وسائل التكنولوجيا التي تراقبنا في مكان العمل

كاميرا مراقبة مصدر الصورة Getty Images

في خضم البحث المستمر عن زيادة الإنتاجية، طورت بعض شركات التكنولوجيا وسائل أكثر تقدما لتتبعك خلال أدائك للعمل، فهل هذه الوسائل فعالة حقا؟ الصحفي ريان ديروسو يطرح هذا السؤال، ويسعى للإجابه عنه.

هل تشعر بأن هناك شخصا يراقبك دائما في العمل؟ قد تكون صائبا، فالطريقة التي تراقب بها الشركات موظفيها اتسعت حاليا بشكل تجاوز مجرد الطلب من الموظفين تسجيل الدخول والخروج من مبنى العمل. فالتقدم التكنولوجي والتوق إلى الحصول على البيانات أوجدا الآن سوقا للأجهزة التي يمكن لها قياس تحركات الموظفين، ولياقتهم البدنية، وحتى أنماط نومهم، وكل ذلك بحجة زيادة الإنتاجية.

إذا نظرت على سبيل المثال لشركة هيومانيز، التي تتخذ من بوسطن، ماساتشوسيتس مقرا لها، فإنها تزود الشركات بشارات لهويات الموظفين تحمل وسائل قياس بيومترية.

وهناك العديد من التقنيات داخل شارات الهوية تلك، والتي تسجل كل شيء، بداية من التحركات والتفاعلات في جميع أنحاء المكتب، إلى طول مدد المحادثات، وحتى نبرة الصوت.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، بن وابر، لبرنامج عالم التكنولوجيا في بي بي سي "تكورلد" في وقت سابق من هذا العام إن بإمكان الميكروفونات داخل الشارات معالجة المعلومات الصوتية للكشف عما إذا كان حاملها يسيطر على مجرى المحادثات بشكل فعال، إضافة إلى أنها تكشف عن نبرة الصوت، ودرجة ارتفاعه، وسرعة الكلام.

وتهدف الشركة من وراء ذلك إلى تغيير الدور التقليدي لمستشاري الإدارة في مكان العمل. ووفقا لشركة هيومانيز فإن "تحليلات السلوك البشري" يمكن لها أن تساعد على قياس كل شيء، من عدد المرات التي يتعطل فيها الموظفون، إلى فعالية برامج التنوع والإدماج.

متابعة طريقة تحدثك

لكن الناس الذين يخضعون لأجهزة التتبع هذه قد لا يشعرون بالراحة. ففي العام الماضي، واجهت أجهزة الاستشعار في مكان العمل انتقادات عندما أدرك صحفيون في صحيفة الديلي تلغراف أن الإدارة العليا أضافت أجهزة تتبع إلى مكاتبهم.

وتشمل هذه الأجهزة جهاز استشعار باسم "أكيوباي"، والذي يلتقط حرارة الجسم خلال الجلوس إلى مكتب العمل، مما يمكن المؤسسات من معرفة أوقات وجود الموظفين خلف مكاتبهم، وعدد مرات نهوضهم وتحركاتهم.

وفي أعقاب الانتقادات التي وجهتها نقابة الصحفيين، أزيلت أجهزة الاستشعار. وقال سيموس دولي، مساعد الأمين العام لنقابة الصحفيين البريطانية حينئذ:"إن الحق في الاستشارة بشأن الإجراءات الجديدة التي تحكم هده البيانات منصوص عليه في القانون. وستقاوم نقابة الصحفيين المراقبة في غرفة الأخبار، ومحاولات التحكم في الصحفيين".

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يمكن لبعض الأجهزة متابعة ما إن كنت بمقعدك ام لا، كذلك

منطقة مجهولة المعالم

لطالما كانت لدى الشركات القدرة على مراقبة البريد الإلكتروني، أو المكالمات الهاتفية للموظفين. لكن تقدم التكنولوجيا يتيح فرصا أكبر للشركات لمراقبة موظفيها بطرق غير مسبوقة، مما يزيد القلق أكثر وأكثر إزاء حماية الخصوصية.

ويستخدم الناس الهواتف الشخصية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة للعمل على نحو متزايد (وتوصل استطلاع للرأي أجرته شركة الأمن الأميركية ترستلوك أن 70 في المئة من الموظفين المستطلعة آراؤهم يفعلون ذلك). وتساعد تلك الممارسة - التي تشجع الموظفين على جلب أجهزتهم الخاصة للعمل- الشركات على خفض تكاليف التكنولوجيا.

ومع ذلك، ففي بعض الحالات يمكن لسياسات أمن البيانات المؤسسية أن تمنح المؤسسات القدرة على رؤية معلومات أخرى على هذه الأجهزة الشخصية.

وتستخدم بعض الشركات نظام التموضع العالمي"جي بي إس" وأجهزة الاستشعار في الهواتف لتتبع أماكن وجود الموظفين ـ وحتى سلوك قيادتهم في بعض الأحيان.

وتقول الشركات إن ذلك يساعدها على تحسين أدائها. وتوصلت دراسة أجرتها شركة أبردين للتكنولوجيا والخدمات عام 2012، إلى أن 45 في المئة من الشركات تعتقد أن تتبع الفنيين خلال تنقلاتهم لتقدمي الخدمات كان استراتيجية رئيسية في تحسين الخدمة الميدانية.

ما نجلبه إلى المكتب في هذه الآونة ليس الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وحسب، فقد أوجد ازدهار التكنولوجيا القابلة للارتداء - مثل جهاز "فيتبيت" الشائع استخدامه- اتجاها متناميا في تتبع الصحة العامة في مكان العمل، وتتوقع شركة إيه بي آي للأبحاث والاستشارات أنه بحلول عام 2020، سيستخدم أرباب العمل 44 مليون جهاز لتتبع صحة الموظفين في الولايات المتحدة وحدها.

لماذا تتجسس الشركات على موظفيها؟

في حين أنه من السهل الافتراض أن إجراءات المراقبة في مكان العمل التي تتضمن فرض مراقبة شديدة على نشاطك كل دقيقة، فهل يجب استخدام ما تقوم به من أنشطة ضدك؟ تقول الشركات المصنعة لأجهزة المراقبة إن التتبع يرمي إلى تحسين الكفاءة والحماية والإنتاجية.

على سبيل المثال، لا يمكن لأجهزة استشعار "أوكيوباي" تحديد من الذي يجلس خلف مكتب ما، وما الذي يفعله. ويقول نيل ستيل، الذي يرأس قسم المبيعات والتسويق في شركة كاد ـ كابتشر، الشركة الأم لجهاز "أوكيوباي"، إن تكنولوجيا الشركة تهدف، بدلا من ذلك، إلى مساعدة الشركات على ضمان أنها "تستخدم أصولها بشكل فعال".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يبدو أن أجهزة تتبع اللياقة البدنية والصحة العامة ستزداد انتشارا في أماكن العمل بهدف زيادة الانتاج

وحسب قول ستيل، فإن أجهزة الاستشعار مفيدة للشركات التي تطبق برناج التناوب على استخدام نفس المكتب، والذي يعني تناوب عدة موظفين على استخدام مكتب عمل واحد في فترات زمنية مختلفة.

وبالنسبة للعديد من الشركات، فإن الوصول إلى رسائل البريد الإلكتروني والمحادثات الهاتفية هو بمثابة حماية لها، لأن رؤية اتصالات الموظفين يساعدها على منع تضارب المصالح، أو مشاركة المعلومات الحساسة، أو سيناريوهات أخرى يمكن لها أن تضر بسمعة الشركة.

وفي نهاية المطاف، يمكن النظر إلى ذلك على أنه حماية للعائدات، وقد توصلت شركة الخدمات العالمية المهنية ديلوات إلى أن 40 في المئة من الشركات تعاني من خسارة في العائدات عندما يلحق ضرر ما باسم علامتها التجارية.

ثم هناك عامل الإنتاجية. فتتبع الموظفين لا يساعد على "الحفاظ على سمعة الشركة فيما يتعلق بمن تستخدم وحسب، بل يساعد أيضا على ضمان قيام الموظفين بواجباتهم تجاه العمل"، حسب قول كيرستين سميث، مستشار الموارد البشرية في شركة "فيس تو فيس" للموارد البشرية في المملكة المتحدة.

لكن هل هذا أسلوب ناجع؟يتطلب تحسين إنتاجية الموظف من خلال الرقابة نهجا مدروسا ومصمما خصيصا لذلك، كما قال باحثون في الولايات المتحدة في دراسة نشرت العام الماضي.

وهدفت تلك الدراسة إلى معرفة ما إن كانت الرقابة ستحسن امتثال مقدمي الرعاية في المستشفيات لقواعد غسل اليدين. وكان مقدمو الرعاية يتخلفون عن الامتثال لقواعد غسيل اليدين لدى اقترابهم من نهاية نوبات العمل.

وتابع الباحثون 5,200 من مقدمي الرعاية في 42 مستشفى على مدى ثلاث سنوات، وتوصلوا إلى أن معدل غسل اليدين تحت الرقابة قد ارتفع في أول سنتين قبل أن يتراجع عندما تراخت تلك الرقابة. وعندما توقفت الرقابة تماما، انخفض معدل غسل اليدين إلى ما دون المستويات التي كانت عليها قبل بدء عملية الرقابة.

وربما أدى التجسس إلى تحسين الروتين على المدى القصير، ولكنه لم يصبح عادة. ويقول هينتشن داي، الباحث في جامعة واشنطن في سانت لويس، ميزوري، إنه يمكن القول إن التجسس أدى حتى إلى القضاء على العادات الجيدة التي حلت محلها الأسباب والحوافز الداخلية المعتادة لغسل اليدين، مثل الرغبة الحقيقية في حماية المرضى من العدوى.

وحتى عندما يتمسك الموظفون بالرقابة كأداة عون لهم في سعيهم نحو صحة جيدة، فلن يستغرق السلوك الجديد طويلا كي يختفي، وفقا للنتائج التي توصلت إليها شركة وسائل التواصل الاجتماعي "بفر"، ومقرها سان فرانسيسكو، عندما زودت موظفيها بأجهزة لقياس اللياقة للمساعدة على مراقبة أنماط نومهم.

وبينما لم تخزن الشركة أي بيانات ولم تصل إليها، فقد شجعت الموظفين على تبادل النتائج مع بعضهم البعض، وقدمت لهم نصائح لتحسين أنماط نومهم. وكان الهدف العام تحسين الإنتاجية من خلال تحسين أنماط النوم. ولكن بعد الدفعة الأولى لاستخدام جهاز الاستشعار، انخفضت مشاركة الموظفين بشكل حاد.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption حتى لو كان بإمكان رئيسك التجسس عليك، فإن الخبراء القانونيين يحذرون من أن الأمر قد ينقلب ضدهم

وتقول هايلي غريفنز، المتحدثة باسم الشركة: "إن لم يكن النوم شيئا يتم تبادل الحديث عنه أو مراقبته باستمرار، تتوقف الإثارة لدى الموظفين".

هل يحق للشركة التي تعمل لديها أن تراقبك بصورة كاملة؟

تختلف القواعد حول ما يستطيع صاحب العمل مراقبته، و وما لا يستطيع، وفقا لمكان العيش والعمل.

ففي المملكة المتحدة، يتعين على أصحاب العمل اتخاذ خطوات لإبلاغ الموظفين بأنهم تحت الرقابة، وما الذي يخضع للرقابة، ولماذا يعتبر ذلك الإجراء ضروريا. وفي العادة لا يحتاج أرباب العمل، الذين بإمكانهم تبرير الرقابة بمجرد إجراء تقييم مناسب لتأثيرها، إلى موافقة الموظفين بشكل فردي.

أما في الولايات المتحدة، فإن موافقة الموظف مطلوبة بشكل عام لتمكين أرباب العمل من جمع المعلومات الشخصية واستخدامها والكشف عنها.

وبصرف النظر عن هذا، فلا يوجد سوى القليل من القوانين التي تحكم تتبع الموظفين في البلاد، مما يترك للمحاكم عموما أمر اتخاذ قرار بشأن ما إن كانت إجراءات رب العمل تجاوزت الحدود في كل حالة على حدة.

وينص دليل حول مراقبة مكان العمل كتبته شركة المحاماة "موريسون وفوستر إل إل بي" ومقرها الولايات المتحدة على أن "إخفاق رب العمل في دراسة التأثير السلبي للمراقبة لا يتعارض مع علاقات العمل، ويدمرها في نهاية المطاف، بل إنه يمكن أن يخرق المتطلبات القانونية وقد يصل حتى إلى حد اعتباره جرما جنائيا".

وتستشهد الشركة بحالة حدثت عام 2005 عندما حكم على ستة مديرين تنفيذيين فنلنديين بدفع غرامات أو مواجهة عقوبات مع وقف التنفيذ لمدة عشرة أشهر لاحتفاظهم بشكل غير قانوني بسجلات البريد الإلكتروني للموظفين، وأرقام الهواتف التي طلبوها، في محاولة لمعرفة هوية الأشخاص الذين سربوا معلومات عن نزاعات الإدارة إلى وسائل الإعلام.

وحتى عندما يكون بإمكان أرباب العمل تبرير الرقابة على الموظفين، ينص الدليل على أنه يتعين عليهم تحقيق توازن بين "الحاجة المشروعة لإدارة أعمالهم بأفضل طريقة يرونها مناسبة، واحترام المعلومات والأنشطة الخاصة بموظفيهم".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة