مستثمرون أذكياء يشترون "شوارع" في الولايات المتحدة

صورة من موقع غوغل مصدر الصورة Google

قد يبدو ذلك غريباً للقاريء أن يعلم أن مستثمرين اثنين اشتريا شارعا في سان فرانسيسكو كملكية حصرية لهما، مقابل 90 ألف دولار أمريكي.

فقد أصبح شارع "بريسيديو تيراس"، أحد شوارع الأثرياء في شمال غربي المدينة، مملوكاً الآن لكل من تينا لام، ومايكل تشانغ، بعد أن فازا بصفقة شراء ذلك الشارع في مزاد أجري قبل عدة أيام.

في الحقيقة، لا يمتلك لام وتشانغ المنازل الموجودة في هذا الشارع، وإنما مجرد الطريق والأماكن العامة في ذلك الشارع. لكن يمكن لهذين المستثمرين الفطنين الآن أن يطلبا رسوماً من سكان الشارع من الأثرياء مقابل السماح لهم بالمرور في الشارع، نظير صيانة الطريق مثلا، أو حتى مقابل إيقاف سياراتهم فيه.

الجانب الأكثر غرابة هو أن بلدية مدينة سان فرانسيسكو باعت الشارع في مزاد على الإنترنت لكي تسترد مبلغاً زهيدا قيمته 944 دولاراً أمريكياً لفاتورة ضريبية لم يدفعها سكان الشارع، بحسب تقرير نشرته صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل.

غير أن ذلك حقاً هو ما يجري في قوانين العقارات، على الأقل في الولايات المتحدة الأمريكية.

يقول أندرياس ساويتسكي، الأستاذ المساعد بكلية القانون في جامعة ميامي: "هناك العديد من الأشكال تكون فيها قوانين العقارات أغرب مما تظن".

لكن كيف يمكن للأماكن العامة في شارع، تباع فيه العقارات بالملايين، أن تؤجر بمبالغ زهيدة نسبياً؟ والأكثر من ذلك، كيف يمكن أن تباع من الأساس؟ ويعود الجواب إلى قرون مضت.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption هل يمكن أن يتفوق المستثمرون على مجالس البلدية في صيانة البنية التحتية بصورة أفضل؟

قبل أن يحلم الأمريكيون بفكرة الاستقلال عن بريطانيا بعقدين من الزمن، دخل جوزيف باسيت قاعة بلدية نيو هيفن، بولاية كونيتيكت. وبدا الأمر وكأن لديه فكرة رهيبة للمدينة.

وفي عام 1751، وهب باسيت جزءاً من الطريق السريع القديم إلى المدنية، وكان من المقرر أن يرثه من والده. وفي مقابل ذلك، منحته المدينة شارعاً رئيسياً بوسط المدينة ليكون ملكا له.

كانت تلك المبادلة شائعة في عهد أمريكا المستعمَرة، حيث لم يكن لدى أغلب المدن التي تعاني من ضائقة مالية ما تدفعه لصيانة البنى التحتية فيها. لذا، كانت تبيع الطرق والشوارع، أو تبادلها بعقارات لمتعهدين قادرين على تحسين الطرق، وجمع أموال عن طريق فرض رسوم على السكان لقاء استعمالهم لها.

وتقول مولي برادي، الأستاذة المساعدة في القانون بجامعة فرجينيا:"كانت توجد على الدوام تجارة حيوية في الشوارع".

وتضيف برادي: "كانت هذه الفكرة في الحقيقة سائدة تماماً ولوقت طويل في الولايات المتحدة الأمريكية."

وتصادف أن اطلعت برادي على نموذج باسيت عندما كانت تجري بحثاً عن صفقة بيع أخرى عقدت مؤخراً لبيع أحد الشوارع العامة.

كانت مدينة نيو هيفن، بقاطنيها البالغ عددهم 130 ألف نسمة، مثقلة بالديون، وتتطلع إلى تقليص النفقات، فباعت أجزاءً من شارعين بوسط المدينة لجامعة يل لقاء ثلاثة ملايين دولار أمريكي في شهر يونيو/حزيران، على أمل أن يؤدي ذلك إلى صيانة البنى التحتية بشكل أفضل مما يقوم به مجلس البلدية.

مصدر الصورة Alamy
Image caption لتقليص النفقات، أزاحت بلدية نيو هيفن، بولاية كونيتيكت عن كاهلها أجزاءً من شوارعها لصالح جامعة يل لقاء ثلاثة ملايين دولار أمريكي

مع أمثلة قليلة مشابهة في بقاع أخرى من العالم، يبدو أن هذا حل أمريكي خالص لصيانة الأماكن العامة. كما إنه أيضاً حدثٌ أكثر شيوعاً مما تتوقعه.

وقد باعت بلدية هيوستن بولاية تكساس في شهر يونيو/حزيران شوارع بما قيمته اثنين مليون دولار أمريكي، لشركات من القطاع الخاص لكي تقلص من عجز ميزانيتها.

كما تخطط أتلانتا، بولاية جورجيا، أيضاً لتسليم شوارع عامة لمتعهد خاص. وكردّ فعل على قوانين جديدة متساهلة مع حمل السلاح في الولاية، اقترح أصحاب محلات تجارية وشركات في أجزاء من كانساس سيتي بولاية ميزوري تسليم بعض الشوارع للقطاع الخاص لكي يحظر على الزبائن حمل الأسلحة فيها.

حتى إن الرئيس ترامب اقترح اتخاذ خطوة أكبر، تتمثل في خصخصة شوارع، وطرق سريعة، وجسور بأكملها.

ومن المرجح أن تصبح هذه الممارسة أكثر شيوعاً، إذ تبحث البلديات التي تعاني من عجز مالي كبير، وخاصة في قلب المناطق الأمريكية التي تواجه مصاعب اقتصادية، عن طرق لجمع الأموال.

ولا ينبغي للمشترين في العادة أن يتبعوا نفس الأنظمة واللوائح التي تلتزم بها المؤسسات الحكومية، مما يعني أنه يمكنهم توفير الوقت والمال، مثل إضاءة مصابيح الشوارع، وتحديد سُمك طبقة الأسفلت، حسب قول برادي.

كما يمكنهم أن يبتكروا طرقاً لكسب الربح من استثمارهم في هذه الشوارع. ففي سان فرانسيسكو، اقترح المالكان الجديدان لشارع "بريسيديو تيراس" بيع ذلك الشارع للمقيمين فيه. وإن لم ينجح ذلك، فسيكون باستطاعتهم تحصيل رسوم منهم ومن غيرهم نظير إيقاف سياراتهم في ذلك الشارع.

وفي مدينة تباع فيها المنازل بمتوسط قدره 1.5 مليون دولار أمريكي، وتتجاوز فيها نفقات مواقف السيارات النفقات في غيرها من المدن، فإن ذلك ليس بالأمر الشائع، حسب قول برادي.

وعادةً ما يخضع مالكو شارع ما لقيود معينة فيما يتعلق بتعميره، كما يجب عليهم إجراء الحدود الدنيا من الصيانة. وهناك أيضا "أحكام المضايقات" في قانون الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعني أنه على مالكي الشوارع الخاصة أن يتجنبوا الإضرار بالآخرين وبالتالي عدم ترك الشوارع لتصبح في حالة ردئية إلى درجة تؤدي إلى انخفاض أسعار العقارات الواقعة فيها.

وفي حين طالب ساكنو ومالكو شارع "بريسيديو تيراس" من بلدية سان فرانسيسكو إبطال عملية البيع، فمن غير المرجح الرجوع عن هذه الصفقة، حسب قول ساويتسكي.

مصدر الصورة Alamy
Image caption دفعت إحدى الشركات مبلغ 5 ملايين دولار أمريكي لتحصل على بلدة نبتون بولاية كاليفورنيا على أمل أن تحولها إلى مركز لإنتاج الماريجوانا

كيف حصل ذلك؟ كانت البلدية ترسل إشعارات لدفع الضريبة منذ ثمانينيات القرن الماضي على العنوان المسجل لديها في السجلات، لكن المقيمين يقولون إنهم لم يروا مطلقاً أية فواتير، بحسب ما جاء في صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل.

ووفق قوانين الولايات المتحدة الأمريكية، فإن إبلاغ البلدية بالعناوين التي ينبغي إرسال الفواتير إليها متروك لأصحاب العقارات، وعليهم أن يضمنوا دفع قيمة تلك الفواتير.

طرقات ومملكات

ويقول أندرو فيلدمان، وهو وسيط لبيع وشراء العقارات لدى وكالة "تربلماينت" بمدينة نيويورك، إن شراء الشوارع يعد تخصصا غير شائع بالنسبة للمستثمرين، ومع ذلك فإنهم يتهافتون بشكل متزايد على شراء الطرق وحتى أحياناً بلدات بأكملها كاستثمارات طويلة الأمد.

وفي عام 2012، بيعت بلدة بوفورد في ولاية وايومنغ، التي تسمّي نفسها أصغر بلدة في الولايات المتحدة الأمريكية، لمستثمر فيتنامي لقاء 900 ألف دولار أمريكي. وفي عام 2010، اشترى زوجان بلدة واكوندا الصغيرة بولاية واشنطن لقاء 360 ألف دولار أمريكي.

كما دفعت إحدى الشركات مبلغ 5 ملايين دولار أمريكي لتحصل على بلدة نبتون بولاية كاليفورنيا على أمل أن تحولها إلى مركز لإنتاج الماريجوانا.

ويقول فيلدمان إن الاستثمار في بلدة بأكملها أو شوارع بمفردها سيؤتي نتائجه في العادة إذا ما وجدت طريقة واضحة للكسب من ذلك. وعلى سبيل المثال، يمكن للمستثمرين بناء معمل يقع في نهاية الطريق الذي اشتروه للتوّ، أو أن يبنوا ببساطة كشكاً يستوفي رسماً من كل شخص يعيش في الطرف الآخر من الشارع.

ويضيف فيلدمان: "توجد فرصة سانحة عندما تتعامل مع بلدة اتخذت في الماضي قرارات خاطئة". ويتابع قائلا: "توجد مدن في الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لاستقبال الناس وأموالهم لشراء شوارع أو حتى بلدات بأكملها."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة