خمسة "أساطير" حول صفات المدير التنفيذي الناجح

ستيف جوبز مصدر الصورة AFP

أجريت دراسة حديثة استغرقت عشر سنوات، وشملت الآف المديرين التنفيذيين، لتحديد العوامل التي يمكن أن تصنع قائدا ناجحا، وكانت هناك نتائج مذهلة.

ترعرع أندرو سيلفرنيل في بلدة صغيرة بولاية مَين في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان مصنع الورق في هذه البلدة يتبع إحدى الشركات القليلة العاملة في المنطقة.

ولم يفكر على الإطلاق أن يصبح المدير التنفيذي لشركة عالمية؛ فقد كان يخطط ليصبح طبيباً. ويقول سيلفرنيل: "لم أكن حتى أعلم ما يمكن أن تعنيه شركة. ولا أقول ذلك من باب الفكاهة".

وقد أصيب سيلفرنَيل بعدوى التجارة والأعمال في مرحلة الجامعة، بعد مساعدته رجل أعمال محلي، كان مديراً تنفيذياً لشركة بناء، في إطلاق حملة دعائية سياسية. ويقول سيلفرنيل: "كان شخصاً رائعا حقا، تحرّكه القيم والمعاني. وكان لديه إحساس بتحقيق رسالة ما، وحاول تحسين معيشة الناس".

وعندما عمل سيلفرنيل كمحلل في مؤسسة مالية فيما بعد، قابل المدير التنفيذي لشركة أخرى، والذي اقترح عليه أن يدير له هذه الشركة يوما ما. لكن سيلفرنيل لم يستحسن هذه الفكرة، إذ كان لدى الكثير من المديرين التنفيذيين الذين يعرفهم أساليب استبدادية في الإدارة، ولم يرد أن يكون مثلهم.

ومع ذلك، وبمرور الوقت، أدرك سيلفرنَيل أن تصورات الناس حول ما يجعل مديراً تنفيذياً ما ناجحاً خاطئة في بعض الأحيان. وهو يحتل الآن منصب المدير التنفيذي لشركة "إيديكس كوربوريشن"، التي تقدّر قيمتها بـ 8.6 مليار دولار أمريكي، وتقوم بتطوير العديد من المنتجات السائلة المستخدمة في الزراعة، وقطاعي الصحة والسلامة من الحرائق.

يقول سيلفرنيل إنه ليس مهماً أن تكون شخصاً منفتحاً أو منطوياً على ذاتك، أو أن تكون شخصيتك ذات جاذبية مفرطة. وما يهم في الأمر هو كيفية تصرفك مع العاملين وأهدافك في العمل وأن تكون متواضعاً.

يقول سيلفرنيل: "توجد العديد من الأساطير القوية المصاحبة لما يمكن أن يكون عليه المدير التنفيذي الجيد".

إنه ليس الرئيس التنفيذي الناجح الوحيد الذي شكك في الماضي فيما إذا كانت لديه مؤهلات قيادية جيدة.

وبحسب بحث أجرته شركة "جي إتش سمارت"، وهي شركة استشارية في الإدارة ومقرها في شيكاغو، يوجد الكثير من المفاهيم الخاطئة حول ما يجعل المرء قيادياً جيداً، ودفع هذا الكثير من المديرين التنفيذيين المحتملين إلى إعادة النظر في سعيهم لاحتلال ذلك المركز الوظيفي.

"لعلك تظن أن أحداً لن يراهن على تولّيك منصب رئيس تنفيذي خلال 10 أو 20 سنة"، حسبما تقول إليينا لايتكينا بوتيللو، المساهمة بشركة "جي إتش سمارت"، ومؤسِّسة "مشروع جينات الرئيس التنفيذي"، وهو دراسة استمرت لعشر سنوات وشملت آلاف المديرين التنفيذيين لتحديد العوامل التي تسهم في خلق قادة ناجحين.

وتقول بوتيللو: "ما توصلنا إليه مشجع جدا، فالناس العاديين أيضا يمكنهم الوصول إلى القمة". ونستعرض فيما يأتي بعض الأساطير الشائعة حول شخصية المدير الناجح.

الأسطورة الأولى: يجب أن تكون شخصية المدير التنفيذي ملهمة وقوية

من التصورات المنتشرة بقوة حول المدير الناجح لشركة ما، هي ضرورة أن يكون ذا شخصية تطغى عليها الكاريزما، أو قوة الشخصية وتاثيرها الواسع. تأملوا المدير التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، جاك ويلش، أو المدير التنفيذي لشركة أبل، ستيف جوبز، اللذين كانا يتمتعان بشخصيتين حيويتين تثيران إعجاب الناس كثيرا،ً وكانا قادرين على قيادة أتباع مخلصين.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption وصف بيل غيتس نفسه بأنه إنطوائي، وهي من الخصال التي تساعد المديرين التنفيذيين على تجاوز التوقعات، حسب قول بوتيللو

إنها قوة الشخصية من الخصال التي غالباً ما تبحث عنها الكثير من شركات التوظيف، أو مجالس الإدارة، وتطلب توفرها في أي مدير تنفيذي. وتقول بوتيللو: "تناقشت مع أعضاء مجالس إدارة ممن أعجبوا بمدير تنفيذي محتمل، لكن راودهم القلق لكون ذلك الشخص إنطوائياً".

ولكن اتضح أن الكاريزما أمر مبالغ فيه. فعندما بحثت لايتكينا بوتيللو في أنواع المدرين التنفيذيين الذين فاقوا توقعات أعضاء مجالس إدارة شركاتهم، وجدت أن المنطوين على ذاتهم كانوا أفضل أداءً بقليل من أصحاب الشخصيات الانبساطية.

وفي حين توظف العديد من الشركات مرشحين ممن يبدون واثقين من أنفسهم، ويعود ذلك جزئياً إلى إجادتهم في مقابلات التوظيف، فربما تخفق هذه الشركات في التوصل إلى الحقيقة الكاملة حول شخصية المرشحين.

وتقول بوتيللو: "أن تكون محبوبا، وواثقاً من نفسك يجعلان مسألة توظيفك لتولي ذلك المنصب أكثر ترجيحاً، غير أن هذه أمور لا علاقة لها بالأداء".

الأسطورة الثانية: لا ينبغي على المدرين التنفيذيين أن يقرّوا بأخطاء يقعون فيها

يعاني الكثير من المدرين التنفيذيين من مشكلة عدم الإقرار بخطأ فادح ارتكبوه. إذ يعتبر البعض الفشل دليلاً على الوهن؛ بينما يقلق آخرون من ردود فعل مالكي الأسهم، أو أعضاء مجلس الإدارة.

رغم ذلك، فالفشل هو مفتاح النجاح. وقد توصلت بوتيللو إلى أن جميع المدرين التنفيذيين تقريباً ارتكبوا أخطاء فادحة، حتى أن 45 في المئة منهم أساءوا التصرف إلى درجة أنهم فقدوا وظائفهم، أو تسببوا في أضرار كبيرة للشركة.

ومن بين المرشحين لمثل ذلك المنصب، ممن أساءوا إلى مسيرتهم المهنية سابقا، أو دمروا تقريباً الشركات التي أداروها، انتهى الأمر بنحو 78 في المئة منهم إلى تولي مراكز إدارية عليا مرة أخرى.

أما الذين أقرّوا بأخطائهم، وتعلموا منها، فقد كانوا أيضاً ممن أبلوا بلاء حسنا. وتقول بوتيللو: "هؤلاء هم الذين استطاعوا أن يقولوا 'لم ينجح هذا الأمر تماماً. لقد كان كارثة، لكني أستطيع أن أقول لكم السبب في ذلك، رغم فوات الأوان. ويميل المسؤولون الأضعف إلى إلقاء اللوم على الآخرين، أو أن يفسروا الأمر بعيداً عن الحقيقة، وهذا ما يُصعب عليهم تعلم الدرس، وأخذ العبرة".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الأخطاء الكبرى لا تعيق بالضرورة المسار نحو النجاح، بل يمكن أن تمدنا ببصيرة نافذة كما تقول اليزابيث هولمز، من شركة "ثيرانوس" للتقنية

الأسطورة الثالثة: على المديرين التنفيذيين أن يكونوا من المخضرمين في مجال معين

لا ينبغي لمجرد اشتغال شخص ما بمجال تجاري معين أن يُستبعد من الحصول على أعلى مركز إداري، حسبما تقول أليسون رايان، مديرة خدمة العملاء لدى شركة "إكزيكاتيف هيدهنترز" بمدينة ساوثهامبتن البريطانية.

وتقول رايان: "غالباً ما يعتقد أعضاء مجالس الإدارة أن على المدير التنفيذي أن يكون مخضرما في مجال معين، في وقت نستطيع أن نجد فيه أمراً إيجابياً إذا ما كان ذلك المدير من قطاع تجاري مختلف تماما".

في أغلب الأحيان، يمكن للقادمين من قطاع تجاري مختلف أن يأتوا برؤى جديدة، أو مهارات جديدة، أو أفكار مختلفة للشركة. وتقول رايان: "يمكنهم تطبيق مهاراتهم دون التقيد بوجود آراء مسبقة".

وبالطبع، يمكن تعلم الخبرة والمهارة في أي مجال جديد، حسب قول رايان. إن امتلاك مدى واسعا من الخبرات ونواحي قوية في المهارات البسيطة، مثل إدارة العاملين بنجاح، وامتلاك مهارات رصينة في حل المشكلات، يمكنها أن تفيد أكثر من الإلمام بالتفاصيل الدقيقة لقطاع معين.

الأسطورة الرابعة: يجب أن يكون المدير التنفيذي مستبدّاً

يعتقد كثيرون أنه يجب على المدير التنفيذي أن يكون عديم الرحمة، وتلك فكرة أشاعها ويلش، المدير التنفيذي لشركة جنرال إليكتريك العالمية.

في كل سنة، كان يقسم العاملين لديه إلى ثلاثة أقسام، فيكيل المديح لنحو 20 في المئة من أصحاب الأداء القوي، ويتلقى 70 في المئة ممن في مرتبة متوسطة التدريب اللزم، ويطرد أصحاب مستوى الأداء الأقل الذين يشكلون الـ10 الباقية، من الوظيفة بأسلوب غير لائق.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption إن فكرة المدير التنفيذي المستبدّ، التي أشاعها جاك ويلش، لا تنجح دوماً

وفي الوقت الذي أتيحت فيه للسيد سيلفرنَيل التعرف على الكثير من المديرين التنفيذيين خلال عمله كمحلل مالي وإداري تنفيذي، أدرك أن الإدارة المستبدة تضر بنجاح العمل، ويقول: "ليس الأغلبية متمكنين مثل جاك ويلش، لذا فعندما يحظى البعض ببعضِ من خصال شخصيته، أو عندما تكون التصرفات فطرية، فإن ضررها يكون هائلاً".

ويضيف: "هناك فكرة مفادها أن الترهيب من صفات القادة"، وهي ليست فكرة صحيحة على الإطلاق.

وقد توصلت "جي إتش سمارت" في دراستها إلى أن من يعتقد أنهم يتصفون بالحزم من المديرين التنفيذيين، كانت لديهم فرص أكثر بمقدار 12 ضعفا لأن يكونوا مديرين ذوي أداء عال.

وفي حين نرى المديرين التنفيذيين الناجحين يتسمون بالحزم، فإنهم يتخذون قراراتهم بقناعة وإيمان، ولا يتخذون في الغالب دون التواصل مع من حولهم. فأكثر المديرين نجاحا، كان يحاول التوصل إلى قراراته بعد الرجوع لآراء الموظفين، وأعضاء مجالس الإدارة، وحاملي الأسهم.

وغالبا لا يكون المديرون متساهلين جدا، أو صارمين جدا، إذ لا يمكن إرضاء الجميع، أو ممارسة الاستبداد ضد الجميع، وبالتالي يجب أن يكون هناك حل وسط يؤدي إلى أفضل النتائج.

وتقول بورتيللو: "تأمل المدير التنفيذي وكأنه قائد فرقة موسيقية. فيجب أن يملك القدرة على إشراك جميع أصحاب المصلحة بما يفيد الشركة ككل، دون أن يبالغ في هذا الاتجاه أو ذاك".

الأسطورة الخامسة: على المديرين التنفيذيين أن يكونوا أصحاب شهادات دراسية متميزة

الأسطورة الأخرى هي الحاجة لأن تكون من خريجي جامعة هارفارد أو أوكسفورد لتصبح مديراً تنفيذياً موفقاً.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption إحدى الأساطير هي أن أفضل المديرين التنفيذيين هم جميعاً من خريجي أفضل الجامعات في العالم

في الحقيقة، هناك سبعة في المئة فقط من المديرين التنفيذيين من ذوي الأداء العالي الذين شملهم "مشروع جينات الرئيس التنفيذي"، كانوا حاصلين على شهادة جامعية من رابطة "أيفي ليغ"، التي تضم أكثر الجامعات الأمريكية تميزا، وهناك ثمانية في المئة منهم لم يحصلوا على مؤهل جامعي من الأساس.

وظّفت جيل وايت، وهي المساهمة الرئيسية في شركة "ذا كارلايل غرووب"، العديد من المديرين التنفيذيين العاملين في الشركات التي تستثمر فيها شركتها، وتتفق بأن الحصول على شهادة من جامعة مرموقة لا يؤدي بالضرورة إلى جودة الأداء.

وتقول وايت إن التمتع بـ "مخيلة ذات قدرة قوية" يعد شرطا لازما للنجاح، وليس الجامعة التي تخرجت فيها. وتضيف: "يعد الحصول على شهادة جيدة من الأمور الإيجابية، لكن عدم الحصول عليها ليس في حد ذاته أمراً سلبياً".

وليس الحصول على شهادة من أفضل الجامعات في المملكة المتحدة أمرا مهما في حد ذاته، حسبما يقول رايان، إذ أن الفئة الاجتماعية، وليس الذكاء، هي التي تحدد في العادة من يذهب للدراسة في أفضل الجامعات. ويدرك الناس أن الجامعة التي تخرجت فيها لا تعكس مدى ذكائك أو موهبتك.

أما بالنسبة للسيد سيلفرنَيل، وهو من المديرين التنفيذيين من ذوي الأداء العالي وفقا لما تقوله بورتيللو، فإن الفضل في أنه مدير ناجح يعود إلى ثلاثة عوامل، وهي تحسين أوضاع المؤسسة، أي مالكي الأسهم والعاملين، بالإضافة إلى المجتمع ككل، وفهم طبيعة العمل في الشركة بدقة، والتركيز على مصلحة واهتمامات الناس.

ويقول سيلفرنيل: "أريد أن أكون قادراً على أن أصبح عظيما. وذلك هو عملي، من أجل خلق بيئة يكون فيها الناس في حال أفضل كل يوم".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة