بنك الحظ: اللعبة التي ابتُكرت لإبراز شرور الرأسمالية

نسخة انجليزية من لعبة "بنك الحظ" مصدر الصورة Getty Images

ربما كانت إليزابيث ماغي، مبتكرة لعبة "بنك الحظ"، ستزُج بنفسها مباشرة في السجن، الذي جعلته جزءاً من لعبتها، لو كان العمر قد امتد بها، لترى ذاك التأثير الطاغي الذي أصبحت تحظى به النسخة المُعدلّة من هذه اللعبة.

"ليشتر المرء أرضاً، فلم تعد تُصنّع منها مساحاتٌ إضافية"، هكذا قال الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين ساخراً، في مقولة تشكل أفضل ما يمكنك اتباعه لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة في لعبة "بنك الحظ"، أكثر الألعاب التي تُمارس على الألواح مبيعاً، وهي تلك اللعبة التي علّمت أجيالاً من الأطفال، كيف يشترون الأراضي ويكدسون عليها الفنادق وغير ذلك من المنشآت، وأن يُحصِّلوا رسوم مرورٍ باهظةً من اللاعبين الآخرين، إذا ما اضطروا للوقوف في هذه "الممتلكات".

ولكن لا شك في أن مبتكرة اللعبة، وهي سيدة مغمورة قليلاً تُدعى إليزابيث ماغي، كانت ستزج بنفسها مباشرة في السجن الذي جعلته جزءاً من لعبتها، وذلك إذا امتد بها العمر لترى وتعلم ذاك التأثير الكبير الذي صارت تحظى به النسخة المُعدلة منها. أما السبب فيعود إلى أن هذه النسخة تشجع اللاعبين على الاحتفاء والاحتفال بمبادئٍ تناقض تماماً تلك التي كانت تريد ماغي مناصرتها والدفاع عنها.

ولا يبدو ذلك غريباً، فـ"ماغي" - التي ولدت عام 1866 - كانت على الدوام متمردةً بشكل علني على الأعراف والسياسات التي سادت في عصرها. فقد ظلت دون زواج حتى العقد الخامس من العمر، وتحلت بشخصية مستقلة وتفاخرت بذلك، بل وحرصت على إبراز وجهات نظرها ومواقفها بأساليب دعائية مثيرة.

من قبيل ذلك، نشرها إعلاناً في إحدى الصحف تعرض فيه نفسها للبيع لمن يقدم أعلى سعر بوصفها "أمةً أمريكية شابة". الهدف من ذلك الإعلان غير المألوف - كما قالت بنفسها للقراء المصدومين - هو تسليط الضوء على مكانة المرأة كـ"تابعٍ" للرجل في المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت. وقالت في هذا الشأن: "لسنا ماكينات، وللفتيات عقولٌ ورغباتٌ وآمالٌ وطموحٌ أيضاً".

ولم تقتصر معارك إليزابيث ماغي على مواجهة الأعراف والسياسات والتقاليد التي كانت متبعة على صعيد مسألة التفرقة بين الجنسين، بل قررت كذلك مهاجمة النظام الرأسمالي فيما يتعلق بملكية الأراضي والعقارات وتحديه، ولكن دون الاعتماد هذه المرة على الأساليب الدعائية المثيرة، وإنما من خلال لعبة تُمارس على أحد الألواح.

وقد واتتها الفكرة في هذا الصدد خلال قراءتها كتاباً كان والدها السياسي المناوئ لنظام الاحتكار، جيمس ماغي، قد أعطاه لها. فعلى صفحات هذا الكتاب الكلاسيكي، الذي ألفه هنري جورج عام 1879 بعنوان "الترقي والفقر"، أطلّعت إليزابيث ماغي على مبدأ يؤمن به المؤلف، وهو أن "الحق المتكافئ لكل الرجال في استخدام الأرض جليٌ كما هو حقهم في استنشاق الهواء، وهو حقٌ مُعلنٌ بموجب حقهم في الوجود".

وقد تبنى الكاتب هذا الاعتقاد من خلال جولاتٍ قام بها في مختلف أنحاء الولايات المتحدة في سبعينيات القرن التاسع عشر، إذ رصد وقتذاك فقراً مدقعاً قائماً في البلاد وسط تزايد ثروات البعض.

ورأى أن التفاوت في مسألة ملكية الأراضي والعقارات هو ما يربط - بشكلٍ كبير - بين هذين العاملين: الفقر وتحسن الأحوال. وبدلاً من أن يحذو حذو توين في تشجيع مواطنيه على شراء الأراضي؛ طالب جورج السلطات بفرض ضرائب على هذا الأمر.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption استهدفت قواعد لعبة "بنك الحظ" في نسختها الأصلية أن يتضح أمام اللاعبين كيف يمكن أن يؤدي اتباع أساليب مختلفة للتعامل مع مسألة امتلاك العقارات والأراضي إلى نتائج متباينة على الصعيد الاجتماعي

وكان مبرره في ذلك، أن الجانب الأكبر من قيمة الأرض لا يرتبط بما يُقام فوقها، وإنما ينجم مما حبته الطبيعة لها من موارد ربما تكون قابعة تحت سطحها، من مياه أو مواد معدنية، أو من قيمة المشاع الناجمة عما هو محيطٌ بها، مثل ما قد يكون قريباً منها من طرق أو سكك حديدية أو اقتصاد محلي مزدهر أو أحياء سكنية آمنة أو مدارس ومستشفيات ذات مستوى مرتفع.

وذهب جورج للقول إنه يتعين استثمار عائدات تلك الضرائب من قبل السلطات نيابةً عن كل أفراد المجتمع.

وبلغ اقتناع ماغي بهذه الأفكار حداً دفعها إلى السعي للبرهنة على المزايا الكامنة فيها، لتُقْدِمْ في عام 1904 على ابتكار لعبة أطلقت عليها اسم "لعبة مالك الأرض والعقارات"، وحصلت على براءة اختراع لها كذلك.

وبدا تصميم اللعبة جديداً في ذلك الوقت، في ضوء كونها اتخذت شكل جولة يقوم بها اللاعب على لوحٍ قُسِّم إلى مربعات تراصت عليها شوارعُ ومعالم معروضةً للبيع. وبعيداً عن التصميم، كان مكمن الابتكار الرئيسي في هذه اللعبة يتمثل في مجموعتيّ القواعد التي وضعتها ماغي، لكي يختار من بينها الراغبون في ممارستها.

إحدى هاتين المجموعتين حمل اسم "الازدهار"، وتقضي قواعد هذه المجموعة بأن ينال كل اللاعبين مكاسب كلما استحوذ أحدهم على قطعةٍ أرض جديدة (واستهدف ذلك تجسيد أفكار جورج الخاصة بفرض ضرائب على قيمة الأراضي التي يتم تملكها على أرض الواقع).

كما كانت تنص تلك القواعد على إعلان انتهاء اللعبة بفوز جميع المشاركين فيها، إذا تمكن اللاعب الذي بدأها بأدنى قدر ممكن من المال من مضاعفة أمواله.

في المقابل، أُطلق على المجموعة الثانية اسم "قواعد المُحتكر"، وتتضمن مبادئ مغايرة تماماً. ففي إطارها، يمكن لكل لاعب من اللاعبين أن يمضي دون أي عوائق في طريقه للاستحواذ على الأراضي والممتلكات كلما كان ذلك ممكناً له، كما أن بوسعه أن يُحصِّل رسوماً من كل من شاء حظهم العاثر أن يتوقفوا أثناء مرورهم في أرضه وممتلكاته.

بجانب ذلك، يُتوّج اللاعب الذي يستطيع إفلاس باقي منافسيه؛ فائزاً وحيداً باللعبة. ألا يبدو ذلك مألوفاً إلى حدٍ ما؟

وبحسب ما قالت ماغي؛ فقد كان الهدف من وجود مجموعتيّ قواعد لممارسة اللعبة يتمثل في تمكين اللاعبين من أن يَخْبروا بأنفسهم تجسيداً عملياً "للنظام القائم حالياً على صعيد انتزاع ملكية الأراضي، بكل ما يترتب عليه - في المعتاد - من نتائج وتَبِعات"، وبالتالي إدراك كيف يمكن أن يقود اتباع أساليب مختلفة على صعيد التعامل مع مسألة ملكية الأراضي والعقارات، إلى حدوث نتائج متباينة بشكل كبيرٍ على مستوى المجتمع.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption كانت ماغي تأمل في أن تتمكن من أن تواجه النظام الرأسمالي الخاص بملكية الأراضي والعقارات عبر لعبتها

وأشارت ماغي إلى أنه ربما يجدر باللعبة أن تُسمى "لعبة الحياة .. لأنها تتضمن كل عناصر النجاح والفشل الموجودة في الحياة الواقعية. كما أن الهدف منها هو ذاك الذي يصبو إليه الجنس البشري على ما يبدو بوجهٍ عامٍ، أي تكديس الثروات".

وبالعودة إلى تاريخ لعبة "بنك الحظ"؛ سنجد أنها سرعان ما حققت نجاحاً كبيراً بين المثقفين اليساريين في أروقة جامعاتٍ وكلياتٍ مثل كلية وارتون وجامعتيّ هارفارد وكولومبيا، وكذلك في أوساط المنتمين لما يُعرف بجماعات "الكويكرز" أو "الصاحبيون"، والتي تضم مجموعات من المسيحيين البروتستانت.

وقد عدّل بعض هؤلاء قواعد اللعبة، وأعادوا رسم لوحتها لتحمل على سطحها أسماء شوارع موجودة في مدينة "أتلانتيك سيتي" الأمريكية. ومن بين من مارسوا اللعبة بالتعديلات التي أدخلها "الكويكرز" عليها؛ رجلٌ عاطلٌ عن العمل يُدعى تشارلز دارو، باع في ما بعد نسخة مُعدّلة من "بنك الحظ" إلى شركة ألعابٍ تحمل اسم "باركر برذرس"، على أنها من ابتكاره.

وبمجرد التعرف على الأصول الحقيقية للعبة، اشترت "باركر برذرس" حق استخدام الابتكار المثبت في براءة الاختراع الخاصة بـ"ماغي". لكن ذلك لم يمنع الشركة من إعادة طرح اللعبة باسم "مونوبولي". ورغم أن هذه المفردة تُترجم إلى اللغة العربية باسم "الاحتكار"، لكن اللعبة نفسها تُعرف في كثيرٍ من الدول العربية باسم "بنك الحظ".

بجانب ذلك، قدمت "باركر برذرس" إلى الجمهور المتعطش للعبة، مجموعةً واحدة من قواعد اللعب، وهي تلك التي تحتفي بانتصار لاعب واحد على منافسيه، وليس المجموعة الأخرى التي تستهدف تجسيد الأفكار الخاصة بفرض ضرائب على حيازة الأراضي.

الأسوأ من ذلك، أن الشركة روجت للعبة على أنها من ابتكار دارو، والذي قيل إنه ابتكرها في ثلاثينيات القرن العشرين، وباعها إلى "باركر برذرس" ليصبح مليونيراً. وكانت تلك قصة مُختلقة عن رحلة صعودٍ من القاع إلى القمة، جسدت بشكل ساخر القيم التي تنطوي عليها لعبة "بنك الحظ"، والتي تتمثل في ضرورة أن يطارد المرء المال ويسحق منافسيه، إذا كان يرغب في أن ينجح في الوصول إلى القمة.

ولذا فعندما يدعوك أحدٌ في المستقبل القريب إلى ممارسة "بنك الحظ"، ربما يجدر بك أن تضع في حسبانك الاقتراح التالي، المتمثل في ابتكار مجموعة ثالثة من البطاقات، إلى جانب المجموعتين المعتادتين اللتين تُعرفان باسم "بطاقات الفرصة" و"بطاقات المجتمع".

إذ يمكن تكريس هذه المجموعة الجديدة لبطاقات ترتبط بقيمة الضرائب المستحقة على الأراضي والعقارات الداخلة في إطار اللعبة. وسيتعين على كل لاعب الإسهام بنصيب مالي عبر هذه المجموعة الثالثة من البطاقات، في كل مرة يتقاضى فيها رسوم مرور من منافسٍ آخر له في اللعبة، وهو ما سيكون بمثابة ضريبة يدفعها عن الأراضي والعقارات التي يستحوذ عليها.

وبطبيعة الحال، سيثير ذلك أسئلةً حول القيمة المفترضة لهذه الضريبة وكيفية توزيع إجمالي قيمتها. ومن شأن البحث عن إجابات لهذه الأسئلة أن يؤدي - لا محالة - إلى إثارة نقاشٍ محتدم حول لوحة اللعب، وذلك بالضبط هو ما كانت مبتكرة "بنك الحظ" تحلم به دوماً.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة