايستر، المقيمة في نيويورك والتي شاركت في تأليف كتاب "أجواء أماكن العمل في المستقبل"، إنه "بدلا من تحديد دورك أو مهامك الوظيفية، فإنك ستضيف باستمرار مهارات ستزيد من فرص توظيفك".

وإذا كنت من الجيل الأكثر شبابا، فذلك سيعني على الأرجح القدرة على تبني المرونة والشغف بدلا من الانخراط في دور تقليدي، مثل مجالات المحاسبة أو التسويق أو الأمور المالية.

وتوجد حاليا بالفعل علامات مُبشرة على حدوث هذا التغيير؛ فقد أصبح مألوفا جدا أداء مهام وأدوار متنوعة حتى داخل الشركة الواحدة، حسبما تقول استير روجرز، التي تساهم في نشر مجلة فصلية تتعلق بالرؤى والنظرة المستقبلية لأماكن العمل.

كما تعمل روجرز في خدمة العملاء كجزء من مهامها الوظيفية لدى شركة "آيدي كوتشور" للابتكارات والتصميم، ومقرها تورنتو بكندا. وخارج أوقات العمل، تؤدي روجرز أدورا في التمثيل الصوتي. وتقول إنه يوجد "مزيج حقيقي من المهام ضمن دورها الوظيفي. وأصبح من الصعب بالفعل وضع عناوين لبعض الوظائف."

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يمكن أداء مزيج متنوع من المشاريع أن يجعلك تشعر وكأنك رائد أعمال، حتى وإن كنت تعمل لدى شركة كبيرة، حسبما يقول جاكوب مورغان

موظفون بمهام حرة

توجد فكرة بناء "محفظة الوظائف" منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي، استنادا إلى الاهتمامات الحالمة للعديد منا بخلق مسار مهني مميز عن الآخرين. وحتى وقت قريب، كانت الفكرة لا تعدو كونها مسألة نظرية أكثر منها عملية، نظرا لنقص التكنولوجيا التي جعلت العثور على فرص جديدة أمرا يستغرق وقتا طويلا، حسبما تقول مايستر.

لكن الآن، وبعد أن أوجدت التكنولوجيا فرصا أكثر ضمن اقتصاديات العمل الحر المؤقت، مثل خدمات "أوبر" و"انستاكارت" أو "تاسك رابت"، تجد فكرة العمل الجزئي طريقها إلى مصاف المهن.

وتقول مايستر إن الشركات، التي تتبنى أسلوبا تقليديا أكثر في العمل، تحاول اللحاق بالركب وتقدم فرص عمل ذات طبيعة حرة للعاملين فيها. وعلى سبيل المثال، تجرب شركة "سيسكو سيستمز" العملاقة للتكنولوجيا، وشركة "ماستركارد" لخدمات الائتمان المالي، ما يُسمى بـ"التنقلات الداخلية" التي تُتيح للعاملين فيها انتقاء المشاريع بعناية من أجل ملء فجوات مُحددة للشركة، بدلا من أن يكونوا ضمن مهام أكثر تنظيما، حسب مايستر.

وبدلا من الاستمرار في العمل ضمن قسم معين في الشركة وتحت إدارة مشرف واحد، يجري تشجيع العاملين كي يختاروا مهماتهم التالية، استنادا إلى مهاراتهم هم أو المهارات التي يرغبون بتطويرها، أي العمل في قسم أو إدارة مختلفة في الشركة. وتضيف مايستر أن الفكرة تحقق نجاحا، مع أنه لا تزال هناك حاجة لدراسة العائدات الاستثمارية لهذه الجهود.

ويقول مايكل ستول، وهو النائب الأول لرئيس مجموعة "مانباور غروب"، وهي شركة استشارات عالمية للموارد البشرية بولاية ويسكنسن الأمريكية، إن مزيدا من الشركات بدأت تطالب بتبني نماذج عمل مماثلة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يمكن للممهن أن تؤثر على هويتنا، فما الذي سيحدث في حياة مهنية تعتمد على أداء المشاريع الجزئية داخل نفس الشركة

ويرى خبير دراسات المستقبل، جاكوب مورغان، مؤلف كتاب "فوائد خبرات العاملين" والمقيم بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أن فائدة تجربة توفير فرص عمل داخلية بالنسبة للشركات تستند إلى المهمات الحرة، بمعنى أن هناك احتمالية أقل لانتقال الموظفين من شركة إلى أخرى. ويُضيف مورغان أنه يمكن للمشاريع الحرة داخل الشركة أن تُلهم إحساسا بروح الريادة والاستقلالية، وهذا بدوره ربما سيجعلنا لا نرغب في التنقل باستمرار من شركة الى أخرى والدخول في منافسة.

صياغة مسار وظيفي

يبدو أن اختيار مكان العمل والكيفية التي نعمل بها أمر مُمتع، أليس كذلك؟ لكن عندما يتعلق الأمر بصياغة مسار مهني طويل الأمد، فهناك مساويء في إيجاد محفظة للوظائف التي تريدها، حسبما يقول الخبراء.

وإذا اتنقلت باستمرار من وظيفة الى أخرى، فإن ذلك التغيير قد يكون مُربكا، ويحرمك من مسار جليّ نحو نجاح قياسي مُهم.

ويقول المدرب المهني ميشيل إنه في ظل حدوث ترقيات أقل وتغييرات في الوظائف، ربما سيكون الإحساس بالنجاح أكثر صعوبة حتى إذا كنت تُنجز مهامك ومشاريعك بانتظام. وعلاوة على ذلك، فإن هويتنا تكون غالبا مُغلفة في نوع العمل الذي نقوم به، وهذا لا يتناسب مع خطط أداء المشاريع الصغيرة داخل الشركة.

ورغم أن بعض الشركات لا تزال تجرب الفكرة، فإن التوجه بعيدا عن التفكير النمطي فيما يتعلق بالتطور والنمو المهني سيستغرق سنوات لكي يشهد تغييرا.

ويقول: "أكبر حاجز أمام التكيّف والتأقلم هو التفكير النمطي".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة