هل تغير لهجتك لتحسن صورتك أمام الناس؟

لقطة من فيلم ماي فير ليدي مصدر الصورة Getty Images
Image caption لعبت اللهجة وعلاقتها بالمكانة الاجتماعية دورا هاما في الفيلم الغنائي سيدتي الجميلة "ماي فير ليدي" لسنة 1964

يقولون إن عليك أن تختار الملبس الذي يوصلك إلى النجاح، لكن هل ينطبق الشيء ذاته على طريقة الكلام؟ جرت العادة أن نرتدي ثيابا خاصا لمناسبة اجتماعية معينة، أو عندما نذهب للعمل، حتى لو كنا لا نرتديها في العادة. فهل يختلف الأمر عندما تغير لهجتك لتشق طريقك في الحياة؟

هناك بعض الأسماء المشهورة التي فعلت ذلك. مارغريت ثاتشر، على سبيل المثال، غيرت لهجتها المميزة لسكان مقاطعة لينكولنشير لتتحدث بلهجة أكثر فخامة ورقياً، متبنية اللهجة الرسمية التي يستخدمها المثقفون في بريطانيا، والتي كان يعتقد وقتها أنها لهجة مميزة لذوي المناصب في السلطة السياسية.

وفي وقت لاحق، أخذ كل من توني بلير، وجورج أوزبورن لهجتيهما في الاتجاه المعاكس، وذلك بإضفاء مصطلحات وألفاظ خاصة بالطبقة العاملة على خطابهما المعروف في العادة أنه خطاب الطبقة العليا، وذلك في محاولة لتحسين فرص تقبل الجمهور لأجندتيهما. وقد أدت التغييرات الواضحة في لهجتيهما إلى السخرية منهما باعتبار أن ذلك يعد تنازلا عن الأصالة.

وتعتبر "اللهجة القياسية" إحدى الطرق التي تصبح فيها لغة ما متقبلة محليا في المؤسسات الإجتماعية، مثل الإعلام والقانون والحكومة. وفي عدة بلدان ناطقة باللغة الإنجليزية، تعتبر اللهجة التي يتحدثها غالبية السكان هي اللهجة القياسية، مثل اللهجتين الأمريكية والأسترالية للغة الإنجليزية.

لكن في بريطانيا، يتحدث اللهجة القياسية، والتي تعرف أيضا بـ "انجليزية الملكة"، أقل من ثلاثة في المئة من السكان الأصليين. ومع ذلك، ليس من المعقول الافتراض أن غالبية البريطانيين يتحدثون بطريقة غير سليمة.

وتصف عالمة اللغة، روسينا ليبي-غرين، ذلك بـ "عقيدة اللغة القياسية"، إذ يعتقد كثيرون أن اللهجة التي يتحدثها ذوو المكانة الاجتماعية الرفيعة هي الشكل اللغوي الوحيد الصحيح، لكن جميع اللهجات صالحة من الناحية اللغوية في حقيقة الأمر.

وتقدم بعض أماكن العمل، مثل مراكز الاتصال، برامج تدريبية على اللهجة لموظفيها. وتشجع بعض هذه المؤسسات اللهجات المحلية، والتي ينظر إليها الجمهور على نطاق واسع على أنها جديرة بالثقة وتثير الارتياح، مثل اللهجة الاسكتلندية أو الجنوب أمريكية للغة الإنجليزية.

لكن الأمور في العصر الحالي أصبحت أكثر تعقيدا من أن تغير لهجتك للحديث بلغة الطبقات الاجتماعية العليا لكي تعزز من فرص تقدمك المهني والوظيفي.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption كانت مارغريت ثاتشر واحدة من الشخصيات العامة التي غيرت طريقة كلامها

أمر مبالغ فيه؟

عندما نفحص الأسباب الكامنة وراء تفكير الإنسان في تغيير لهجته، نكتشف مجموعة من الأحكام المسبقة التي لا ينبغي أن تكون موجودة بالضرورة.

وليس من السهل استخدام لهجة جديدة أثناء العمل، وتركها عند العودة للمنزل كما لو كنا نرتدي بدلة جديدة نخلعها في البيت، حتى لو كان الواحد منا ممثلاً بارعا.

لا شك أننا نجد بعض اللهجات أكثر سلاسة أو متعة من غيرها. لكن اللهجات لا تتعلق فقط بالطريقة التي نتكلم بها، فهي إحدى أكثر الأشياء التي تعكس خلفياتنا الاجتماعية والثقافية.

وثمة أفكار وصور نمطية مسبقة تُرسم عن اللهجات المختلفة، فسكان نيويورك وقحون، والبريطانيون المتحدثون باللهجة الرسمية متعلمون، والمتحدثون بلهجة يوركشير أهل للثقة، والجنوب أمريكيون لطيفون. أما المتحدثون بلهجة مقاطعة برمنغهام البريطانية إما يشبهون المجرمين، أو طيبوا المعشر، فالأمر يعتمد على من تسأله.

وسواء كنت من برمنغهام أو من بروكلين، تنتمي للطبقة العاملة أم للطبقة العليا، متحدثا بلغة ثانية أم باللغة الأم، فإن للهجات دلالة وعلاقة بالشخص أكثر بكثير مما تتوقع.

وأظهرت دراسات أن المستمعين يحتاجون إلى 30 جزء من الثانية (تكفي فقط لقول كلمة مرحبا) لكي يحددوا الانتماء العرقي للمتحدث وخلفيته الثقافية، من حيث كونها مختلفة عن ثقافتهم وعرقهم، ويكوّنوا حكما سريعا عن صفات المتحدث الشخصية، سواء كان إيجابيا أم سلبيا.

وبفضل هذا التميز والاختلاف، يمكن أن تكون اللهجات طريقا مختصرا يتيح لنا تحديد هوية الآخرين من الناحية اللغوية، بناء على الصورة النمطية لانتمائهم الطبقي أو الجنسي أو العرقي.

هل يمكن اكتساب "الكاريزما"؟

ويمكن أن يكون الأمر أداة للتمييز ضد الآخرين، حتى بدون أن ندرك. ومن شأن ذلك أن يصّعب على المتحدثين المهمشين والمنتمين إلى الأقليات العثور على وظائف أو مسكن، أو الحصول على تعليم.

في إحدى الدراسات، أجرى أستاذ علم الاجتماع اللغوي في جامعة ستانفورد، جون باف، مكالمات هاتفية متكررة استجابة لإعلانات الصحف عن شقق سكنية، مستخدما لهجات مختلفة. وسجل عدد الشقق المتوفرة وغير المتوفرة حسب استخدامه أو عدم استخدامه للغة الإنجليزية بلهجة الأمريكيين من أصل أفريقي، أو بلهجة شيكاغو، أو باللهجة الأمريكية السائدة.

وعندما استخدم باف اللهجات غير السائدة أو غير القياسية، تفاجأ بأن كثيرا من المعلنين أخبروه بأن الشقق غير متوفرة. ولم يكن ذلك لأن هناك خطأ ما من ناحية لغوية في هذه اللهجات، ولكن لأن المستمعين لها حكموا على أن مستخدمها ينتمي لعرق أو عنصر غير مرغوب فيه بالنسبة لهم.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، أكدت الأبحاث على ربط المستمعين بين المتحدث، وكافة أنواع الصفات الشخصية مثل الوزن والجاذبية الجسدية والمكانة الاجتماعية، والذكاء والتعليم والشخصية والتفاعل الاجتماعي، وحتى الميل للجريمة، فقط بناء على اللهجة التي تحدث بها.

كما أجرى باف تجارب عن طريق تحدث الشخص ذاته في موضوع ما بلهجات مختلفة. وكانت ردود المستمعين دائما مختلفة عند تغير اللهجات، حتى لو كان الشخص المتحدث هو ذاته دون تغيير.

وفي الحياة العادية، ينطوي الأمر على مضاعفات بعيدة الأثر على أولئك الذين يتكلمون بلهجات موسومة اجتماعيا، في شكل أحكام وصور نمطية مسبقة.

ويعود ذلك إلى المواقف اللغوية التي تصبح فيها اللهجة مصدرا للتفاخر الثقافي، أو مصدرا خفيا للشعور بالعار بالنسبة لآخرين. لكن هذه المواقف المتعلقة بالطريقة التي نتكلم بها متفشية، لدرجة أن المتحدثين باللهجات غير القياسية ربما يحكمون على لهجاتهم الخاصة بنفس القسوة التي تميز حكم الآخرين عليها، مما يبقي على الاعتقاد الخاطيء بأن كلامهم الأصلي "غير صحيح" وبحاجة إلى التغيير.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مجموعة من المتدربين الفلبينيين يخضعون لتدريب على الكلام باللغة الإنجليزية في مانيلا عام 2006

وأظهرت دراسات أن الناس يصنفون المتحدثين باللغات القياسية على أنهم أكثر مهارة وذكاء وكفاءة في التواصل، وملائمين أكثر من غيرهم لتبوء المناصب الرفيعة. أما الذين يتحدثون بلهجات ليست قياسية، فيصنفهم الناس على أنهم ملائمون للوظائف الدنيا وغير المرغوبة.

ويمكن أن يكون لهذه النتائج أثر هائل على حياتنا العملية والوظائف التي نتقلدها، خاصة إذا كان الواحد منا يتكلم بلهجة غير قياسية.

وقد أظهر بحث أُجرى على المواقف اللغوية في بريطانيا أن أكثر من ربع البريطانيين يشعرون بأنهم مروا بتجربة التمييز ضد الآخر بناء على اللهجة. وكلما غير الناس من لهجاتهم ليتمكنوا من مواكبة هذه المواقف والصور النمطية السائدة، كلما تعززت هذه النظرة التمييزية.

وهناك بعض الآثار الحقيقية المترتبة على ذلك في الحياة. على سبيل المثال، هناك عدد أقل من الأكاديميين الذين احتفظوا بلهجات مناطقهم الأصلية، لأن الطلاب بطريقة أو بأخرى لا يجدونهم أكفاء بالدرجة المطلوبة إذا تحدثوا بلهجات مناطقهم الأصلية، وغالبا ما يقيمونهم على هذا الأساس، بغض النظر عن خبراتهم الحقيقية.

حتى في مقابلات التوظيف، من السهل أن يقع من يجري المقابلة في مصيدة الاعتقاد بأن مجرد لهجة الشخص كافية للحكم على قدراته.

كيف تتميز عن الآخرين وتسوق مهاراتك؟

ومن المدهش أن 80 في المئة من أصحاب الشركات والمؤسسات كشفوا أنهم يميزون بين المتقدمين للوظائف بناء على لهجتهم، حسب بحث أجري حديثا. وفي بعض الحالات (وإن كانت غير شائعة)، فقد أناس وظائفهم بسبب هذه المواقف السائدة، حتى لو لم يكن للهجة التي يتحدثون بها علاقة بالعمل الفعلي الذي يقومون به.

وبوجود هذا المسلك اللغوي الصعب، هل من غرابة في أن يلجأ الناس لتغيير لهجاتهم لتصبح حياتهم أسهل؟

القول أسهل من الفعل

قبل أن تتصل بمدرب للكلام واللهجات، خذ بعين الاعتبار أنك حتى لو نجحت في تغيير لهجتك، فلن يغير ذلك من الأمر شيئا. فقد أظهرت التجارب أن المستمعين يكون لديهم مشكلة في فهم المعلومات التي يتلقونها من متكلم ما عندما لا تتطابق لهجته مع خلفيته المعروفة، من حيث عرقه وثقافته والمكان الذي ترعرع فيه.

في أحد الاختبارات، عُرِض على المشاركين صورتان مختلفتان، إحداهما لشخص أوروبي أبيض والثانية لشخص آسيوي. وسمعوا نفس التسجيل الصوتي لمتحدث يتكلم بلهجة انجليزية أمريكية قياسية، في الوقت الذي كان ينظر فيه المشاركون إلى كل من الصورتين على حدة.

ولوحظ أن المشاركين وجدوا صعوبة في فهم الكلام عندما كانوا ينظرون إلى المتحدث الآسيوي. حتى أن بعضهم اعتبر أن ما يسمعه هو لهجة أجنبية غير موجودة، ما يبرز الانحيازات الاجتماعية التي تلطخ تفسيرنا المعرفي للغة.

لذا، من الواضح أن هناك عوامل اجتماعية أخرى تلعب دورا في كيفية الحكم على المرشحين للعمل والمتقدمين للوظائف المختلفة، حتى لو كانوا أكثر فصاحة وأرقى طبقيا من الملكة نفسها.

لكن من الناحية العملية، إذا رأيت أنه من الضروري أن تتخلى عن لهجة موسومة، فمن الممكن أن تفعل ذلك بنجاح على الصعيد الفردي. وفعل الكثير من الناس ذلك، لكن ما المقابل؟

وبدلا من توجيه النصيحة للناس بأن يغيروا جزءا أصيلا من هويتهم، وهو اللهجة في هذه الحالة، من المهم أن نعي جميعا ما نخفي بداخلنا من أحكام لغوية مسبقة.

وعلى صعيد مجتمعي أوسع، لا يعتبر تغيير اللهجة حلا قابلا للاستمرار لمسألة التمييز في مكان العمل بالنسبة للكثيرين. فلن يجدي نفعا على المدى البعيد أن نغير طريقة كلامنا من أجل تحسين فرصنا في الحصول على الوظائف والمناصب.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة