هل يسهم المزاح دائما في إشاعة السعادة في مكان العمل؟

سيدة تضحك مع زملائها مصدر الصورة Getty Images

هل سبق أن سمعت عن موظف لا يعرف الدعابة ويسعى للحصول على ترقية؟ حتما لن يحصل عليها.

في أماكن العمل في أنحاء العالم، يمكن لقليل من الدعابة أن يضفي على المكان راحة وسهولة يكفيان لقضاء ثماني ساعات أو نحوها في اليوم.

لكن بالنسبة لكل موظف أو مسؤول يتمتع حقا بروح الدعابة، هناك آخرون يرسمون التجهم على وجوه زملائهم بسبب استخدام نكات غير لائقة، أو مسيئة لهم. إذن كيف تساعد الدعابة بالضبط في تحسين الأجواء في مكان العمل، وتحسين مكانة الشخص الذي يجيد استخدامها؟

عندما يتجول ستيف كارلايس، رئيس شركة جنرال موتورز كندا، في مقر الشركة في أونتاريو، فإنه يلقي النكات، ويستخدم الدعابة للتواصل والتفاعل مع موظفيه.

يقول كارلايس: "أعتقد أن استخدام الدعابة جزء من مجموعة مهمة من الصفات القيادية. فمن شأنها أن تشيع جوا من الشعور بالراحة في المكان، وبذلك تجعل الموظفين أكثر فعالية في أداء عملهم".

ويعد ما يمارسه كارلايس في شركته الضخمة للسيارات بالضبط ما يوصي به موريس شويتزر، أستاذ إدارة الأعمال بكلية وارتون بجامعة فيلادلفيا.

وقد كشف شويتزر، في دراسة نشرها حديثا بعنوان "عمل مُجازف: عندما تٌنقص الدعابة من المكانة أو تدعمها"، أن الموظف أو المدير الذي يستخدم الدعابة بنجاح، يُنظر إليه كشخص واثق من نفسه، وقوي في عمله، وهو ما يؤدي في المقابل إلى تعزيز مكانته بين العاملين.

مصدر الصورة WAYNE SIMPSON
Image caption يقول ستيف كارلايس إن الرئيس دونالد ترامب مصدر ثري للدعابة

ويضيف شويتزر: "ونحن نتحدث عن مكان العمل، لا بد من الإشارة إلى أن الناس يحترمون الأشخاص الذين يتمتعون بالثقة في أنفسهم. فعندما تكون مرحا، سينطوي ذلك الأمر على مجازفة ما، والمجازفة بدورها هي التي تُظهر الثقة بالنفس".

لكن هل يعتقد الموظفون أن زميلهم الذي يتسم بروح الدعابة أكثر كفاءة في عمله منهم؟

يقول شويتزر إن الدعابة الجيدة تتطلب ذكاء وحرصا، وهو ما يجعل الزملاء يعتقدون أن من يستخدمها يتمتع بمستوى أكبر من الكفاءة بين زملائه.

ويضيف: "يتطلب التمتع بحس الدعابة والمرح أن تأخذ في الاعتبار وجهات نظر الآخرين، وما يعتبرونه مضحكا. كما يعني ذلك أن تعرف الوقت المناسب لاستخدام الدعابة، وكيف تفرق بين المزاح وبين ما يمكن أن يشكل إساءة للآخرين".

ويضيف شويتزر أنه إذا ما ألقى شخص ما دعابة أو مزحة غير لائقة، سواء كانت مضحكة، أو تسبب إهانة لمشاعر الآخرين، فسيظل يُرى في عين الآخرين أنه أكثر ثقة في نفسه، لكنهم سيرونه أيضا كشخص غير كفؤ.

تقول الدراسة: "يشير إلقاء نكات غير لائقة إلى تدني الكفاءة. لذا، فإن الجمع بين الثقة العالية والكفاءة المتدنية يضر بمكانة المرء".

كما إنك لا تريد أن تكون مثل الممثل ديفيد برنت، الذي لعب دور المدير الذي يرسم الوجوم على وجوه من حوله في مسلسل "ذا بوس" الفكاهي، الذي حقق انتشارا واسعا على جانبي المحيط الأطلسي.

مصدر الصورة MAURICE SCHWEITZER
Image caption يوصي شويتزر أي موظف ينوي أن يمارس الدعابة بأن يكون حذرا في نفس الوقت

وتقول جينفر موس، مؤسسة شركة "بلاستيسيتي لابس" في تورنتو، والتي تجري أبحاثا حول الذكاء العاطفي والسعادة في أماكن العمل لصالح عدد من الشركات: "تؤدي الدعابة إلى توثيق العلاقات، وذوبان الفوارق داخل مؤسسة تقوم على التسلسل الإداري." وتضيف: "وتساعد الدعابة على الترابط الوثيق مع موظفيك".

ويشير شويتزر إلى مثال لاستخدام الدعابة بشكل جيد، وذلك في تغريدة نشرها مدير سابق في موقع تويتر، وهو ديك كوستولو، في عام 2009.

وقد جاء في تغريدة كوستولو: "هذا أول يوم لي في وظيفتي الجديدة كمدير للتشغيل في موقع تويتر. والخطوة الأولى هي أنني سأعمل على تقويض سلطة المدير التنفيذي، وتعزيز سلطتي".

وبالفعل، أصبح كوستولو المدير التنفيذي لتويتر بعد عام واحد من ذلك، واحتفظ بذلك المنصب لخمس سنوات، قبل أن يغادر الشركة في نهاية الأمر.

ويقول شويتزر: "لم يكن كوستولو شخصا كوميديا، لكنه جعل من نفسه شخصا محبوبا في الشركة" بعد أن استخدم هذه الدعابة.

وفي الحقيقة، يمكن لأجواء المرح في مكان العمل أن تحارب الجوانب السلبية للأعمال التي يغلب عليها التوتر.

ففي دراسة نشرت في مجلة "السلوك والإدارة التطبيقية" في عام 2006، توصل الباحثون إلى أن مشاعر الإجهاد النفسي، بالنسبة للعاملين في قطاع الرعاية الصحية، كانت أقل لدى من يتمتعون بمستويات أكبر من المرح أثناء العمل.

كما استنتج بحث أُجري في جامعة فريجي في أمستردام أن فرق العمل والموظفين الذين يتبادلون الدعابة والنكات أكثر من غيرهم، قدموا لبعضهم البعض عبارات إيجابية وتشجيعية، من قبيل "تلك فكرة رائعة"، أو "يمكننا حل هذه المشكلة بأن نفعل كذا وكذا".

أما بالنسبة لنوع الدعابة الذي ترغب في استخدامه مع زملاء العمل، فيقول شويتزر إن انتقاد الذات أمام الآخرين "يمكن أن يكون فعالا"، لأنه يضفي بعدا إنسانيا على من يُلقي الدعابة ويجعله أكثر قربا مع من حوله.

كما يمكن استخدام تعبيرات ساخرة بصورة فعالة، حسب ما يقول آدام جالينسكي من كلية إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا، لكنه يوصي باتباع أسلوب حذر في هذا السياق.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تعرف شخصية ريكي جيرفايس، التي قدمها ديفيد برنت، بتجاوز الحدود عندما يتعلق الأمر بالدعابة في مكان العمل

ويقول إن الدعابة الساخرة تكون أكثر فعالية عندما تسود الثقة وعدم التكلف بين الأطراف المختلفة، وإلا فستظهر أي دعابة ساخرة في غير موضعها كدعابة وقحة أو فظة.

ويضيف جالينسكي: " تتطلب السخرية معرفة وجود مرونة في التفكير لدى متلقي الدعابة، مما يساعد على تفسير الكلام بطريقة سليمة. وهذا نوع خاص من الذكاء الاجتماعي الذي لا يجيده أو يحوزه كل الناس".

أما باربارا بليستر، المحاضرة في جامعة أوكلاند للأعمال، فتقول إنه من الضروري ألا تكون الدعابة مصدرا أو سببا للإساءة لأي إنسان.

وتحذر بليستر، التي ألفت كتابا حول الدعابة في مكان العمل، من انخراط المديرين من أصحاب المراكز العليا في تداول أو نشر النكات في مكان العمل.

وتقول بليستر: "إن مزاح المدير مع موظفيه قد يؤدي إلى شعورهم بالإساءة إليهم إذا لم يفهموا المغزى من تلك المزحة، وربما يترتب على ذلك أيضا اتهامات أخرى من قبيل التحرش الجنسي، إذا أتي المزاح بنتائج عكسية".

وتحذر بليستر كذلك من أن مزاح المديرين بصورة مستمرة "ليس دلالة أكيدة على أنهم مرحون ومضحكون، ولا يُظهر ما إذا كان الآخرون يضحكون فقط من باب المجاملة".

ولم يجد تيم واشر، الكاتب الكوميدي بالولايات المتحدة، حرجا على الإطلاق في أن يكون "الشخص المضحك في مكان العمل"، ويُرجع الفضل في ذلك إلى تقديره للكوميديا منذ صغره.

وبعد أن أصبح الآن كاتبا كوميديا ومستشارا، يقول واشر إن الدعابة الصحيحة في الوقت المناسب تبدد التوتر، وتساعد على تقريب المسافات بين الناس.

ويضيف واشر: "إذا أخبرتك بمزحة وضحكت عليها، فمعنى ذلك أننا تقاسمنا لحظة معينة، وأصبح بيننا شيء مشترك".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقعBBC Entrepreneurship.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة