كيف تتعامل مع الأصوات الصاخبة في بيئة العمل؟

لأماكن العمل المفتوحة العديد من السلبيات مصدر الصورة Getty Images

تشكّل مكاتب العمل المفتوحة بيئة خصبة للشعور بالضيق والانزعاج. فما الذي ينبغي عليك عمله إذا كنت تعاني من تشتت الأفكار في مكان العمل بسبب كثرة الأصوات من حولك؟

تعمل تانيا باركر في وكالة للابتكارات في لندن، وهو مكان يثير حفيظة بعض العاملين فيه أحيانا.

فبيئة العمل في هذا المكان بيئة مفتوحة تضم ما يقرب من 60 موظفا، وتعلو فيها الأصوات المتداخلة، وذلك لعدم وجود حواجز تفصل كل مكتب عن الآخر لتمنع الأصوات الصادرة من أحاديث الزملاء في المطبخ مثلا، أو أصوات ضحكاتهم وهم جالسون أمام مكاتبهم.

تحتاج باركر، وهي محرّرة تبلغ 26 عاماً، إلى الهدوء لكي تركّز في عملها. لكنها تجلس في مكان يشاركها فيه خمسة زملاء آخرون، ويقع بالقرب من مصعد الشركة، وتفصل مساحة ضيقة جدا بين ذراعها وهاتف زميلها المجاور لها.

ورغم تعدد مصادر الإزعاج المحتملة في بيئة عمل كهذه، فإن الأمر الذي يمكنه تدمير أعصابها حقاً هو صوت نقر النعال على أرض المكتب.

تقول باركر: "إنه مكتب عمل كبير، ولذا فإن صدى الأصوات يتردد فيه بقوة . وعندما يتوجب على أصحاب الأحذية ذات الكعوب العالية أن يمرّوا بجوار مكتبي، فإني أصاب بالانزعاج."

لكن حتى عندما يصل مدى انزعاجها إلى ذروته، "لن يكون بمقدورك عمل شيء في أجواء مهنية كهذه"، كما تقول.

وتضيف باركر أنها بدلا من التصرف بشكل غير لائق، فإنها تترك المكان وتذهب إلى مقهى مفضل لها، أو حتى إلى دورة المياه لتحصل على بضع دقائق من الخلوة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يمكن تخفيف الأصوات المزعجة عن طريق ارتداء سماعات حجب الضوضاء. أما من يعتبرها دون جدوى، فينبغي عليه أن يطلب المساعدة من رؤسائه

ويدرك كل من عمل في بيئة مفتوحة كهذه، أو شارك زملاءه في أماكن عمل ضيقة، أن الأصوات المحيطة تمثل مصدرا للتوتر. لكن هناك أسبابا حيوية في بعض الأحيان تجعل من أماكن العمل المفتوحة مصدراً للإزعاج بصورة كبيرة.

وقد أظهرت دراسة أجريت بجامعة كورنيل، شملت 40 من موظفي المكاتب الذين تعرضوا للضوضاء في أجواء عمل مفتوحة، أن الأصوات قد زادت من مستويات هرمون الأدرينالين الذي يستثير الجسم لاستجابات الكرّ أو الفرّ.

ويمكن لأصوات مثل مضغ تفاحة، أو قهقهة، أو شهيق، أو سعال أن تثير مشاعر السخط أو الغضب لدى العاملين، مما يدمر الإنتاجية ويولّد الاستياء.

ونتيجة للضوضاء المتواصلة، ووجود الزملاء على مقربة من بعضهم في بيئات العمل المفتوحة، يزداد الحال سوءاً في بعض الظروف الخاصة أيضاً. ومن أمثلة ذلك وجود موظف أو أكثر ممن يعانون مما يعرف بـ "متلازمة حساسية الصوت الانتقائية" (الميزوفونيا)، التي تؤدي إلى توتر غير معتاد بسبب أصوات بعينها.

وهذه الحالة تتجاوز مجرد النفور من الضوضاء غير المرغوبة، فالذين يعانون من هذه الحالة تصدر منهم ردود فعل غير اعتيادية تجاه أصوات معينة تثير حفيظتهم، وتشمل هذه الأصوات صوت التنفس، أو مضغ الطعام، أو حتى احتكاك بعض الملابس ببعضها.

وقد أدت ضوضاء أماكن العمل جزئياً إلى الإحساس بالانفصال لدى ما يقرب من ثلث العاملين في بيئات العمل المفتوحة، بحسب دراسة أجرتها مؤسسة "ستيلكيس" في عام 2016، في 17 بلداً. لكن نظراً لتطبيق العديد من الشركات في العالم فكرة مكاتب العمل المفتوحة أو المكاتب المشتركة، فليس سهلاً على المؤسسات تغيير ما يُقلق العاملين في هذا الشأن، أو الاستجابة لمتطلباتهم. وبدلاً من ذلك، يقع عبء ذلك على العاملين ليجدوا حلولاً لصخب المكاتب.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption إذا كان صوت تناول زميلتك لطعامها يدفعك إلى الجنون، فعلى الأرجح أن الإدارة لن تستطيع عمل شيء حيال ذلك

ليس سراً أن العاملين عموماً يكرهون المكاتب المفتوحة. فقد توصلت دراسة أجراها مستشارون اقتصاديون بمؤسسة "أوكسفورد إيكونوميكس" في عام 2016، إلى أن العاملين أرادوا أجواء عمل تخلو من تشتيت الانتباه، أكثر من أي شيء آخر.

إلا أن من بين جميع الاعتبارات التي حسبت الإدارة حسابها، عند تصميم المكاتب، جاءت الضوضاء في مؤخرة تلك الاعتبارات، وربما سبقتها أمور أخرى مثل سلبيات العزلة، وحفظ الخصوصية فقط، حسبما أظهرت تلك الدراسة.

والأسوأ من ذلك، ظنّ ثلثا المديرين التنفيذيين الذين جرى استطلاع آرائهم أن العاملين مزودون بما يحتاجونه للتصرف حيال ما يربكهم في مكاتب العمل، مع أن أقل من نصف العاملين يتفقون مع ذلك الرأي.

في الواقع، غالباً ما يكون العاملون على حق. لا يستطيع المديرون في مستويات الإدارة الوسطى أو مسؤولو قسم الموارد البشرية تغيير نسق وترتيب مكاتب العمل في مؤسسة ما، دون أن تطلب منهم الشركة. وبدلاً من ذلك، "يعتمد الأمر عليك وعلى زملائك" للحدّ من مستويات الصخب، والعمل سوية لتقليل أسباب تشتيت الانتباه، حسب قول الخبيرة بالموارد البشرية، لوري رويتمان، المقيمة بمدينة رالي في ولاية نورث كارولينا الأمريكية.

لذلك، غالباً ما يكمن الحل في التغلب على مصادر الصخب من خلال استخدام سماعات الأذن التي تحد من وصول الصوت المرتفع إليك، إذ أنها تشكل حلاً وقتياً لمصادر الإزعاج السمعية.

لكن حتى في تلك الأثناء، فإن المثيرات المرئية، التي ربما تتمثل في رؤية الفوضى المتراكمة على مكتبك الصغير، أو مشاهدة شخص من قسم الحسابات وهو يمشي متثاقلاً على أرضية الغرفة بجوارك ستجعل التركيز ومعالجة البيانات أمراً أكثر صعوبة، وذلك وفقا لدراسة أجريت عام 2011 من قبل معهد علوم الأعصاب بجامعة برنستون.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption إحدى طرق الحد من الضيق الناتج من الأصوات الصاخبة في بيئة العمل أن تدرك أكثر كيف تؤثر أفعالك على الآخرين

وبالنسبة لمن يعانون من حالات أكثر صخبا، فلا داعي للخشية من طلب المساعدة. إذ يوصي شادي هاردي، خبير المعالجة في بيئة العمل، من بورتلاند بولاية أوريغون، بالحصول على مذكرة من طبيب، مثل اختصاصي السمع. فبإمكان تلك المذكرة أن تجبر الشركة على تخصيص ركن أكثر هدوءاً لك، أو تخصيص أيام للعمل من البيت.

وتعد هذه المسألة من الأمور الشائعة، وكلما أدرك أناس أكثر تأثير الأصوات التي تزعج الآخرين، ازدادت فرص تغييرهم لعاداتهم.

انتقلت ماريا نوكّينين، وهي مواطنة فنلندنية تبلغ 35 عاماً، للعيش في ألمانيا في العام الماضي لتعمل في شركة للوازم الرياضية، وهي تعيش حاليا في منزل مشترك مع ثلاثة عاملين آخرين.

وقد أدركت مؤخراً أنها غالباً ما تطلق زفيرها بصوت عالٍ جداً. ويعود ذلك إلى تمارين التنفس التي تعلمتها من ممارسة اليوغا. ومع أنها غير متأكدة مما إذا كان زملاؤها في العمل ينزعجون من هذه الحركة غير الإرادية، تقول إنها تنوي أن تسألهم.

وتقول نوكينين: "إنها الأمور الصغيرة والبسيطة التي غالباً ما تجعل الآخرين يصابون بالضيق."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة