كيف تتميز عن الآخرين وتسوق مهاراتك؟

كيف تتميز عن الأخرين وتسوّق مهاراتك؟ مصدر الصورة Getty Images
Image caption يقول جوناثون هيرشون، خبير في العلاقات العامة، إن كيم كاديشان وباريس هيلتون تتحملان جزءا من المسؤولية عن انتشار الاتجاه للاعتداد بالنفس ولفت الأنظار

أبهر ديدريك ديج ديمين المتفرجين في مدينة أولو الفنلندية بقفزة صعبة في حفرة شُقت في بحر البلطيق المتجمد. ووقف وسط المياه المتجمدة التي وصلت إلى خصره، وقد كتب على صدره العاري اسم منتج يريد الترويج له، وهو وسيلة لتثبيت الهاتف الذكي أثناء التصوير. ثم عرض ديمين، النرويجي البالغ من العمر 24 عاما، مميزات المنتج أمام لجنة من ممولي الشركات الناشئة.

ربما تتعارض طريقته في الدعاية أمام الناس مع "قانون يانتي" غير المكتوب، وهو ليس قانونا، بل معيار ثقافي متعارف عليه في دول الشمال الأوروبي، والذي ينكر تباهي الأفراد بنجاحهم. إلا أن ديمين فاز بالجائزة الأولى في مسابقة "بولار بير" (الدب القطبي) لعام 2016، التي تتيح الفرصة لرواد الأعمال لإقناع المستثمرين بمشروعاتهم. وبلغت قيمة الجائزة 10 آلاف يورو، بالإضافة إلى رحلة إلى وادي السيليكون بالولايات المتحدة. وفوق ذلك نال شهرة عالمية واكتسب شبكة جديدة من المعارف.

ويقول ديمين: "كانت هذه الطريقة فعالة في التسويق لشركتنا". ومنذ عامين، شارك ديمين في تأسيس شركة "فلوموشن تكنولوجيز" في العاصمة النرويجية أوسلو، وقد ساهمت الدعاية للشركة والترويج لها في مختلف المحافل في حصول الشركة على تمويلات بلغت في مجملها 1.3 مليون دولار.

وعلى الرغم من أن القفز شبه عار في المياه المجمدة يعد من الطرق غير المألوفة للحصول على التمويل، فإنه بات جزءا من اتجاه جديد يركز على أهمية استعراض المهارات وجذب الانتباه وبناء السمعة والصورة الشخصية المميزة.

وازداد انتشار المنافسات التي يعرض فيها المشاركون أفكارهم على المستثمرين لتمويل مشروعاتهم حول العالم، وتظهر بين الحين والآخر تحت مسميات جديدة منها "بطولات المشروعات الناشئة"، والفعاليات التي تقام قي عطلات نهاية الأسبوع.

لكن المنافسات الأكثر جرأة تطرح تحديات جذابة لرواد الأعمال الطموحين، مثل تيا ميرفولد، التي روجت لمنصة للتعليم عبر الانترنت تحمل اسم (علمني الآن) في المقعد الخلفي في سيارة كانت تسير بسرعة 112 ميلا في الساعة في حلبة السباق. وفازت ميرفولد، البالغة من العمر 27 عاما، بالمرحلة النهائية من مسابقة "العرض السريع للأفكار" التي تنظمها شركة انفنتي للسيارات في هونغ كونغ، وبلغت قيمة الجائزة 40 ألف دولار.

وتحمست برامج تليفزيون الواقع لفكرة الترويج للمشروعات أمام المستثمرين بطرق غير مألوفة. وقد عرضت برامج من قبيل "دراغون دين" و"شارك تانك" و"أدفنتشر كابيتليست" في نحو 30 دولة حول العالم، وتمنح هذه البرامج الفرصة لرواد الأعمال لإقناع المستثمرين بمشروعاتهم من أجل الحصول على التمويل.

وقد دخلت شركة "أبل"، عملاق الصناعات التكنولوجية، هذا المضمار بإنتاج برنامج جديد يتيح الفرصة لمصممي التطبيقات لعرض مزايا منتجاتهم أمام بعض المشاهير أثناء نزول سلم كهربائي طويل داخل استديو.

مصدر الصورة Jarmo Kontiainen
Image caption رائد الأعمال النرويجي ديدريك ديج ديمين قفز في المياه أثناء عرض مميزات أداة لتثبيت الهاتف أمام لجنة من ممولي الشركات الناشئة في مدينة أولو بفنلندا

ولا ينكر أحد أهمية استعراض المهارات الشخصية أمام الكاميرات، ولكن الأبحاث تشير إلى انحسار الخجل والانطواء من المجتمعات بشكل عام. وفي عام 2008، خلصت دراسة أجريت على طلاب من جامعات أمريكية على مدار 27 عاما إلى أن مستويات النرجسية تزداد في المجتمع. والنرجسية هي الاعتداد المفرط بالذات. ولاحظ الباحثون أن نتائج دراستهم جاءت متممة لدراسات سابقة أظهرت تفشي النزعة الفردية في المجتمع التي تنعكس في بعض الخصال من قبيل تقدير الذات وانبساط الشخصية.

وخلصت دراسة أخرى أجريت في عام 2011 حول انتشار النرجسية في المجتمع الصيني المعاصر إلى أن الشباب في المجتمع الصيني أكثر نرجسية من كبار السن.

الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيرا

يقول جوناثون هيرشون، الخبير في العلاقات العامة بوادي السيلكيون في الولايات المتحدة والذي كان وراء تدشين شركة سوني وآبل وبيونير، إن تليفزيون الواقع قد أسهم في تشكيل هذه النزعة السائدة في المجتمع للتباهي وجذب الأنظار.

يقول هيرشون، بولاية سان فرانسيسكو، إن إضراب كتاب السيناريو بالولايات المتحدة منذ عقد مضى أفسح المجال لصعود نجم برامج تليفزيون الواقع التي أفرزت باريس هيلتون وكيم كارديشان وكايلي جينير. وأضاف: "كانت النتيجة إشراك الجمهور في الحياة الشخصية".

وقد كانت منصات التواصل الاجتماعي المتنوعة التي يشارك فيها الملايين من الناس تفاصيل حياتهم الشخصية وأفكارهم، بدرجات متفاوتة، سببا في انتشار الاتجاه إلى إطلاع الناس على خبايا الحياة الشخصية. كما ساعد بروز نجوم بموقع "يوتيوب"، والحسابات الأكثر متابعة على موقع "انستغرام" في تأكيد أهمية التميز عن الآخرين من خلال بناء سمعة واسم قوي في المجال.

يقول هيرشون إن فكرة التباهي ولفت الأنظار لم تتغلغل في عالم التجارة إلا منذ منتصف التسعينيات، بعد النجاح الكبير الذي حققة وادي السيلكيون في الولايات المتحدة. وكانت المسابقات التي تتيح الفرصة لرواد الأعمال لعرض أفكارهم هي أحد تجليات النزعة التنافسية بين رواد الأعمال لتأمين الأموال اللازمة لمشروعاتهم، وبالطبع زاد الطلب على القيمة الترفيهية التي يضفيها المشاركون على عروضهم. ولا يزال هذا الاتجاه رائجا حتى اليوم.

ويضيف هيرشون: "لمع اسم الكثير من الشركات فجأة في السنوات القليلة الماضية، ولهذا يسعى الناس بشتى الطرق إلى لفت الأنظار".

وفي ظل هذا المناخ الصاخب، ربما لن تفيدك الأفكار والعمل الشاق والموهبة كثيرا في بلوغ أهدافك، ما لم تتعلم كيف تسوّقها وتعرضها للناس. ولكن ماذا تفعل لو لم تمتلك القدرة على عرض مواهبك وانجازاتك أمام الآخرين؟

مصدر الصورة INFINITI Speed Pitching
Image caption فازت تيا ميرفولد، وهي رائدة أعمال من دبي تبلغ من العمر 27 عاما، بجائزة قدرها 40 ألف دولار بعد أن عرضت فكرة مشروعها من المقعد الخلفي لسيارة مسرعة

ميزة ثقافية

يرى هيرشون أن الاتجاه السائد لاستعراض المهارات له آثار سلبية. ويقول: "الكثير من الشركات التي تسعى للفت الانتباه، تمتلك الأساليب التقنية الأقل فعالية ولديها أسوأ الخطط التجارية".

فضلا عن أن هذا الاتجاه يضيع الفرص على الأشخاص الذي ينحدرون من ثقافات تميل إلى التحفظ. وأضاف هيرشون: "الإشادة بمزاياك في اليابان لن تقودك إلا إلى الفشل، وكذلك الحال في دول الشمال الأوروبي. وهذا لأن الثقافة السائدة في هذه البلدان تقف على طرف النقيض من الثقافة السائدة في بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، التي أصبح التباهي فيها ولفت الانتباه هو السلوك المعتاد".

وتقول شارلين سولومون، المسؤولة بمنصة "كالتشر ويزارد" للتدريب على التعامل مع الثقافات المختلفة، التي أطلقتها شركة "أر دبليو 3"، إن المبالغة في التواضع في البلدان التي تحث على امتداح الذات قد تفوّت عليك الكثير من الفرص. فإذا حضرت مقابلة عمل أو كنت بصدد الترويج لمشروعك في الولايات المتحدة، "عليك أن تكون مستعدا للتحدث عن نفسك، فإذا عجزت عن الكشف عن قدراتك الحقيقية، قد تخسر صفقة كاملة" على حد وصف سولومون.

تقول روس تايلور، أخصائية علم النفس ومدربة المديرين التنفيذيين وأستاذة إدارة الأعمال بجامعة ستراثكلايد بالمملكة المتحدة، إن مكافأة البعض بسبب قدرتهم على استعراض مهاراتهم تمثل مخاطر على المجتمع، لأنك بذلك تفضل طباعا شخصية على طباع أخرى.

الاعتقاد السائد في الكثير من الشركات هو أن القائد المثالي ينبغي أن يكون انبساطيا بحيث ينظر للمشكلة من جميع الجوانب ويتحدث عنها بجراءة.

تقول تايلور: "هذا يعني أن العبرة الآن بالقدرة على التفاخر ولفت الانتباه، ولم يعد هناك أي معيار ثابت أو مصداقية. بيد أن الأفكار الخلاقة والمميزة لا تخرج إلا من الشخص الأكثر هدوءا والأكثر حكمة، الذي يتأمل الأمور بروية".

وأضافت: "ولهذا أتوجه بنفسي إلى مجالس الإدارات ورؤساء الشركات وأنصحهم بأن يغيروا النظرة الثابتة للقائد الناجح، فإن التنوع الحقيقي يقوم على وجود أنماط مختلفة من الشخصيات على طاولة الاجتماعات، سواء الانطوائيين أو المنفتحين".

وربما يتفوق الشخص المتحفظ على منافسيه الأعلى صوتا، حتى في مهارات القيادة. وقد كشفت دراسة أجريت مؤخرا على ما يزيد على ألفي مدير تنفيذي أن الأشخاص الانطوائيين كانوا أكثر قدرة على تجاوز توقعات اللجنة المشكلة لاختيار المرشحين للوظيفة والمستثمرين مقارنة بالأشخاص الانبساطيين الذين يتمتعون بجاذبية.

مصدر الصورة Paul Hackett
Image caption تقول روس تايلور، أستاذة إدارة الأعمال ومدربة المديرين التنفيذيين، إن الناس الأكثر هدوءا هم الذي يملكون في الغالب أفكارا خلاقة، رغم نجاح الأعلى صوتا في لفت الانتباه

إن لم تتفوق عليهم كن مثلهم

إذا أردت أن تلفت إليك الأنظار، ولكنك لا تستطيع الجهر برأيك، فهل بوسعك أن تصبح أكثر جرأة؟

ترى تايلور، من خلال عملها في تدريب المديرين التنفيذيين، أن أي شخص يمكنه أن يتعلم كيف يعبر عن نفسه، وتقول إن الشخص الهادئ الذي يتحلى بالشجاعة الكافية ليحوز إعجاب الآخرين، قد يحقق نجاحا باهرا.

وقبل أن يحضر جيري تيريل، البالغ من العمر 44 عاما، جلسات التدريب مع تايلور، كان يجلس صامتا في الاجتماعات. ورغم أن تيريل، المراقب المالي المتمرس بشركة تقنية متعددة الجنسيات في اسكتلندا، كان واثقا من خبرته، فإنه كان يعجز عن التحدث على الملأ، ولا سيما عندما يستضعفه زملاؤه، ويتآمرون عليه لتحقيق مرادهم.

كان تيريل يفضل العمل بعيدا عن الأضواء، وعندما يرصد المخاطر المالية يوجه الناس قبل الاجتماعات أو بعدها، ولكنه شعر أن مستقبله المهني مهدد لأنه لا يتلقى التقدير الذي يستحقه. ويقول: "أدركت أنني كنت بحاجة لإظهار شيء من مهاراتي".

وقد تعلم تيريل، الذي يتحدث بصوت خفيض ويسرع في الكلام إذا كان مضطربا، أن يتمهل بعض الشيء ويختار نقطة أو نقطتين رئيسيتين وأن يوصل رسالته إلى الآخرين.

فهل يستطيع الآن أن يصبح محط الأنظار ويقنع الآخرين بأفكاره؟

يقول تيريل: "منذ عامين، لم أكن أتوقع أن أتحلى بهذه الجرأة. والآن يمكنني أن أعرض أفكاري ولكنني لن أسعى للفت الأنظار بطرق غير مألوفة، بل سأنقل فكرتي بطريقتي الخاصة".

وعندما كان هيرشون حكما في مسابقة الدب القطبي لعرض الأفكار، اضطر إلى إثارة حماسة رائد أعمال متواضع.

ويتذكر هيرشون، قائلا: "شارك في المسابقة عميل من السويد لديه جهاز رائع للتعرف على الوجوه، لم يكن له مثيل في السوق، وكانوا يعرضون للناس جهازهم الذين يصفونه بالمتواضع، وفي النهاية دربتهم على أن يقولوا 'لدينا منتج فريد من نوعه'".

ورغم ذلك، يرى هيرشون أن مهارة التحدث على الملأ ليست من المهارات التي يجب على الجميع تعلمها.

ويقول: "إذا تعالت أصوات الجميع، لن يسمع الناس إلا الصوت الخفيض. فإذا كان لدى الشركة منتج رائع، وأنت تعرضه بهدوء وبالاستناد إلى حقائق مثبتة، سيصل إلى الناس، وسيفهمونه".

ويضيف: "في مجال العلاقات العامة، ليست الغلبة للأعلى صوتا، بل الأكثر حكمة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة